عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 02 تشرين الأول 2022

ريان يحاكم العالم

نبض الحياة- عمر حلمي الغول

دولة إسرائيل الفاشية، الدولة الأكثر وحشية، ولاإنسانية، لا تميز بين طفل وامرأة، وبين شيخ وعجوز وشاب، الجميع مستهدفون من قبل كل أذرعها القاتلة: الجيش، والأجهزة الأمنية، وقطعان المستعمرين، والعصابات الصهيونية، التي أنشأتها الدولة وترعاها، وتقدم الدعم لها، مستعينة بقضائها الاستعماري، وصمت العالم، ورعاية الولايات المتحدة لجرائمها، وحماية خروجها عن القانون الإنساني الدولي، وتغطي عمليات تطهيرها العرقي بكل الوسائل اللاأخلاقية، والمنافية للقانون بما في ذلك، التهديد والترغيب لانتزاع صمت وإخراس الدول عن النطق بالحقيقة، أو بعض أوجهها.

هذه الدولة اللاشرعية قامت قوات جيشها الإجرامي يوم الخميس الماضي، باقتحام بلدة تقوع، جنوب شرق مدينة بيت لحم، وهاجمت مدارس الأطفال، ما استدعى من إدارات المدارس السماح للأطفال بمغادرة المدارس، وعندما كان الطفل ريان ياسر سليمان، ابن السبع سنوات مع أقرانه من الأطفال في طريق العودة لبيوتهم، هاجمتهم إحدى الدوريات الإجرامية، وطاردتهم، فهرب ريان مع زملائه الأطفال، وارتقى مكانا عاليا خشية من جيش الجريمة المنظمة ورصاصه، ثم حاول الابتعاد بالقفز للجانب الآخر، إلا أنه فارق الحياة نتاج الخوف الشديد، والإفراز اللاإرادي من الأدرينالين، فلم يتحمل قلبه، فتوقف نبض الطفل الرقيق على مرأى ومسمع من العالم، خاصة من الولايات المتحدة وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي.

ذلك الطفل الوديع، الذي لم يحمل سوى حقيبته المدرسية، وقلم وممحاة ودفتر وكتاب الصف الثاني الابتدائي وساندويتش لم يتمكن من تناوله ذلك اليوم، ولم يعد لحضن أمه وأبيه. حلقت روح الطفل ريان إلى الخلود عاليا، ماضيا مع ركب الطفولة الطويل، الذين اغتالتهم دولة الفصل العنصري والإرهاب المنظم الإسرائيلية. وعانق الشهيد الطفل محمد الدرة في ذكرى رحيله الثاني والعشرين، حيث صادف وداعه الأخير مع استشهاد الدرة في الـ30 من أيلول/ سبتمبر 2000 في الأيام الأولى من الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى) وأمام والده بالقرب من حاجز مستعمرة "نتساريم" في غزة، التي تم تفكيكها لاحقا مع المستعمرات الأخرى في ذات الشهر من العام 2005.

عانق ريان الـ67 طفلا الذين قضوا حتى الآن من العام الحالي في الضفة بما فيها العاصمة القدس الأبدية، وقطاع غزة، ومن سبقوهم من مجايليه، ومنهم الطفلة إيمان حجو، وعلي دوابشة وفارس عودة ومحمد أبو خضير وغيرهم الكثير من أطفال فلسطين الأبرياء، الذين قتلتهم عصابات إسرائيل الرسمية وغير الرسمية بدم بارد. ومع ذلك، لم يحرك العالم ساكنا، سوى استنكار أميركي، ومطالبة خجولة بالتحقيق في مقتل الطفل ريان. في حين أن ذات الإدارة الأميركية وكل المنظومة الأوروبية الرأسمالية لم توقف حملات التحريض على روسيا الاتحادية منذ اشتعال الحرب على الجبهة الأوكرانية في الـ24 من شباط/ فبراير الماضي، وضخت وتضخ على مدار الساعة حملات إعلامية مكثفة ضد روسيا الاتحادية. فضلا عن الدعم المفتوح واللامحدود للدولة الأوكرانية، الذي تجاوز عشرات المليارات من الدولارات من أميركا ودول حلف الناتو وإسرائيل الاستعمارية، ومن يدور في فلكهم، وفي ذات الوقت تركت إسرائيل تستبيح الدم الفلسطيني.

رحيل الطفل ريان عرّى مجددا سياسة الكيل بمكيالين، وازدواجية المعايير، وأماط اللثام عن وجه الغرب الرأسمالي الاستعماري، الذي تاجر ويتاجر بشعارات "الحرية" و"الديمقراطية" و"حقوق الإنسان" وغيرها من المفاهيم الإنسانية، التي تستخدمها غطاء لجرائم حربها ضد الشعوب والدول المستقلة، منتهكة أبسط تلك القيم، فضلا عن قيامها بحماية ودعم إسرائيل، باعتبارها "الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط الكبير". كما تصف دولة الاستعمار الوحشي نفسها، وهي لا تعدو أكثر من دولة فاشية، دولة إسبارطة المتخمة بالأسلحة الكلاسيكية والنووية والجرثومية والسيبرانية.

ريان والدرة ودوابشة وعودة وحجو وأبو خضير وآلاف الشهداء من الأطفال فضحوا هوية إسرائيل كدولة مارقة وخارجة على القانون، ووجهوا أصابعهم الصغيرة إلى الضباط والجنود القتلة، وعصابات "تدفيع الثمن" و"لاهافا" و"شباب التلال" وغيرها من المنظمات الصهيونية الإجرامية التي أسسها قطعان المستعمرين، وهتفوا من بين قبورهم، هؤلاء هم القتلة، هؤلاء هم الفاشيون، هؤلاء من سرقوا البيت والمزرعة والطريق والمدرسة والهواء والماء والبحر والنهر، والجبل والوادي والسهل والصحراء، وحصاد الزيتون والتين والعنب وكل مظاهر الحياة. نادوا وصرخوا بأعلى صوتهم من بين قبورهم: إسرائيلكم أيها الغرب الرأسمالي، دولة موت ومحرقة، دولة استعمارية ولا شرعية، احموا الطفولة الفلسطينية والعربية في بحر البقر وتونس ولبنان وسوريا والأردن من الوحش الفاشي الهائج والمسعور الصهيوني، وأعيدوا الحياة الإنسانية والآدمية للباقين من أطفال فلسطين والعالم، واحموا أطفالكم منهم؛ لأنهم لن يكتفوا بذبح الطفولة الفلسطينية، إنما سيذبحون كل طفل تصل إليه أيديهم.

الطفل البريء ريان ياسر سليمان أقام محكمته العادلة، وأعلن حكمه عليكم جميعا في الغرب وفي المقدمة أميركا، بإدانتكم على صمتكم، ودعمكم وحمايتكم لإسرائيل الفاشية، ويعتبركم شركاء لجرائم الحرب الإسرائيلية، وبالتالي أنتم في حكم مجرم حرب وقتلة للأطفال والنساء والشيوخ والسلام، ويطالب شعوبكم وشعوب الأرض والمحاكم الدولية ذات الصلة بالقصاص منكم. لأنكم لستم أمناء على أرواح الأطفال والنساء، وكونكم أُس البلاء والنكبة.

وسلاما لروح ريان والدرة وكل الأطفال الفلسطينيين، الذين اختطفت دولة البغي والعدوان والجريمة المنظمة أرواحهم، الذين خذلتهم البشرية، وتركتهم لقمة سائغة لمصاصي الدماء من العصابات الفاشية الإسرائيلية.

[email protected]