عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 26 أيلول 2022

"معًا".. حكاية أول فندق فلسطيني طاقمه من ذوي الهمم.. دمج مجتمعي وبسمة أمل

بيت لحم – الحياة الجديدة- عبير البرغوثي - قوة نستمدها من الطاقة والعطاء الإيجابي والإقبال على معاركة الحياة بكل تفاصيلها، نستمدها من أبطال يصنعون في كل لحظة فرقاً في حياتهم وحياة مجتمعهم، ينقصهم الكثير، حقهم علينا كبير، لأنهم يحتاجون للكثير لإبراز طاقاتهم وتحقيق دورهم في إعلاء مساهماتهم في مناحي الحياة كافة، ورغم الظروف المجافية يستمرون بالعمل ولسان حالهم يعلمنا درسا بكل اللغات "أن إصلاح السفن يتم وهي تسير"، لأن توقفها سيؤدي للغرق، يد تعمل على ما ينبغي إنجازه وأخرى تعمل على تهيئة الظروف ليكون الغد أفضل من اليوم، وتكون البيئة حاضنة ومتفهمة على نحو أفضل لاحتياجات ذوي الهمم.

من هنا أخذ مركز "معا للحياة" الذي تأسس منذ 12 عاما في مدينة بيت لحم ويضم 40 شابا وشابة من ذوي الهمم فوق عمر الـ 16 عاما، على عاتقه إعادة دمج هؤلاء في المجتمع من خلال توظيفهم في فندق افتتح أبوابه مؤخرا قرب كنيسة المهد.

كيف بدأت الحكاية؟

من داخل الفندق، تقول رانية هواش التي تعمل في الشق الإداري في المركز والفندق: "بعد عامين على "كوفيد 19" وسوء الوضع الاقتصادي وتراجع حركة السياحة في المدينة، وانخفاض مبيعات مركز "معا للحياة" من منتجات صوف الغنم الطبيعي التي كانت تغطي 50% من احتياجات المركز، الى جانب انخفاض التمويل الذي كنا نتلقاه من الخارج، وحاجة المركز الى المواد الخام التي تمكنه من صناعة المنتجات وبيعها الى جانب الاستمرار في دفع رواتب الموظفين، من هنا بدأنا بالتفكير بكيفية زيادة دخل المركز، وبحكم أننا نتبع لمؤسسة أجنبية، جاء مقترح تحويل المبنى التراثي الذي نعمل فيه الى فندق، وما ساعد أكثر موقعه الاستراتيجي لقربه من كنيسة المهد أحد أهم الاماكن الدينية في الأراضي المقدسة، كل هذه العوامل ساعدت على تحقيق المقترح وتجهيز الفندق الذي يبلغ عمره 100 عام  وتم ترميمه من قبل مركز حفظ التراث الفلسطيني بهدف الحفاظ على طابعه التراثي"  وتحت اسم "معا" افتتح أول فندق طاقمه من ذوي الهمم.

مبنى تاريخي.. وانطلاقة بروح عصرية

عند وصولنا لمبنى الفندق شعرنا بأننا نقف أمام قلعة تاريخية تراثية حافظت على طابعها التاريخي من خلال الحجر الأثري ورسومات البلاط وزخرفاته وألوانها الأنيقة حتى اللحظة، تؤكد هواش أن الموظفين من ذوي الهمم يعملون في كافة الاعمال اليومية الخاصة بالفندق من ترتيب  الغرف، وتجهيز طاولات الطعام، وتحضير القاعة الرئيسة لاستقبال النزلاء وغيرها من المهام التي توكل لهم وتتناسب مع طبيعة اعاقتهم، "هناك مرشد من المركز يتابع عمل الموظفين من ذوي الاحتياجات الخاصة ويبقى برفقتهم طوال فترة دوامهم بالفندق من الساعة الثامنة صباحا وحتى الساعة الثانية من بعد الظهر" تقول هواش .

وتضيف "يتم اختيار الطاقم بناء على طبيعة الاعاقة وبناء على قدرة الشخص على القيام بالعمل، هناك أشخاص غير قادرين على العمل، وهناك اشخاص لديهم القدرة الذهنية والجسدية على، وهذا ما يحدد اختيارهم للعمل في الفندق"، وتتابع "قبل التحاقهم بالفندق يتم تدريبهم من قبل مرشدين على الاعمال الرئيسية، وخلال تشرين الأول المقبل ستنظم لهم رحلة الى ايطاليا بهدف الاطلاع أكتر على التجربة الايطالية في هذا المجال".

حب وبسمة أمل.. وإرادة

أمام مبنى فندق كان في استقبالنا مريم وبلال، وهما من العاملين في الفندق، وتم اختيارهما للعمل بما يتوافق مع اعاقتهما، كانا يبتسمان بكل محبة وفرح لرؤيتنا، وكأن بيننا معرفة من زمن سابق،، براءة الوجه، ونقاء القلب، وحب الحياة رغم التحديات، أبرز ما يميزهم.

تقول مريم كنساس (27 عامًا)  بينما تقوم بتجهيز طاولة الإفطار لنزلاء الفندق من السياح، بلغة فيها كثير من البراءة: "بدأت مع مركز "معا للحياة " منذ 10 سنوات، ومن ثم انتقلت للعمل في الفندق، أقوم بترتيب الغرف والطاولات، الناس لطيفين معي وأنا بحبهم كتير، انا سعيدة لأنني سأسافر الى ايطاليا والتقي بزملاء يعملون في فنادق في نفس مجال عملي. عائلتي تدعمني كثيرا، وتشجعني على الاستمرار في العمل "، وتضيف: "أنا مكيفة كتير".

بينما يقول بلال النجاجرة (17 عاما) وكان يقوم بترتيب الأسرة في إحدى غرف الفندق في الطابق الثاني، "أنا موجود في مركز "معا للحياة" منذ عام ونصف العام، وفي الفندق أكثر من شهرين، أعمل في ترتيب الغرف وتجهيز القاعة الرئيسية، و أنا مبسوط جدا بالعمل هنا".

أحببنا المكان بكل ما فيه

على إحدى "شرفات" الفندق الأثرية المطلة على بيوت بيت لحم القديمة والقريبة من كنيسة المهد، يجلس السائح التركي "آرتون" (51 عاما)، يحتسي قهوته ويستمتع بجمال الإطلالة، يقول "آرتون": "هذه زيارتي الاولى لفلسطين ولبيت لحم تحديدا، احببت هذا الفندق جدا خاصة أنه يدعم الاشخاص من ذوي الهمم، نزلنا في هذا الفندق أنا وزوجتي، وأحببنا الإقامة هنا، ورغم اننا حصلنا على سعر أقل في فندق آخر، الا أننا عندما علمنا وسمعنا عن هذا الفندق وطبيعة الاشخاص الذي يعملون فيه والهدف النبيل الذي يسعى له، قررنا النزول فيه، وأحببنا الخدمة المقدمة هنا ولم نشعر بأي اختلاف عن أي فندق آخر. وسنعاود الكرة في في زيارات قادمة لنا الى بيت لحم".

بلغت كلفة ترميم فندق "معا" نحو 200 ألف دولار تمّ تأمينها من مانحين من سويسرا وألمانيا وإيطاليا وكندا. كما يتواصل مركز "معا للحياة" مع منظمة "ألبرغو إتيكو" الإيطالية التي تشرف على فنادق عدة تشغّل ذوي إعاقة، تقول هواش:  "اطلعنا على تجربة مجموعة فنادق ايطالية اسمها " ألبرغو إتيكو"، ولهم سلسة فنادق في إيطاليا في مدن مختلفة يعملون فيها مع الأشخاص ذوي الهمم، ومن هنا جاءت الفكرة، مدير هذه المجموعة زارناهنا في بيت لحم، واطلع على طبيعة عملنا وقام بتزويدنا بنقاط عمل مهمة أخذناها بعين الاعتبار".

معايير ودوافع.. وتحديات

اختيار فئة ذوي الاحتياجات الخاصة للعمل في مجال الفنادق، عمل ليس من السهل إدارته، فلا بد أن تواجهه الكثير من التحديات خاصة أنه يتم التعامل فيه مع نزلاء بأمزجة وآراء مختلفة، وعليه يجب أن يكون الموضوع مدروساً بدقة، وهناك استعداد لتقبل نتائج هذا المشروع مهما كانت طبيعتها، في ذلك توضح هواش: " هناك نزلاء يعلمون قبل مجيئهم للفندق أن هناك اشخاصًا من ذوي الهمم سيقومون بتقديم الخدمة لهم خلال اقامتهم، ويأتون لهدف انساني، وهناك نزلاء يتفاجأون، لكن يتعاطفون دون أي اعتراض".

وتضيف: " لمسنا تعاطفًا مجتمعيًّا كبيرًا مع هذا المشروع، وتعاطف نلمسه من خلال السوشيال الميديا، ومن خلال الاتصالات، الى جانب فنادق تواصلت معنا وعرضت تعاونها معنا.

"الصعوبات في البداية كانت ترك العاملين وحدهم، يجب أن يرافقهم مرشد من الإدارة، الى جانب كان هناك خوف من عملية تقبل الناس لهم، لكن حتى اللحظة قوبل وجودهم بالرضى"، تقول هواش.

طبيعة الإعاقات الموجودة في المركز والفندق بشكل عام تتمحور حول الإعاقة الذهنية المتوسطة مثل التوحد ونقص الاوكسجين والمنغوليا، ومن الجدير ذكره أيضا أن أعضاء مركز "معا للحياة" يعملون في صناعة منتجات يدوية صوفية من صوف الأغنام الذي يقدمه لهم رعاة محليون".

وتختم هواش حديثها: الهدف الرئيسي من دمج هذه الفئة للعمل في الفندق هو إبراز دورها داخل مجتمعها وتغيير النظرة السلبية تجاههم داخل مجتمعهم".