عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 25 أيلول 2022

يجب وقف تفكير تراس في نقل سفارتها للقدس

باسم برهوم

نشعر بالسرور عندما تحتل امرأة مركز القيادة الأول في أي بقعة على وجه الأرض، ونقول إن العالم أصبح أكثر إنصافا وعدلا، وإنه في المسار الصحيح للتاريخ، الشعور ذاته انتاب كل ليبراليي العالم عندما فازت ليز تراس برئاسة الحكومة البريطانية. ولكن من المنطلق نفسه من حقنا أن نختلف أو نلتقي مع سياسات وأفكار تراس، وعلينا أن نقول إن رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة قد بدأت بداية سيئة بما يتعلق بالقضية الفلسطينية، خصوصا أن بلادها تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية كبيرة بما حل بالفلسطينيين من ظلم ومعاناة.

أن تقول تراس إنها تفكر بنقل السفارة البريطانية من تل أبيب إلى القدس، هو أولا خروج عن سياسة بريطانية تكرست منذ عام 1947 بأن للقدس  بشطريها الغربي والشرقي وضعا خاصا، وهي تنتهك ما كرسته بريطانيا نفسها بالقوة في حرب عام 1948 عندما دعمت صمود الفيلق العربي (الجيش الأردني) لإبقاء القدس الشرقية خارج إطار السيطرة الإسرائيلية وإبقاء قضية القدس خاضعة للتفاوض. ولندن منذ أن احتلت إسرائيل القدس الشرقية في حرب 1967، قالت إنها أرض عربية تحت الاحتلال ورفضت كل الخطط الإسرائيلية لضم القدس الشرقية واعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، وأكثر من ذلك صوتت في مجلس الأمن في أكثر من مرة ضد سياسات إسرائيل لتغيير معالم هوية القدس. وتراس يبدو أنها من نمط القادة الذين يستسهلون انتهاك أو لا يقيمون وزنا للقانون الدولي، إنها ليست مارغريت تاتشر التي تحاول التشبه بها وبسياساتها، فهذه المرأة الحديدية لم توافق بل رفضت تغيير السياسية البريطانية التقليدية تجاه قضية القدس.

تراس قالت إنها تفكر، لذلك علينا بأي طريقة أن نوقف تفكيرها بهذا الاتجاه، أولا عبر التواصل المباشر معها وتذكيرها أن هذا الأمر إن حدث، أي نقل السفارة البريطانية إلى القدس، سيعتبر إمعانا في ظلم الشعب الفلسطيني واستمرارا للسياسة البريطانية الاستعمارية القديمة، والتي من المفترض أن بريطانيا تخلت عنها منذ زمن. يجب القول لرئيسة الوزراء البريطانية إن المطلوب هو الاعتذار للشعب الفلسطيني من التاريخ الذي بدأ مع وعد بلفور، والذي تصرفت خلاله بريطانيا بأن فلسطين وكأنها من ممتلكاتها ويمكن أن تتبرع بها لمن تشاء.

أما ثانيا فعلينا تكثيف التواصل من أقطاب حزب المحافظين والأحزاب البريطانية، ومع أعضاء مجلس العموم البريطاني، هذا المجلس الذي اعترف بالدولة الفلسطينية في 14 تشرين الأول / أكتوبر 2014، لتكن مطالبتنا لبريطانيا بالاعتراف بالدولة الفلسطينية رسميا، بدل إعادة عقارب الزمن للتاريخ الاستعماري الأسود، زمن وعد بلفور.

الشعب الفلسطيني حريص على إقامة علاقات طبيعية مع المملكة المتحدة، لأننا على قناعة أن صفحات التاريخ السوداء يمكن تجاوزها عبر تبني سياسة أكثر عدلا وانسجاما مع القانون الدولي، كما لا نريد أن نكون مختلفين مع رئيسة الوزراء تراس بل على العكس نرغب أن تتطور العلاقات بشكل إيجابي، ولكن لن نقبل وسنواجه أي قرار بنقل السفارة البريطانية إلى القدس، لأن مثل هذا القرار هو عدوان على الشعب الفلسطيني، تماما كما كان عدوان الرئيس الأميركي السابق ترامب.

وهنا على رئيسة  الحكومة تراس ان تختار قي اي جانب من تاريخ تريد ان تكون، من جانبنا نرغب بأن تكون مع التاريخ الذي يحقق السلام العادل وليس تعميق الكراهية ومسار العنف.

نتوقع أن تكون كلمات تراس لرئيس الحكومة الإسرائيلية لبيد هي نوع من المجاملات العابرة، رغم أن قضية القدس لا تحتمل المجاملات، المجاملة الوحيدة المقبولة أن تتحدث تراس عن السبل التي تجعل من القدس مدينة سلام  حقيقي، عاصمة للدولتين، فأي مجاملة خارج هذا السياق هي إمعان في  الظلم وهي عدوان على الشعب الفلسطيني.

ربما من مسؤولية عقلاء بريطانيا أن يتدخلوا للجم التوجهات السيئة في أفكار تراس، لأنها توجهات من زمن الاستعمار القديم المليء بالعنصرية والكراهية والظلم  والذي لا يرغب أحد بالعودة إليه.