عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 24 تموز 2022

خورخي لويس بورخيس!

تغريدة الصباح- حسن حميد

قبل زمن بعيد، في سنواته وفتوته معاً، كنت مولعاً بمتابعة الخطب التي يلقيها الأدباء الفائزون بجائزة نوبل، ليس بوصف خطبهم دليل عمل ثقافي مرتجى فحسب، وإنما بوصف خطبهم الكاميرا التي تكشف الكثير من المخبوءات التي أسرّوها سنوات طوالاً، والتي تعبر عن تعبهم وهم يتزوّدون بالثقافة ويتعلمون طرق التعبير عنها من جهة، مثلما تعبّر عن أحلامهم التي ذهبت بها الظروف فطوّحتها، أو أحلامهم التي أيّدتها الظروف فحققتها من جهة أخرى،  وقد كانت تلك الخطب كشّافة بحق عن جوهر تلك الثقافة التي تحلّى بها الفائزون بجائزة نوبل، وكشّافة لأحلامهم التي رافقتهم مثل الهواجس، مثل الطيوف.

ومنذ زمن بعيد أيضاً، تابعتُ الخطب التي قالها الأدباء الذين فازوا بجائزة القدس التي يمنحها الكيان الصهيوني سنوياً، ومثلما رأيت هناك، في خطابات جائزة نوبل العجب، رأيت في خطابات جائزة القدس العجب أيضاً، ولأن هذه الخطب كثيرة، وقراءة ما فيها يحتاج إلى كتب، فإنني هنا، وعبر هذه الوقفة العجلى، أتلبث عند خطبة الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس (1899-1986) وما سبقها وما تلاها من قصائد وكتابات امتدح فيها الكيان الصهيوني، الأمر الذي جعل أدباء الأرجنتين يقولون: بورخيس يجهر بيهوديته!

مما لا شك فيه أن بورخيس شاعر وكاتب ومثقف كبير، ولأنه كبير انتشرت كتاباته عبر معظم اللغات العالمية، ومن بينها اللغة العربية، وقد تسابقت دور النشر العربية لطباعة أعماله، بعدما تسابق المترجمون على ترجمة مؤلفاته، وبعدما أكمل الشوط النقاد والصحفيون العرب فكالوا له المديح كما لو أنه نيزك أدبي.

لقد قرأنا لأدباء وشعراء ومفكرين وعلماء وفلاسفة يهود كثرة، عاشوا في بلدان مختلفة، من دون أن ترافقنا أي مشاعر غامضة لأنهم يهود، قرأنا ماركس، وفرويد، وهايني، وتسيفايج، وكارل بوبر، وتعلمنا على كتاباتهم واستفدنا منها، لأنّ نظرة هؤلاء لم تكن ضيقة تجول بين أحياز أو جدران ثقافية، بورخيس لم يكن من هؤلاء، شأنه في ذلك شأن كافكا (1883-1924) وميلان كونديرا (1929) فهؤلاء الثلاثة هم أصحاب نظرة ضيقة، رأت الحضارة والأحلام والسعادة البشرية لدى الكيان الصهيوني وحده، وهي نظرة ضيقة بالتوكيد، لأنها لم تر عذابات الشعب الفلسطيني ولا كفاحه، لقد رأت هذه النظرات الضيقة القاعات الإسرائيلية اللامعة، ولم تر المعتقلات والسجون الإسرائيلية المحتشدة بأهل فلسطين رجالاً ونساءً وأطفالاً، بل لم تر هذه النظرات الضيقة الحواجز الإسرائيلية التي لا تنهب الأوقات والحريات فحسب، بل تنهب الهواء أيضاً.

بورخيس، أعطاه الكيان الصهيوني جائزة القدس عام 1971 مكافأة على ما كتبه من قصائد مديح لانتصار إسرائيل على العرب عام 1967، قال: كنت قلقاً على كيان (إسرائيل) قبل عام 1967، أما الآن، وقد انتصرت (إسرائيل) فأنا إن متُّ، متُّ مطمئناً على خلودها! وهذا يعني اطمئنانه أيضاً على خلود الشعب الفلسطيني في المنافي، وديمومة مقارعته  للظلموت الإسرائيلي داخل البلاد! لا بل جاهر بورخيس بيهوديته، بأن عائلته هي إحدى العوائل الإسبانية التي هاجرت إلى الأرجنتين، مثلما جاهر بأن (إسرائيل) ليست فكرة مهمة للحضارة، بل هي فكرة لا غنى عنها، لأنه لا يمكن تخيل الحضارة من دون (إسرائيل)، مثلما لا يمكن تخيّل الحضارة الإنسانية من دون الإغريق والإسرائيليين!

إذا كانت هذه هي حال بورخيس، وهو حر في انتمائه، وحر في كل ما يقوله ويتصرفه، نسأل :ما هي حالنا، نحن أهل الثقافة، من نقاد، ومترجمين، وأدباء، أنبقى على حماستنا وتصفيقنا له ولأمثاله، وهو، وهم، لا يرون ما حلّ بنا بسبب العنصرية الصهيونية وقوتها الباطشة؟ أنبقى طيّ الجهل والعتمة المديدة وعدم الجهر بالرأي المصيب! وهو، وهم، يقولون بأن القدس عاصمة أبدية لـ (إسرائيل)!

ألا يذهب الزيف والكذب والعماء جمال أدبه، وأدبهم؟!

بلى الحياة موقفُ حقّ، وحبلُ جرس الحق بمتناول كل يد واثقة شدود، فهلّا نشدّ الحبل لنسمع جلجلة جرس الحقّ؟!

[email protected]