عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 02 تموز 2022

محمد البيروتي وروايته المدهشة مليحة

يحيى رباح

أهلاً بمحمد البيروتي وروايته "مليحة" التي انطلقت من مخيم الوحدات، جنوب عمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، حيث اختار محمد البيروتي أبطال روايته من الفدائيين، وهل بإمكان الإنسان سواء كان فلسطينياً أو أردنياً أو عربياً إذا أراد أن يصمم حياته ومصيره، وكان على صلة بهذه القضية التي تضج بالظلم الفادح القذر المتعمد الذي أصاب فلسطين وأهلها أن يختار شيئاً آخر في هذا العالم الواسع المضطرب، سوى أن يكون فدائياً؟

كما أن الأخ محمد البيروتي كاتب هذه الرواية "مليحة" سبقه إلى الكتابة أسرى كثيرون، فالإحصائيات الموثقة تؤكد أن الفلسطينيين الذين دخلوا المعتقلات والسجون الإسرائيلية منذ احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة ذلك الشريط المخنوق بين الماء والصحراء، الذين دخلوا السجون والمعتقلات الصهيونية عددهم يربو عن المليون، ظاهرة فريدة، أليس كذلك؟ عدد كبير من هؤلاء كتبوا روايات عن تجاربهم وأنواعا متعددة من الكتابة، لكن محمد البيروتي مؤلف رواية مليحة التي أعرضها عرضاً بسيطاً في هذا المقال يختلف كثيراً، أعمق كثيراً، يتميز بخصوبة فريدة من طبقات المعرفة، فلقد صور لنا في كاميرته الخاصة ذلك المشهد المذهل حين تنظر إلى الغرب إلى البحر وإلى الشمس وقرصها الكبير المحمر وهي تسقط في البحر.

ابن قرية "صمَيل" في وسط السهل الساحلي، حكى لنا في روايته، أن صميلالتي هي قريته صلاتها متعددة، فهي في الوسط بين اللد والرملة، وهي قريبة من السهل الساحلي والخليل، بعد النكبة، كانت تنطلق قافلة ليلية من غزة، من عند حافة بيارة الباشا والمقصود به أحمد حلمي عبد الباقي، كانت القافلة تسير في الليل ذاهبة إلى الأردن، كان الفلسطينيون ما زالوا يبحثون عن أنفسهم، وعائلاتهم أين استقرت، ويقومون بمحاولات خارقة من أجل إعادة وحدة العائلة التي شطرتها النكبة إلى أجزاء كثيرة تحتاج إلى معجزة كي تلتقي، فالكمائن بكل أنواعها كانت دائماً في الطريق.

لا... لا... لا, محمد البيروتي كتب بما يمكن تسميته العبقرية عن القوة الشامخة التي احتاج لها الفلسطيني لكي يعثر على نفسه من جديد في الثورة التي فجرها هذا الفلسطيني عام 1930.

مهما شرحت وأثرت من النقاط، فلا بديل عن قراءة رواية محمد البيروتي بشغف، عندما تكون أعمى فاقداً لعينيك الاثنتين، نزعوا منك عينيك واحدة وراء الأخرى كيف ترى؟ كيف تخترع أرقامك الخاصة، وعدد خطواتك التي يجب أن تحفظها حفظاً يستعصي على الأقدار، وعلى الآلهة، يستعصي على العدو والصديق لكي تظل لك طريقك، ولكي تظل قادراً على الوصول إلى تلك الطريق.

محمد البيروتي كاتب متميز جداً، ولد في زمن مليء بالدهشة أكثر من الذين صنعوه، الإسرائيليون كما يقول "محمد البيروتي" صنعوا مقابر جماعية تحت الأرض حتى لا تحيا ثانية، لماذا تدهشون حين يفقد المستوطنون أمثال نفتالي بينيت رئيس وزراء إسرائيل المستقيل وعيه؟ هل بسبب أن رأسه أصلع وليس هناك شعر لتثبيت الكيباه، القبعة اليهودية التقليدية، هل لأنه مستوطن ولا يملك سنتمترا واحداً يمطه ليصنع منه جديله؟ لا، ليس هذا ولا ذلك، بل لأنه صار يعرف عن ثقة مؤكدة، أن مقابر القرى الفلسطينية ستنهض حية ذات يوم، وتصيب من بقي من الإسرائيليين الذين دفنوها بالرعب وبالجنون، هذه قبلتي لك يا محمد البيروتي.