عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 02 تموز 2022

فنتازيا قمر على سمرقند

عمر حلمي الغول

أتيح لي مؤخرا أن أغرق في زوايا التاريخ والفنتازيا والأساطير والبوليس واللغز الآسر، والجنس والشيوخ والحي الروسي والحي اليهودي، وليليان والغجر والتتار والاوزبيك والاذربيجان والتركمانستان والأتراك والهنود والصينيين والكوريين، والهزائم والانتصارات الوهمية فوق الأرائك والخمر والنياشين النحاسية على صدور الجنرالات، والاختطاف. نص آسر غني بالصور والرموز والأبطال، وإن كان تعامد بطلان في تفجير ينابيع السرد عن عالمين مختلفين ربطت بينهما الصدفة والقدرية في آن، وشدت وثاق الروابط بينهما سلسلة الأحداث والتطورات الدراماتيكية العاصفة، والطريق الطويل والمتعرج والاستراحات الإجبارية اللااختيارية غالبا بين طشقند وسمرقند مرورا في بخارى والمقامات وصولا لقصر بيبي خاتون الذي لم يكتمل، وثم تدميره على المعشوقة التي تمردت على تيمورلنك حاكم نصف الكرة الأرضية أو اكثر، والنص الواصل والجامع بين سمرقند، المدينة التي لم تحرق، أو التي حرقت من أجلها مدن وعواصم التاريخ، كي تبقى متوجة عليها، تتلألأ سماؤها بالقباب والقصور والنجوم وبين مصر الفرعونية العربية.

خيط كالحبل السُّري جمع بين شاب مصري عربي وشيخ أوزبكستاني يعمل سائقا بين طشقند وسمرقند، وثقت الوشائج بينهما اللغة العربية، رغم الخوف والشك والريبة التي انتابت الشاب "علي" من شكل الرجل وملابسه وسيارته المتهتكة،
إلا أن كل تلك المخاوف تلاشت في غمار المغامرات الجنسية والدموية والإنسانية والدينية وحوار التاريخ وقرآن الخليفة الثالث عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وظهور الشخصية الأخرى للسائق، شخصية "نور الله" رجل الدين، المفتي وصاحب المقام الرفيع في زمن مضى في أعقاب الدراسة في مدرسة "مير عرب"، التي تهدج فيها حروف العربية الفصحى، الإمام الورع المطارد من الشرطة ورجال الأمن.

سهوب وجبال وهضاب وأنهار وقباب وخانات ومساجد وعوالم شتى، ومحطات ومغامرات تقصف الأعمار، وتحيي العظام وهي رميم، ورغبة كل منهما سبر أغوار الآخر، جمعت بين الرجلين أثناء السفر، أطالت تلك الأحداث أمد الطريق، ألقت بهما في المهالك، فرقت بينهما، ثم جمعتهما ثانية وثالثة. كما جمعت بين الشيخين الطفلين "نور الله" و"لطف الله" رحلة القطار المتجه لمدرسة "مير عرب"، وهي بالأصل مدرسة "الأمير العربي" فسقطت منها الأحرف الأولى، واختزلت بما ذكر، وإنقاذ لطف الله لصديقه نور الله من العديد من الورطات والمنزلقات والمتاهات، ومحاولات نور الله إنقاذ صديقه الشيخ العنيد، إلى أن دفع ثمنا باهظا حتى لا يفتي بقتله، أحاله لقارعة الطريق، وعلى الرصيف بين ليلة وضحاها.

وكل ما تقدم، كان جسر الوصول إلى سمرقند والتعرف على المرأة شبيهة بيبي خاتون "طيف"، التي اختطفت عقل وقلب الدكتور علي، والوصول إلى بيت الجنرال الروسي رشيدوف، صديق والده، الذي جاء من أجل رؤيته، للتعرف من خلاله على خفايا شخصية والده الضابط الكبير، رجل الأمن الكتوم، الغامض والصامت، الذي لا يظهر عواطفه، الأمر الناهي المنهار والمنكسر بعدما
أحيل على التقاعد فجأة ودون سابق إنذار بعد توقيع الصلح بين مصر السادات وإسرائيل بيغن ورعاية كارتر الأميركي. والمغامرات التي وقع فيها الدكتور علي داخل أسوار الحي الروسي في سمرقند حيث المخدرات والدعارة والخمور لمساعدة الجنرال العجوز رشيدوف في إعادة ابنته الهاربة ناديا، وحصوله على الرسائل، التي احتفظ بها الجنرال الذي بقي في مصر بفضل صداقته مع والده، ثم أُمر بالرحيل فورا مع مطالبة والد علي بالاستقالة فورا.

ثم أخذنا علي في صراعه مع والده، ومع أعداء النظام، واختطافه من داخل كلية الفنون الحربية من قبل الإرهابيين، وعودته لكلية الطب، وعلاقته العابرة مع فايزة التهامي وسلمى جوهر المختلفة، وقصة فايزة مع والدها الجنرال المهزوم وسفاح المحارم، واعتقال سلمى ورفاقها الطلاب من الجامعة لرفضهم اتفاق العار والاستسلام في كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل.

ألف قصة وقصة، كما قصص ألف ليلة وليلة أسرنا فيها الروائي المبدع الدكتور محمد المنسي قنديل، صاحب النص الروائي الأنيق والبديع والتراجيدي والدرامي خاطف العقول والقلوب، والقابض على جمر الأحداث وعظمتها، في روايته "قمر على سمرقند" الصادرة عن دار الشروق المصرية بطبعتها التاسعة عام 2020، وجاءت في 454 صفحة من القطع المتوسط.

الرواية من وجهة نظري نص فنتازي فيه بهاء وجمال وقوة آسرة، أخاذة، يشبه إن لم يتفوق على الأدب الروائي الأميركي اللاتيني. رواية جالت في التاريخ والهويات والتضاريس والعوالم السفلية وأنظمة الفساد والعسس والهزيمة، وزندقة الشيوخ وتلونهم والنساء والحب بتجلياته وعطائه. ومع ذلك بقيت مفاتيح أسرار الرواية مغلقة نسبيا، رغم امتلاك ناصيتها. وتوقف الدكتور علي عند لحظة شراء رجال الشرطة بثمن بخس من الدولارات، دون أن تنتهي الرواية.