عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 29 حزيران 2022

الإجهاض و "نظرية الاستبدال العظيم"

ترجمة وتحرير: إيناس عيسى

الإجهاض من عدمه، قضية مختلف عليها عالميا لأسباب إنسانية أو دينية أو أخلاقية أو تحت بند الحريات. لكن، حينما يسيس قرار كهذا لأجل مصالح خصوصا العنصرية منها، تنحرف القضية إلى مكان آخر. الجمهوريون في الولايات المتحدة تمكنوا من إسقاط الحق في الإجهاض بعد عدة سنوات من السعي لتحقيق هذا الهدف، وكل ما يثير حفيظتهم: تفوق العرق الأبيض. هذا ما أثبتته تصريحات بعضهم والحقائق التي تناولتها كل من صحيفة الجارديان وإذاعة صوت أمريكا.

"أيّها الرئيس ترامب، نيابة عن كل وطنيّي Maga (اجعلوا أمريكا عظيمة مجددا)، أرغب بشكرك على النصر التاريخي لأجل حياة البيض في المحكمة العليا أمس" هذا ما قالته الجمهورية من ولاية إلينوي، ماري ميلر، أمام حشد لترامب في الولاية المذكورة بخصوص قرار منع الإجهاض في الولايات المتحدة الذي صدر يوم الجمعة المنصرم.

وادعى المتحدث باسمها، إيسايا وارتمان، في حديثه لأسوشيتد برس أنّ ما حدث كان خلطا للكلمات وأنّ ما قصدته ميلر هو نصرٌ "لأجل الحق في الحياة".

وذكرت صحيفة الجارديان،  أنّ ميلر كانت قد اقتبست في خطاب لها العام الماضي قولا لهتلر عرّضها للنقد الشديد: "هتلر كان محقا في شيء واحد إذ قال: من لديه الشباب يملك المستقبل".

وحسب ما جاء في الصحيفة، تزامن هذا الحشد مع ترويج اليمين المتطرف "نظرية الاستبدال العظيم"، وهي أيديولوجيا عنصرية تزعم أنّ الناس البيض وتأثيرهم سيستبدلون بغير البيض، ويلوم أنصار هذه النظرية الهجرة والتغيرات الديموغرافية مثل معدلات المواليد (كونها منخفضة جدا بين أوساط البيض مقارنة مع غيرهم).

ترامب ادعى خلال الحشد أهمية دوره في قرار المحكمة العليا يوم الجمعة لصالح إنهاء الحق الدستوري بالإجهاض. حيث ذكر أنّه في عام 2016 وعد بتعيين قضاة يعارضون حقوق الإجهاض، وعليه صوت القضاة المحافظون الثلاثة الذين عيّنهم لصالح إسقاط قرار (Roe v Wade) (الذي يمنح الحق بالإجهاض و أصدرته المحكمة العليا عام 1973).  وأضافت الصحيفة أنّه بعد قرار يوم الجمعة، شعر العديد من نواب مجلس الشيوخ ممن صادقوا على القضاة المسؤولين عن هذا القرار بأنّهم خدعوا، كما أشاروا إلى تصريحات سابقة للقضاة الذين عينهم ترامب قالوا فيها إنّهم لن يسقطوا القرار، بحسب الجارديان.

وقالت إذاعة صوت أمريكا على موقعها في شهر أيار هذا العام بعد حادثة الهجوم الإرهابي في مدينة بافالو بولاية نيويورك الذي نفذه شاب أبيض أسفر عن مقتل 10 أشخاص وإصابة ثلاثة آخرين كلهم من السود، إنّ جذور "نظرية الاستبدال العظيمة" تعود إلى ظهور الحركة القومية الفرنسية في القرن العشرين. ولكنّ المصطلح نفسه، "الاستبدال العظيم"، صاغه وأشاعه الكاتب القومي الفرنسي الأبيض رينو كامو وأصدر كتابا بهذا العنوان في عام 2011. ويصف كامو "الاستبدال العظيم" على أنّه حقيقة واضحة وليس نظرية، ويقول إنّه عبارة عن "تغيير في الناس والثقافة والحضارة."

وعلى الرغم من أنّ هذا الكتاب لم يترجم إلى الإنجليزية إلا أنّه حفز على ربط شبكة اليمين المتطرف عبر أوروبا بالمتطرفين في الولايات المتحدة، حسب قول ويندي فيا، شريكة مؤسسة ورئيسة للمشروع العالمي ضد الكراهية والتطرف، لإذاعة صوت أمريكا.

وأضافت فيا:" "نظرية الاستبدال العظيم" هي نظرية مؤامرة تقول إنّ الناس البيض سيستبدلون عمدا بالمهاجرين سواء الدائمين أم المؤقتين، والمسلمين، واللاجئين من أنحاء العالم، مما سيلحق الضرر بالدول الأوروبية والولايات المتحدة على وجه الخصوص". وأضافت الإذاعة أنّ كامو لم يَلم اليهود بهذه النظرية ولكنّ المتطرفين البيض الأمريكيين تبنوا مصطلحه كشعار لمعاداة اليهود.

وفكرة استبدال البيض لاقت شعبية بين المتعصبين البيض في الولايات المتحدة الذين تبنوها عوضا عن نظرية "التطهير العرقي للبيض" في محاولة لإعادة ترويج أنفسهم كقوميين بيض، ولأنّها حسب ما وصفها ميشيل هايدن، المتحدث باسم مركز قانون الفقر الجنوبي، " أسهل لفهم الناس من فكرة التطهير". وأضاف، "أصبح الآن مرتكبو عمليات إطلاق النار الجماعي يمتلكون أيديولوجيا لتبرير عنفهم".

وتسللت هذه النظرية أيضا إلى بعض وسائل الإعلام الأمريكية مثل قناة فوكس نيوز ذات النهج المحافظ، وأصبح المصطلح شائع الاستخدام بين المذيعين والسياسيين الضيوف، فقد قال مقدم القناة تاكار كارلسون "إنّ سياسة بايدن "للهجرة الجماعية" مصممة "لتغيير الخليط العرقي في البلاد"، كما وادعى أنّ "نظرية الاستبدال العظيم مصدرها اليسار حيث يحاول الناشطون والسياسيون تحفيز تغيير ديموغرافي لأجل مصالح سياسية." ولكنّ الرئيس بايدن أدان أثناء تقديمه تحية التقدير لضحايا هجوم بافالو من يحاولون نشر أكذوبة استبدال البيض.

كما أشارت الإذاعة إلى أنّ كامو حاول استبعاد نفسه ونظريته عن التسبب بهجوم بافالو وغيره من المذابح الإرهابية مثل مقتل 13 مصليا في كنيس في بيتسبرغ في عام 2018، وذبح 51 مسلما في مسجدين في نيوزيلاند، والقتل الجماعي لـ 23 شخصا معظمهم من الهسبانك ( الأشخاص من الأصول اللاتينية أو من يحملون الثقافة الإسبانية) في إل باسو في تكساس عام 2019.