عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 28 أيار 2022

نداء يونس تقدم ترجمة لقصائد الشاعرة الألفية لي تشينغ تشاو بعنوان: بحث، صيد، رغبة، تلَفُت

نداء يونس *

لم تحظ التجربة الشعرية للشاعرة الألفية لي تشينغ تشاو 李清照 (1084 - 1155)التي عاشت في عهد أسرة سونغ في القرن الثاني عشر، وتعد واحدة من أعظم الشاعرات في تاريخ الصين، وعلى قدم المساواة مع شكسبير، كما شعراء الصين العظام مثل  دو فو ولي باي،بدراسة واسعة النطاق نسبيًا في الغرب، ولم تكن اوفر حظا في الشرق رغم أنها صاحبة نص ذكي وحساس وساخر  جدا وجرئ وقادر على الانتقاد دون صراخ، ويتمتع بالسيادة.

 

استندت هذه الترجمة في أغلبها الى الترجمة الانجليزية لاشعارلي تشينغ تشاو ، والتي قدم لها وانجزها المترجم رونالد ايغان عام 2019 لصالح دار دي جروتر والذي قال في تقديمها: أنه كان منذهلا من كيفية اعادة العلماء تعريف صورة لي على مر القرون، "لأن التغييرات في التاريخ الاجتماعي للصين لن تتسامح مع شاعرة قوية ومثقفة بدون ارتباطات ذكورية".لذلك، أطر الدارسون قصائدها بصوت زوجة محبّة، أو زوجة حزينة، أو أرملة بائسة، كونها الأصوات الوحيدة المقبولة اجتماعيًا للمرأة للتعبير عنها.

 

قام ايغان بترجمة جميع القصائد  التي نظمت باسلوبي shi  و fu، وجميع قصائدها النثرية، وستة وستين من كلمات أغانيها ، مع حذف تلك التي تُنسب بشكل موثوق إلى كتاب آخرين. الكتابات الوحيدة التي لم أقم بترجمتها هي النثروثلاثة عشر وصفًا مقفى للحركات والاستراتيجيات في لعبة اللوحة Capture the Horse. لم ألتزم بسند ترتيب القصائد وفقا لمنهجية المترجم في محاولة تختلف عن تجربة ايغان في تلافي التشويش عن طريق طرح القصائد كمجموعات متجانسة تبدأ من العاطفي الى الوطني، ورغم محاذير خلط الفترات الفاصلة بين تجربتيها موضوعاتيا ما بين زمن قبل النزوج والتهجير من وطنها وبعده. لكن الترجمة مقامرة ومغامرة اذ يبقى هذا الفن الصغير اي فعل الترجمة تأويلا ومكتوبا مرتين كما تقول كاترينا دودسون.

تكتب لي ببساطة عبقرية، باختزال وكثافة مذهلة، تجمع العناصر التي لا تجمع عادة في صورة واحدة ثم تربط بينها بشكل مذهل. قصائدها الغنائية االاستبطانية والصادقة والشخصية للغاية، لا تكشف فقط جوانب من الحياة الاجتماعية في ظل اسرة سونع التي سقطت بشكل أضاف دراماتيكية لشعرها، ولا تعري جوانب لحياتها الفكرية والعاطفية، ولا تعرض لثقافة الصين دون اغراق بل بتوظيف ذكي، بل تميط اللثام عن آليات تلاعب مقتدرة تحول اللغة البسيطة ومشاهد اليومي والعادي الى رمزية جارفة وخطيرة.

تستخدم لي الفراغات الشعرية في الكتابة، الكثير من الفراغات التي يمكن ان يملأها القارئ من تجربته، الكثير من الكلام الناقص بين سطرين او حتى صورتين او ربما في احالة الى رمز ثقافي محلي او في تراكيب تربط بين الاسطر الشعرية، تستند الى الخزانات المعرفية وتجربة المتلقي ضمن ضفتي القصائدلكنها تقود قارءها مثل انعطافات الانهار الحادة الى قصيدتها مرة تلو أخرى، هكذا يكتسب شعرها بعده العالمي.انه تلاعب ذكي يحرر القارئ من ثقل الفلسفة المدرسية ويوهمه بانه يصنع المعنى فيما تحرك لي دلالاتها واحالاتها وترسم عوالم لا ينفك القارئ يجد نفسه أسيرا لها في النهاية، دون ان يتمكن من المقاومة.

العناوين المعطاة لكل أغنية هي "أسماء الألحان الموسيقية التقليدية التي تم تعيين الكلمات عليها (والتي تحدد النمط الصوتي لكلمات كل أغنية ، من أجل على سبيل المثال، عدد الأسطر، وعدد المقاطع في كل سطر، وما إلى ذلك). عناوين النغمات لها معناها، بطبيعة الحال، ولكن هذا المعنى عادة ما يكون لا علاقة له بالمحتوى الفعلي للمجموعة الجديدة من القصائد التي عيّنها الشاعر تلك النغمة الموجودة مسبقًا. سيتم تضليل القارئ إذا تم اعتبار عنوان النغمة على أنه مفتاح لفتح معنى الأغنية المرفقة به"، يقول ايغان، وفضلت الاحتفاظ بها لسهولة الانتقال بين المقاطع ولانها تضيء احيانا على المعنى، باعتقادي.

كانت لي بطلة بين الرجال وفي الموت بطلة بين الاشباح، كما تقول في شعرها.

هذه ترجمة تصدر للمرة الآولى بالعربية لأغلب قصائدها، آمل أن تسد فجوة في نقص المصادر بالعربية عنها وأن تعمل على إذابة اللُّغة والجغرافيا والزمن.

 

بحث، صيد، رغبة، تلفُتٌ؛

بارد جدا ومع ذلك شديد الوضوح،

حزين وكئيب وبائس،

دافئ ثم يبرد،

إنه الموسم الأسوأ كي تعتني بنفسك.

كيف يمكن أن يصمد

كوبان أو ثلاثة أكواب من النبيذ العجوز

في وجه قوة رياح المساء؟

طار الأوز البري، 

حزِن القلب،

ماذا أكثر،

هي ذات الطيور التي كانت هاجرت من قبل.

بتلات صفراء تفترش الأرض، 

مبعثرة في أكوام. منهكة أنا الآن

وواهنة،

من يكثرت بعدٌ كي يقطفها – تلك البتلات –

قبل أن تسقط؟ 

 

أجلس إلى النافذة، وحدي،

كيف صار الخارج 

بكل هذا  السواد؟ أشجار الباولونيا 

والأمطار الخفيفة، وحتى يحل الغسق،

أستمع إليها نقطة إثر نقطة، 

قطرة بعد قطرة.

هذا المشهد، هذا الشعور-

كيف يمكن أن تكفي كلمة "حزن" لوصفه؟

شائكة؛ لكن صحيحة،

مائلة وباهتة، 

غامرة، وملأى بالأحاسيس.

كم هي مؤثرة، الخطوط التي يتركها 

العطر الخفي،

التي تجعل أزهار الكمثرى تحس بالخجل.

يئن الحصان ويقفز بسرعة مرة أخرى.

عبثا أدير رأسي،

ولا أرى سوى نهر بارد ورمال بيضاء.

عند آخر الأرض، تنهكني الوحدة، 

كيف يمكنني أن أتحمل عزف لحن الناي الذي

من التبت؟

تنزل عن الأرجوحة

تعدل ملابسها بهدوء بأصابعها النحيلة. الندى كثيف، الزهر هش،

بقع من العرق تلطخ الفستان.

ترى شخصا ما يقترب،

بالجوارب في قدميها، ودبوس شعر ذهبي

ينزلق، تركض بعيدًا بخجل.

عند الباب تتوقف،

 تستدير لتنظر إلى الوراء،

 وتشم البرقوق الأخضر في يدها.

في مبخرة اليشم التي 

على شكل بطة، 

يقعد بخور الكافور دون ان يشعله أحد،

 شراريب تتدلى من مظلة السرير بلون الكرز الأحمر،

هل ما زال قرن وحيد القرن العتيق يعرف

كيف يدرء البرد؟

قبل خمسة عشر عامًا، تحت البراعم،

في ضوء القمر،

جلست مع أصدقائي أكتب قصائد عن الاستمتاع بالأزهار.

 

اليوم، تبدو الأزهار في ضوء القمر متشابهة إلى حد كبير،

لكن كيف يمكن أن أمتلك المشاعر ذاتها؟

طمي شاحب بلونه الأصفر الفاتح،

لطيف المخبر والمظهر.

بحكم طبيعته،

عطره يصل البعيد،

ما الحاجة اذا إلى ضوء سماوي أو إلى أزهارحمراء شاحبة؟

انه – هذا الطمي – يعلو 

على كل الزهور.

يجب أن يكون البرقوق غيورًا،

 وأن يتواضع الأقحوان،

الـ يتفتح بجانب الدرابزين المطلي بالدهان،

ويبدو الأفضل في الخريف.

كيف يمكن لشاعر سبقني أن يكون 

عديم الشعور وبهذه الامبالاة؟ 

لماذا حذف هذه الزهرة "الصفراء الفاتحة"

من كتابه؟

يُظهر اللون الأحمر نفسه،

تنفجر الزهرة المرصعة بالجواهر.

أنظر لأرى ما إذا كان الغصن الجنوبي

 لم يكتمل إزهاره بعد.

لا يوجد ما يدل على مدة احتجابها

 للتحضير لهذا،

كل ما نراه هو الاحساس اللامحدود الذي

 تتسع له هذه الزهور.

فيما مضى، بالكاد احْتَمل جمالا رائعا كهذا رشقات المطر

او أن تتقاذفه الرياح.

الأسوأ من ذلك أن أغنية الناي التي تعزف في مكان ما

تضفي عليه حزنا بهذا العمق!

لا تندم على تلاشي الرائحة أو ذوبان الجليد – يجب أن تفهم

يبقى الشعور حتى بعد زوال الشكل.

ومع ذلك، فإن الجزء الأصعب هو تذكر هذه الأسطر:

"في أمسية رائعة في ضوء القمر الباهت،

تحتفظ الظلال الرقيقة بسحرها".

مهجور جدا؛ الفناء،

وماذا أيضا،

الرياح الجانبية تفُحُّ رذاذا خفيفا، 

على الأبواب ذات الدرفتين أن تظل مغلقة.

يا للصفصاف الحبيب والزهور الجميلة،

مع اقتراب احتفالية يوم الطعام البارد.

الموسم المقلق من نواح كثيرة،

أنهى قصيدتي التي نظمتها على قافية صعبة،

الثمالة التي تتبدد من أثر النبيذ القوي

تحيلني الى أخرى

 بنكهة مميزة للكسل.

الأوز المهاجر

يطير،

لكنه لا يستطيع أبدًا أن يحمل المخاوف التي لا حصر

لها في ذهني.

برد الربيع استمر عدة أيام في غرفتي بالطابق العلوي،

الستائر مسدلة على الحوائط الأربعة،

ثقل شديد يمنعني من الاتكاء على الدرابزين المصنوع من اليشم.

بطانيتي باردة، والبخور احترق،

استيقظ الآن من حلم؛

يستحيل أن لا أفيق

 وهذا الحزن يحفر.

 

أكتب هذا بالدم لتقديمه إلى الأرشيف الإمبراطوري:

لطالما امتلك البرابرة طبيعة النمر والذئب،

فما الضرر الذي يلحق بنا ان اعددنا 

لما هو غير متوقع؟

قلقي الشعري مثل العقعق في سماء الليل،

يحوم ثلاث دورات، لكنه يظل غير قادر 

على الاستقرار على فرع واحد.

يمكن العثور على القيادة القوية والشَجاعةِ العسكرية التي ظهرت في محكمة "سونغ"

في سطور كتبتها امرأة.

مسؤولي المحكمة الهاربين من الجنوب 

لم يكن بينهم "وانغ داو"

(الذي وبخ أولئك الذين فقدوا الأمل في استعادة الشمال).

*شاعرة ومترجمة