عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 28 أيار 2022

أكرم مسلم في حضرة درويش

د.موسى خوري

مداخلة الدكتور موسى خوري في تقديم الروائي أكرم مسلم في ندوة "في حضرة درويش".

لم أستطع، وأنا أتدبر بسط عتبَةٍ لمداخلتي هذه، أن أتجاوز ما يمكن أن تفضي إليه عتبات النصوص التي هندسها قناص اللغة الجالسُ في حضرة درويش. أقول: لم أقدر، وأنا أتدبر عتبة لمداخلتي، أن أتجاوز نصوصَ أكرم مسلّم الموازية، عتباتِ رواياته الأربع أو عناوينَها. هكذا صارت عتبتي، والحال، العتبةَ التي تتوكأ على عتبة.

أصدر أكرم مسلم حتى الآن، وهو كاتب "يُسَتْوي" نصوصه على نار هادئة، أربع روايات هذه عناوينها: هواجس الإسكندر، وسيرة العقرب الذي يتصبب عرقا، والتبس الأمر على اللقلق، وبنت من شاتيلا. حين توضع عتبات هذه الروايات، وأنا هنا لن أقدم سياحة في مضامينها، حين توضع بلزق بعضها تفضي إلى كاتب مسكون بهم السؤال؛ فالهواجس تستدعي أسئلة تتبدل إجاباتها بتبدل المرايا، وتصبب العرق يمكن أن يفضي إلى ارتباكِ غير العارف، وحين يلتبس الأمر على اللقلق يتوقف الأخير عن معرفة الجواني من البراني ويصيرُ أسيرا لما شئت من الشباك في فضاءات هتروتوبية، نحو السجن، أو التعميرة التي تنقسم، مثل كلِّ شيء، إلى فلقتين، ...  وتستدعي البنت التي من شاتيلا- مع غياب أل التعريف وثقل دلالات أو حمولات اسم المخيم - أسئلةً تحيّنها أحجية الكراسي التي تحيل، بدورها، على الفلقتين معا.

هذا الأدب المسكون بالسؤال، تعلمون، يمكن أن ينتصب خطابا مناهضا لخطاب أدب الجواب الذي انتعش في سياقنا الفلسطيني لسنوات طويلة، وبدفع من وثوقية تفسخت مع تفسخ الفضاء الثوري الفلسطيني وتهتك يوتوبياته الانتصارية التي كان يحرسُها الأخ الكبير أو صورته، ومع تفسخ فضاءات أخرى حينتها أسئلة ما بعدَ الحداثة ومقارباتُها. تحطم مع تحقق إحداثيات هذا الكرونوتوب، بلغة باختين، الموديل الذي ألبسته متحكمات الإنتاج المكدونالدي، مرفوعا من إبطيه على ذراع الظل بكل تقليباته الممكنة، ألبسته ثوبا له شكل خبرنا جيدا خيوط لحمته وسداه.  في أدب أكرم مسلم، أنت لا تمتلك إلا أن تظل سعيدا بسينك (أفترض أن الإحالة مكشوفة هنا)، ولن تسعفك الرحلة في إيديولوجيا رواياته، كما لم تسعف أبطالَها، أن تصبح معرفا بكنية مثقلة برموز الخلود وتعرفَ الإجابات، وتصيرَ قادرا على أن تحضر الحكاية، بلغة البنيويين الأوائل، إلى حالة ثباتها مع انتصار المركز/ البطل المؤهل لفعل ذلك بعُدة معدنه الخالص. كيف انفلت أكرم من سلطة هذا النموذج مبكرا ثم صعودا، وكيف تمكن من تحقيق تغريب يزعزع توقعات القراء ويورطهم في رفع السقالات التي تسند سقوف تأويلهم، وتحققُ بالنتيجة المسافة الجمالية التي عجز عن تحقيقها أدبٌ كثير بكثرة الهم على القلب؟ أعرف أن "ليس من حق أحد أن يعرف كيف علم الكاتب نفسه الكتابة" كما يقول إرنست همنغواي، لكن هذا القول لن يعطلني اليوم عن طرح السؤال "أكرم! كيف علمت نفسك الكتابة؟" هذا سؤالي الذي يأتي أولا، وهو سؤال مركب على ما سبق، على الكتابة التي استخدمها كثير من الكتاب ميكانيكيةً أورثوجرافية لتسجيل المألوف من الإجابات الجاهزة على الورق.

    يتعالق توفير الإجابات الجاهزة، هنا، مع فكرة متعالقة، بدورها، مع فكرة الفلقتين أيضا، أقصد فلقة إيديولوجيا الرواية وفلقة الإيديولوجيا في الرواية. عندما يصير الحديث عن الفلقة الأولى، أي إيديولوجيا الرواية، نكون أمام نص منوفوني يعلو فيه صوت أحادي هو صوت الكاتب المقنعُ بما يشبه قناع أو نقاب المهندسة الكاشفَ عن هشاشة أيديولوجياتها وتحورها في التبس الأمر على القلق، صوت يعي المغازي الحكِمية، ويمتلك المعرفة، وينعم بوثوقية مطلقة، ويفرضُ، بالنتيجة، رأيا يدير لعبة سرد موجه حول مركزيته، أو يدير حوارات مقنعةً بالحوارية وتقصر مخرجاتها في توريط القارئ توريطا يغرقه في التأويل، وتلصق به صفة التلقي السلبي. صحيح أن مقاربةَ مثلِ هذه النصوص توفر متعة من نوع ما للقارئ، كما يصير في روايات الاختبار المغامراتية- بلغة باختين مرة أخرى، لكنها تصادر، حتما، حقه في التفكير، وتجعل منه متلقيا يقترب في سلبيته أو سلبه (والجذر واحد) من سلبية شخصيات مثل هذه الروايات بوصفها شخصيات تحمل وظيفة دراماتيكية محددة لإحضار الجواب/الخلاص الذي يتغياه الكاتب أصلا.

عندما يصير الحديث عن الفلقة الثانية، أي الإيديولوجيا في الرواية، نكون أما نص بوليفوني يحيل على أكثرَ من صوت متجاور، أو أكثرَ من لحن إذا أردنا أن نرد مفردة بوليفونية إلى حقلها الموسيقي. الشخصيات في هذه الفلقة، إن جاز التعبير، مستقلة، ولها أشكال وعي متعددة، ولها رغبات تصب في تكوين أصالتها وفرادة صوتها المندغم مع بقية الأصوات في هارمونية تلفُّها وَحدة أسلوبية عليا تحرص على أن يظل المقسم غير مجزأ. يترك الكاتب لهذه الشخصيات غير الخاضعة لصوت سام مكبل بأجندة إيديولوجية محددة، يترك لها كاملَ المسؤولية للتقرير في شأن الوقائع، وفي سياق كرونوتوبي يتخذ فيه الكاتب طابعا شديد الحياد، ولا يمارس رياضة اختلاف مكشوفة في الأصوات والمنظورات لإثبات وجهة نظر بعينها. من هذا المقلع، يأتي سؤالي الثاني: كيف يقول أكرم مسلّم عن تعدد المنظورات في رواياته وبين شخصياته، وما هي العلامات الفارقة لحواراته التي يمكن أن تقصيها عن كونها حوارات غير حوارية تأتي من مقلع لغوي واحد في رواية لا تنقصها الهندسة ولا تقع في بؤسها؟

في اقتراب من تقنية الميتاقص حول بناء الشخصيات التي تبتعد عن كونها هياكل عظمية يكسوها الكاتب لحما بمقاسات يختارها، يقول أكرم في مطلع هواجس الإسكندر وقوله صائب: "حاول مرارا أن يلصق طينته على هذه الهياكل لكنها سرعان ما كانت تلفِظها، لقد وجدت مكتملة بما لا يحتمل أية إضافة، شخصيات مكتفية بذاتها إلى أبعد حد... وعصية على احتمالات الآخرين".  من هذا المقلع، أقصد الوعي ببناء الشخصية، يأتي سؤالي الثالث وتأتي تفريعاته، وهو سؤال يتقاطع حتما مع السؤال السابق لكنني أتغيا من ورائه هنا جوابا يضوئ على فهم أكرم للشخصية في الرواية عموما، لكنه يطمح، وهذا متروك للكاتب، أن تأتي الأمثلة من الروايات الأربع أو بعضِها. سؤالي المركب أو المتفرع هو: كيف يؤهل السرد، في تقنياته المتعددة، القارئ حتى يضع إصبعه في عمق قلب الشخصية، وبالفاعلية ذاتها التي تمكنه من وضعها، أقصد الإصبع، في عمق ذهنها؟ كيف ينتصر الكاتب، أي كاتب، وهو يمدمك عمارة الشخصية، لأدبية الأدب، ويضمن، بالنتيجة، أن يظل الأخير، متحررا من مونولوجية مخملية ذهنية تقدم معها الشخصيات بلغة وأجندة إيديولوجية يأتيان من مقلع واحد يمكن أن يتحكم في كل شيء على نهاية خط الإنتاج؟ أحب أن يعلّق أكرم في السياق على غياب أسماء الفلسطينيين الأحياء من جهة، وعلى إصراره، من جهة ثانية، على حفظ أسماء الضحايا حتى لا تنطفئ أسماؤهم؟    

في سياق الهندسة، ولا أقول بؤسها، لا أستطيع أن أتجاوز قضية يمكن أن تكون محل سؤال هي الأخرى، أو تكون خلاف ذلك بسبب علة في فهمي أنا الذي لا أعرف وربما لن أعرفَ أبدا، أقصد هنا مسألة ترتيب المصادفات أو هندستِها. المصادفات، وهنا يمكن أن نتفق ويمكن أن نختلف، تصير في الحياة، لكنها لا تصلح كثيرا في الأدب. من هذا المقلع يأتي سؤالي الرابع: كيف ترد الهندسة على حساب كميات المصادفات في الروايات؟ أو كيف تُدفع المصادفات، بكل ما أوتيت من قوة إلى مربع الممكن؟  أضرِب بعض أمثلة لكيما تعينَ أكرم على توجيه الإجابة. المدينة كبيرة والصدفة تجمع الشاب الذي جاء من المكان القصي بالفتاة على مقعد إسمنتي، وشرفة عازفة الكمان/ أو رجل الجمل تقع في مرمى عين الناظر، والمطعم يجمع جار العجوز الدائري بالشاب وبحورية، وابنة العجوز تعمل في جمعيات ترعى حقوق اللاجئين، والزجاجان التوأمان يأتيان لجبر ما انكسر من زجاج التعميرة وبتقاطيع تذكر بتقاطيع وجه المذبوح، وحورية تقع في المحظور حين تعشق أخا لها من أبيها، وأشياء أخرى ضاعت عن عين العبد الفقير الواقف أمامكم.       

أنا جدُ معجبٍ بهندسة قفلات فصول روايات أكرم، وهي بلغة عبد الوهاب قفلات حراقة تصهرج، باقتدار، انتقال ماء السرد من فصل إلى فصل، ليصير المقسم، أقصد فصول الرواية، غير مجزأ، ويصير مشرّبا في كلٍ هو جامع النص. هذه القدرة على تشبيك فصول قصيرة، في روايات قصيرة أصلا، تستدعي سؤالا أخيرا: لماذا لم يكتب أكرم مسلم القصة القصيرة؟

تقديم أسئلتي في سياق المداخلة مقصود، إذ لم أرد أن تطرح عارية من سياق، وسأكررها على مسامع أكرم بالطبع، وسأفعل ذلك مباشرة بعد القفلة.

الآن كيف يصير القول في القفلة؟ 

ذات يوم كان هناك اثنان من النقاد على متن قارِب في بحيرة طبريا. فجأة ظهر المسيح وبدأ بالمشي على الماء. التفت أحد الناقدين نحو الآخر وقال: هل رأيت! إنه لا يجيد السباحة! أنا الناقد الثاني، وأظن أنني أجيد، إلى حدود، فن الاستماع، وأعرف، واقفا على الأرض، أن أجوبة أكرم مسلم ستمتعنا بكشف حقيقة أن المشي على الماء مهارةٌ متقدمة جدا في فن السباحة، مهارةٌ، يمتلكها الابن من غير حاجة إلى أن يكون مرفوعا من إبطيه على ساعدي ظل الآب، الذي يمثل المسيحُ، بدوره، ظلَه على الأرض.