عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 26 أيار 2022

يسار إسرائيلي ضعيف ومتخندق مع اليمين

باسم برهوم

في إسرائيل، خاصة في العقدين الأخيرين، هناك فقط خلطة سياسية يمينية، بمعنى، أن هناك يمينا، وعلى يمينه يمين أكثر تطرفا وفاشية، وعلى يساره من هم أقل يمينية، أي أن ما يطلق عليه يسار في إسرائيل هو في حقيقة الأمر وفي المعايير الدولية، هو وسط ويمين الوسط. بالتأكيد هناك أفراد أو مجموعات صغيرة  لهم مواقف أكثر جذرية ويمكن وصفهم باليساريين لكنهم قلة لا تأثير لها في السياسة العامة، على الأقل هذا ما يراه الشعب الفلسطيني ويشعر به ويلمسه على أرض الواقع، والدليل انك لو سألت الفلسطيني العادي: ما رأيك في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة؟ لأجاب: "كلهم مثل بعضهم البعض".
لماذا هم كذلك بالنسبة للفلسطيني؟ لأنه ببساطة لم يلمس، وعلى امتداد عقود طويلة، وفي الممارسة اليومية أي اختلاف حقيقي، فدائما كان هناك عدوان، واستيطان واستيلاء يومي على الأرض، كان هناك تهويد وتدمير منازل واعتقالات وسياسة عقاب جماعي وحواجز وقيود على الحركة والتنقل في الداخل وفي السفر الى الخارج. 
التمييز بين حزب في إسرائيل وآخر، أو حكومة وأخرى هو موجود أكثر في عقل من يعمل بالسياسة أو النخب، لأن مهمة هؤلاء ملاحظة الفوارق الدقيقة، وملاحظة كل متغير مهما كان بسيطا لكي يبنوا عليه سياسات ويتصرفوا بموجبه، أما الإنسان العادي فكلهم بالنسبة إليه مثل بعضهم البعض، وبهذا هو محق، من الناحية العملية، فالجغرافيا تضيق من حوله، وحياته تزداد بؤسا ومعاناة يوما بعد يوم. 
تاريخيا، وفي بدايات المشروع الصهيوني، كان التيار الغالب بين الصهيونيين الذين قدموا إلى فلسطين، هو التيار الاشتراكي العمالي، ولكن المفارقة، غير السارة،  أن هذا التيار "العمالي الاشتراكي" هو من رفع شعار "العمل العبري"، أي أن الأولوية في العمل للعامل اليهودي، وتصدى لأي تواجد للعمال الفلسطينيين العرب في أي مشروع صناعي أو زراعي صهيوني. كما أن ديفيد بن غوريون، الذي تزعم هذا التيار العمالي وتزعم لاحقا الحركة الصهيونية في فلسطين، هو من خطط وأمر وأشرف على عملية التطهير العرقي للشعب الفلسطيني خلال حرب العام 1948، والتي نجم عنها تشريد أكثر من 800 ألف فلسطيني وتدمير المجتمع والكيان الوطني الفلسطيني وحصول النكبة على هذا النحو البشع. ويمكن رؤية النتيجة النهائية لتلك المرحلة، فإن الفلسطيني لم يلمس الفارق الكبير بين الصهيونيين العماليين، والصهيونيين التصحيحيين القوميين، ولا الفرق بين الهاغاناة والارغون وشتيرن فجميعهم ارتكبوا المذابح وقاموا بالتطهير العرقي، وكان التنسيق وتبادل الأدوار بينهم على أشده.
وفي المرحلة الحالية، لعل أبلغ توصيف هو ما أدلى به رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيت قبل أسبوعين، وكما هو معروف فإنه هو وحزبه من اليمين المتطرف الاستيطاني، قال بينيت عن تجربة الائتلاف مع الوسط واليسار: إن ما استخلصه هو أن اليسار ليسوا أقل "وطنية" من اليمين، وإن الخلافات معهم يمكن مناقشتها وحلها بالحوار.
في الواقع فإن النتيجة التي توصل إليها رئيس الوزراء المتطرف، هي ذاتها التي توصل إليها الشعب الفلسطيني بالمجمل، أي أنهم كلهم صهيونيون والفوارق بينهم محدودة عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين. ولعل مسألة التصنيف في إسرائيل، بأن يقال هذا يساري وهذا يميني، يستخدم أكثر في الصراع الداخلي على السلطة وممارستها الاجتماعية، أما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فكما قال بينيت فإن الفوارق بينهم بسيطة.
من دون شك، وعندما بلغت حركة "السلام الآن" ذروتها في ثمانينيات ومطلع تسعينيات القرن العشرين، كان هناك تيار سياسي مختلف بالفعل تجاه فكرة الاحتلال، كما لا بد من الإشارة هنا إلى تأثير الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الكبرى، التي اندلعت في شهر كانون الأول/ ديسمبر عام 1987، والتي عززت لدى هذا التيار فكرة الانفصال والدعوة إلى سلام مع الفلسطينيين. وقد يكون الفرق بين ما هو يسار وما هو يمين ملموسا أكثر في مدى تأييد أو رفض اتفاقيات أوسلو. ولكن مع الإشارة إلى أن هذه الاتفاقيات ذاتها لم تنص بصراحة على دولة فلسطينية، أو على وقف كامل للاستيطان.
وما يمكن استنتاجه، أن ما يطلق عليه يسار في إسرائيل، إنما هو تيار عمالي معني بتحقيق نوع من العادلة الاجتماعية حصريا ضمن المجتمع اليهودي وليس في المجتمع الإسرائيلي ككل، ويقابله تيار قومي علماني أكثر تعصبا بما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ويدعم فكرة تحرير الاقتصاد بالكامل. هذا التصنيف قد تراجع مع تراجع نفوذ العماليين في العقدين الأخيرين، وتراجعت معه الفوارق بين التيارين اللذين يطلق عليهما يمين ويسار، والدليل وجودهما اليوم في حكومة واحدة تجمع ما يطلق عليهم وسط ويسار مع اليمين المتطرف الاستيطاني، كما لم يلمس الفلسطيني في الواقع ذلك الفارق الكبير بين هذه الحكومة وحكومة نتنياهو إلا بحيثيات بسيطة جدا.
بمنطق الاختلافات الأيديولوجية، في الشأن الداخلي الاجتماعي، من دون شك هناك يمين ويسار في إسرائيل، ولكن ما جرى هو أن قوة ونفوذ هذا اليسار قد تراجعت تدريجيا في مقابل طغيان اليمين. فما يمكن أن يلاحظه أي مراقب، أن ما يتم إنتاجه في إسرائيل من سياسة وأيديولوجيا هو من مشتقات اليمين، يمين متطرف، ويمين أكثر تطرفا وفاشية وعنصرية، فالقوة النامية والتي بدأت تتصدر المشهد السياسي في إسرائيل اليوم هو تيار الصهيونية الدينية، بقيادة سموتريش وبن غافير، ولم نعد نرى أي منتج يساري أو "حمائمي" جديد. 
إلا أن المسألة أعمق من ذلك، فهناك متغيرات بنيوية، اقتصادية اجتماعية جرت في إسرائيل في العقود الأخيرة، فمع تقليص قطاع الدولة، وسياسة تحرير الاقتصاد، التي حمل رايتها نتنياهو، فإن النتيجة الحتمية هي تزايد قوة اليمين.
فاليسار في إسرائيل ما دام متخندقا في حضن اليمين، فلا يمكن اعتباره يسارا، وما دام هذا اليسار لليهود فقط فهو عنصري، وما دام عاجزا عن اتخاذ خطوة جريئة نحو السلام مع الشعب الفلسطيني فهو ليس حمائمي، فما بالك أنه بات ضعيفا ولا يملك أي تأثير حقيقي على القرار في هذه المرحلة. الشعب الفلسطيني مد يده للسلام ولا يزال، لكنه لم يجد شريكا في إسرائيل، فما العمل؟