العكوب.. من نبتة مهددة بالانقراض إلى مشروع اقتصادي مربح
العائد من انتاجية الدونم الواحد يتراوح ما بين 20- 25 ألف شيقل

رام الله- الحياة الاقتصادية- ميساء بشارات- الغرامات والمخالفات من قبل ما يسمى "حرس الطبيعة" الاسرائيلي، ورصاص الصوت والملاحقة في جبال دير بلوط بمحافظة سلفيت، لم تثن الشاب رويد موسى عن الاستمرار أو العزوف عن قطف نبتة العكوب البرية.
اعتاد رويد منذ صغره الخروج سنويًّا خلال موسم العكوب، في فترة أواخر الشتاء وبداية الربيع، إلى الجبال لقطفه، وسد حاجة البيت منه، وبيع ما يفيض عن حاجة عائلته.
يقول رويد: "لاحقوني وارعبوني وأطلقوا الرصاص علي، لكن حبي ومتعتي في قطف هذه الثمرة الشوكية، من الجبال لطهيها لما تتمتع به من مذاق شهي، يدفعني للذهاب لقطفها غير مكترث بما سيحصل معي".
وتمنع سلطات الاحتلال وصول أهالي دير بلوط إلى المناطق التي يكثر فيها العكوب، لتصنيفها ضمن مناطق "ج" وبسبب جدار الفصل العنصري الذي جعل من المناطق الغنية بالعكوب غرب الجدار.
ويشعر رويد الذي يحضر نفسه على مدار موسم العكوب، للخروج من منزله مع طلوع الفجر مرتديا القفازات البلاستيكية السميكة، لحمايته من أشواك العكوب، بمتعة كبيرة عند قطف الناضج منه من الجبال، ويحرص على قطفه بالسكين، وليس خلعه من جذوره حماية للنبتة وتكاثرها.
ويتهدد نبتة العكوب البرية الانقراض، ولم يعد توافرها وتواجدها بالكميات الكبيرة كما في السابق، بسبب الممارسات الخاطئة في قطفها.
يتابع رويد وهو يزيل الاشواك عن ثمرة العكوب: "كانت تتواجد بكميات كبيرة ونلقط منها ما نريد ودون مضايقات من أحد، أما الآن فالكميات قلت كثيرًا، وأصبحنا ممنوعين من دخول المناطق الغنية بها بحجة انها محميات طبيعية، اضافة الى الجدار العنصري الذي حال بيننا وبين هذه المناطق، في حين أن المستوطنين يرعون فيها أبقارهم وأغنامهم، ويوم أمس غرموا عمي 750 شيقلا بعد أن شاهدوه وهو يقطف العكوب من خلف الجدار بحجة أنها محمية طبيعية.
كما يصادر ما يسمى "حارس الطبيعة الاسرائيلي" ما قطفوه من العكوب بعد عناء يوم كامل. وتتراوح أسعار كيلو العكوب حاليا 45 شيقلا وتصل في بداية موسمها الى 60 شيقلا دون تعكيب اي دون ازالة الأشواك عنها.
وغرب الضفة الى شرقها، يقول الناشط الحقوقي عارف دراغمة إن الأراضي التي ينبت فيها العكوب تتعرض سنويا لعمليات حرق وتدمير من قبل تدريبات جيش الاحتلال، فخلال العام الماضي أحرقت التدريبات العسكرية من قبل الاحتلال ما يقارب الـ 10 الاف دونم بالأغوار.
ويشير الى أنه في الوقت الذي يمنع فيه الفلسطيني من الدخول الى المناطق التي يكثر فيها العكوب، بحجة المحافظة على تنوع الغطاء النباتي، يسمح لأبقار المستوطنين أن تتجول في 60 ألف دونم من الأراضي لتأكل الأخضر واليابس.
وينمو العكوب في المناطق الجبليّة، وتعتبر فلسطين، الأردن، لبنان، سوريا، أذربيجان، إيران، وتركيا، موطنه، ويبدأ موسمه في نهاية الشتاء وبداية الربيع لاعتماده على مياه الامطار، وله عدة أنواع منه العكوب الوردي، والجبلي، والأرمني، والأُرجواني.
ونبتة العكوب التي اعتدنا على مشاهدتها فقط في الجبال والبراري والمهددة بالانقراض من الطبيعة، سنعتاد رؤيتها وقطفها مروية وبعلية، من حدائق المنازل أو المزارع الفلسطينية.
مشروع استثماري خلقته الصدفة
وفي ظل تضاؤل كميات انتاجها وارتفاع أسعارها، وفي محاولات لإنقاذها من الإنقراض دفعت الشابة رنا كوع من بيت ليد قضاء طولكرم، بتوفير الظروف البيئية المناسبة لزراعة بذورها وانتاج أشتالها في مشتلها الأول في فلسطين "مشتل اكناري".
وتقول كوع وهي طالبة ماجستير أيضا خدمة اجتماعية في جامعة القدس المفتوحة، إن الفكرة جاءت بالصدفة عندما زرعت بذور العكوب في 2015 في حديقة منزلها بهدف الاكتفاء الذاتي، وعندما شاهدت نجاح التجربة، عممتها في مشتل زراعي هو الأول في الضفة.
وجمعت كوع المحبة للطبيعة والزراعة، البذور في البداية من البرية ومن المحلات، ومن ثم وفرته لها الاغاثة الزراعية في أول عام لتجربتها داخل بيت بلاستيكي 2018، والآن باتت تنتج البذور من مشتلها.
تتفقد الكوع اشتال العكوب داخل البيت البلاستيكي، تقول: "كانت التجربة بسيطة وصدفة، زرعت نصف كيلو من بذور العكوب بحديقة المنزل، للاستهلاك البيتي، ونجحت، وفي عام 2018 قررت نقل التجربة من الاستهلاك البيتي الى مشروع استفيد منه اقتصاديا، حيث ان اسعار العكوب المرتفعة، ليكون مصدر دخل للأسرة، خاصة بعد تخرجي من الجامعة وعدم حصولي على وظيفة".
وقدمت كوع خطة وجدوى اقتصادية لمشروعها، للإغاثة الزراعية ليفوز من بين 125 مشروعًا، ليمنحوها كل ما تحتاجه مجانا لتعميم التجربة والاستفادة منها اقتصاديا والمحافظة على النبتة.
ورغم خوف كوع من عدم تقبل الناس لهذه الفكرة، حيث اعتادوا وعرفوا العكوب في الجبال، زرعت الكوع حوالي 70 ألف شتلة عكوب في بيت بلاستيكي، وبعد نجاحها وزعتها على كافة أنحاء الضفة، ليزرعوها في بيوتهم ومزارعهم، ونجحت التجربة، وأقبل الناس على شراء شتل العكوب لزراعته في حدائق منازلهم ومنهم من اتخذه كمشروع زراعي يحقق له الربح المادي.
ما شجع كوع على زيادة عدد اشتالها لتصل إلى نصف مليون شتلة من هذا الموسم، وتخطط حاليا لجعلها تصل إلى المليون شتلة، وجعل العكوب متوفرا على مدار العام طازجا في الأسواق، بعد أن تستطيع توفير جهاز تبريد وتكييف للبيت البلاستيكي لأن العكوب يحتاج الى البرودة.
تقول كوع: إن الدونم يحتاج من 4 آلاف– 5 آلاف شتلة عكوب، وينتج ما يقارب الـ 500 كيلو، عند زراعته بشكل منظم، وفي حال زراعته دون مراعاة المسافة فانه ينتج اكثر من ذلك.
وتؤكد أن زراعة العكوب مربحة وتوفر دخلا اقتصاديا جيدا يتراوح ما بين 20-25 ألف شيقل للدونم الواحد.
ويعرف العكوب بعدة أسماء منها: شوك مبارك، حرشف، خوبيع، شوكة الجمل، الخرشف، الخرشوف الجبلي، السلبين.
ويقول مدير عام الإغاثة الزراعية في شمال الضفة عاهد زنابيط، لـ "الحياة الاقتصادية"، بعد اتفاق اوسلو وتصنيف أغلب الاراضي الفلسطينية الى "ج" اي خاضعة لسيطرة الاحتلال الاسرائيلي، أصبح الاحتلال يضايق على المزارعين كثيرا في هذه الأراضي، ولم يعد باستطاعة المواطنين الوصول الى العكوب بسهولة كونه يكثر في هذه المناطق.
وفي ظل التخوف من فقدان هذه النبتة الفلسطينية المميزة والأصيلة والغنية بالفوائد، والرغبة في الحفاظ عليها من الإنقراض، قدمنا بمشروع الكوع كل ما يحتاجه مجانا.
ويشير زنابيط الى أن المشروع ريادي واقتصادي ومميز، وفي البداية كان مجازفة أولية من الشابة الكوع، وبعدها وفرت لها الاغاثة الزراعية البيت البلاستيكي، وشبكة الري، والبذور، لتكون التجربة الاولى وسجلت نجاحا مميزا بعملها مشتل لزراعة بذور العكوب.
ويتابع زنابيط أن الكوع زرعت نصف مليون شتلة أي ما يعادل انتاج جبل كامل، ليأخد المزارعين ومحبي أكلة العكوب هذه الأشتال وزراعتها أينما أرادوا، وبهذه الطريقة استطعنا المحافظة على النبتة المهددة بالإنقراض، ووفرنا فرصة عمل لخريجة عاطلة عن العمل، ودخل ممتاز للأسرة.
ويؤكد زنابيط على أن زراعة العكوب، مربحة، ويباع بأسعار مرتفعة، وله نفس طعم ونكهة وفوائد العكوب البري.
ويحتاج السوق المحلي إلى ما لا يزيد عن 3 أطنان من العكوب، فهو أكلة شعبية مرغوبة كثيرا من قبل الناس، تطهى مع اللبن، وفي حال هيأت له كل الظروف المناخية المناسبة سيتم انتاجه على مدار العام.
ولهذه النبتة الشوكية العديد من الفوائد منها: حارق للدهون، ودواء مهم للكبد، حيث يحتوي على مادّة السيمالارين، ويتم إستخدامه كعلاج للصداع النصفي، ويحتوي على فيتامينات نافعة جداً للجسم، ويعالج مرضى القولون العصبي، ويحسن عملية الهضم، ومفيد للمصابين بارتفاع الشحوم والكوليسترول، كما يقي من الإصابة بالسرطان، ومقوّي للأعصاب، وللقلب، ومعالج لانخفاض الدم.
مواضيع ذات صلة