عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 23 شباط 2022

كييف، طهران وكل ما تبقى

معاريف- زلمان شوفال

 

"روسيا هي لغز يحيطه الغموض في داخل مجهول"، قال قبل 33 سنة تشرتشل. ويخيل أن هذا القول ساري المفعول حتى اليوم. فالاجواء حول أزمة اوكرانيا بلغت في الايام الاخيرة نقطة غليان، وليس واضحا بعد، عند كتابة هذه الكلمات، الى أين تتجه الامور. في هذه الاثناء فان هذه اساسا هي حرب نفسية. الرئيس بايدن، الذي يتخذ موقفا حازما بالهام من اعتبارات عالمية وسياسة داخلية على حد سواء، اعلن "انه مقتنع بان بوتين قرر احتلال اوكرانيا"، ولكن لما لم يكن موعد نفاد مفعول لهذا التهديد من الصعب تناوله كحقيقة سارية المفعول. اما بوتين من جهته فيواصل تحريك القوات هنا وهناك وان يدعي في نفس الوقت بانه معني بالسلام (مخططو الهجوم يدعون دوما بانهم معنيون بالسلام)، واذا ما منعت الحرب في اعقاب لقاء بينهما، فان بايدن وبوتين على حد سواء سيعرضان ذلك كانجاز لسياستهما.

سواء كان الان حسم ام لا، فان الدوافع الروسية واضحة: فاضافة الى الانفعالات التاريخية والقومية في أنه في اوكرانيا بعامة وفي كييف بخاصة، توجد جذور الامة الروسية كلها، تشكل اوكرانيا من ناحيتهم عمقا استراتيجيا حيويا (مثل المملكة الاردنية بالنسبة لاسرائيل). تعتقد روسيا بان مطالبتها بعدم ضم اوكرانيا الى الناتو يستند الى تصريحات في حينه بوزير الخارجية الاميركي جيمس بيكر للرئيس الروسي غورباتشوف، بانه بعد توحيد المانيا، فان حلف الناتو لن يتوسع شرقا. في واشنطن ينفون بانه كان تعهدا كهذا، ولكن نية موسكو واضحة: ادخال اوكرانيا ومناطق اخرى في محيطها ضمن النطاق الروسي. ليس للازمة الاوكرانية في هذه المرحلة آثار مباشرة على اسرائيل، لكن الميول الاوسع لروسيا بدعم من الصين لاجل اقامة "نظام عالمي جديد، على حساب مكانة الولايات المتحدة العليا الحالية، من شأنها أن تؤثر علينا ايضا.

تتخذ حكومة اسرائيل جانب الحياد العملي في الازمة الحالية، وهذا صحيح من ناحية مبدئية ومن ناحية الواقعية السياسية على حد سواء. وعلى اي حال فان هذه تكاد تكون الخطوة الدبلوماسية الايجابية الوحيدة التي اتخذتها هذه الحكومة بمبادرتها منذ قيامها. ومع انه ينبغي الترحيب بتوسيع العلاقات مع امارات الخليج ومع البحرين، ولكن هذا كان وليد سياسة بنيامين نتنياهو لخلق شرق اوسط جديد يقوم على المصالح المشتركة بين دول المنطقة على نحو منفصل عن المسألة الفلسطينية، وليس ثمرة استراتيجية الحكومة الحالية. من جهة اخرى، في موضوع الاتفاق النووي الايراني الذي قد يوقع في كل لحظة فان الحكومة عديمة الوسيلة وتجس خطاها في الظلام.

في احدى الصحف كتب ان الحكومة قررت ادارة "سياسة خارجية ليبرالية"، دون أن تفسر ماذا يعني هذا: هل المقصود تبريد العلاقات في اوروبا الشرقية وربما مع الهند ودول معينة في اميركا اللاتينية تؤيد اسرائيل، في صالح دول تجد "الليبرالية" لديها تعبيرها اساسا باتخاذ مواقف مناهضة لاسرائيل أو مؤيدة للفلسطينيين؟ ان العلاقات الخارجية والدبلوماسية هي موضوع مصالح وعلاقات، للسياسة، الامن والاقتصاد وليس للنزعات الايديولوجية المزعومة. مركز سياستنا الخارجية هو عن حق في علاقاتنا مع الولايات المتحدة. ومؤخرا نشرت في المجلة الاميركية "بوليتيكو" مقابلة مع نائب وزير الخارجية عيدان رول بعنوان "هل يمكن اعادة بناء تأييد الديمقراطيين لاسرائيل؟". يتخذ النائب رول صورة الشخص العملي والفهيم الذي يحاول التصدي للعقبات التي تقف في طريق العلاقات آنفة الذكر، ولكن من الصعب الا يأخذ المرء الانطباع بان بعضا من مفاهيمه عن الوضع المقلق الحالي مع الديمقراطيين يعتمد على سوء فهم الواقع السياسي الحالي في اميركا. واخطر من ذلك، يبدو في كلامه ميل للرقص مع اليسار الاميركي.

في الماضي، قامت علاقات اسرائيل والولايات المتحدة على اساس القيم المشتركة، ولكن منذئذ طرأ في الولايات المتحدة تدهور خطير في هذه القيم حيث أنه تنتشر في اجزاء من الحزب الديمقراطي موقف مناهض لاسرائيل ولاسامي بوضوح لا يمكن لاي كلمات لطيفة أن تجدي في تغييره. صحيح أن هناك مؤشرات اولية على أنه بين المصوتين للديمقراطيين بداية يقظة ما ضد اليسار المتطرف ولكن في هذه الاثناء فان المجموعة أنفة الذكر المسماة "التقدمية" هي التي تعطي النبرة في قسم من مواقف الحزب كله، وهذا لا يرتبط بموقف اسرائيل هذا او ذاك، بل بنهج مقصود مناهض لاسرائيل. هناك من يدعي ان حكومة نتنياهو كانت قريبة جدا من طاولة الجمهوريين رغم أن هذا برر نفسه من ناحية النتائج، وربما بالنسبة للحكومة الحالية يبدو ان هذا تركز على حماسة زائدة للجيب الديمقراطي. احيانا قد يكون هذا التماثل احادي المسلك مبرر، ولكن محظور على اسرائيل أن تعد كمتحيزة الى جانب ما فقط في الطيف السياسي الاميركي، فما بالك ان هذا الطيف قد يتغير وربما في المستقبل القريب ايضا. في الدبلوماسية الحكيمة يمكن الالتصاق بالادارة الحالية وان نكون ايضا منصتين للعلاقات مع الحزب الذي في المعارضة، ولدينا تجربة طيبة في هذا الشأن.