عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 23 شباط 2022

بردوغو غير ­وحيد، الجمهور يعرض الديمقراطية للخطر

هآرتس- سغي الباز

 

الردود المتوقعة من جانب المخلصين لنتنياهو على العزل المبرر ليعقوب بردوغو من نشرة الاخبار المسائية في "صوت الجيش"، هي فقط اعراض لظاهرة اكثر عمقا واقلاقا في اوساط الجمهور الاسرائيلي. ظاهرة "ديكتاتورية الاغلبية"، وفي سياقها الاسرائيلي الضيق "ديكتاتورية الاغلبية المتخيلة"، تعكس واقع فيه مجموعة الاغلبية، التي تعمل استنادا لوجود نظام ديمقراطي، تستخدم قوتها من اجل المس بحقوق الاقلية. الدفاع عن الديمقراطية التي تحمي نفسها من ديكتاتورية الاغلبية تحول الى أمر مصيري بشكل خاص، طالما أن الاغلبية تتكون من مجموعات محافظة وقبلية تنكر قيم الحرية والمساواة.

الادعاء الذي بحسبه وكأن "الاغلبية" تصغي لبردوغو ولذلك فمن الضروري تمكينه من البث في نشرة اخبار "صوت الجيش"، يسمع ايضا في سياقات اخرى. نتذكر اقوال مؤيدي نتنياهو التي بحسبها المستشار القانوني للحكومة غير مخول بتقديم لوائح اتهام ضد رئيس حكومة في منصبه، اعضاء كنيست لا يجب عليهم الدفع قدما بمشاريع قوانين تمنع متهم بمخالفات جنائية من شغل منصب رئيس الحكومة، وقضاة المحكمة العليا محظور عليهم البت في محاكمة ضد رئيس حكومة شعبي (كما يبدو) أو المرشح الرائد في الاستطلاعات لمنصب رئيس السلطة التنفيذية.

عميت سيغل، مراسل ومحلل في "اخبار 12"، اعلن بأنه "ليس بردوغو هو الذي تمت اقالته، بل المستمعين". هو يريد القول بأنه لا يجب اقالة شخص من برنامج نسبة الاستماع اليه مرتفعة، حتى لو كان رجل دعاية وليس صحافي أو كاتب اعمدة. سيغل، الذي يحركه موقف سياسي، يجد صعوبة في استيعاب قاعدة ديمقراطية اساسية وهي أن وسيلة الاعلام الجماهيرية ليست فقط منبر لتمثيل واسع للآراء والمواقف، بل هي ايضا منبر تستخدمه الاقلية (احيانا الاغلبية ايضا) من اجل تمرير انتقاد للنظام ومراكز القوة في المجتمع.

بردوغو هو رمز بيبي واضح للخطر الكامن في تطور "مجتمع الجمهور" وفي تسييس مليء بالعاطفة والغرائز التي تقوض استقرار الديمقراطية. ومثل دمية يتم تحريها بالخيوط المربوطة برأس عائلة نتنياهو فانه لا يعرف أو يرفض الاستيعاب بأن تجنيد الجمهور والمشاركة السياسية هي شرط اساسي، لكنه غير كاف لوجود الديمقراطية. الحفاظ على نشاط المؤسسات والاجهزة والاجراءات السياسية الحرة، هي شرط لا يقل اهمية عن ذلك من اجل الاستقرار والنظام الديمقراطي.

بردوغو غير وحيد. ديكتاتورية الاغلبية تمثل الآن التيار العام لليمين في اسرائيل. امير اوحانا يعتقد بأنه "ليس كل قانون يجب تنفيذه". وميري ريغف على قناعة بأن نتنياهو لن يحصل على محاكمة عادلة. وبتسلئيل سموتريتش يقول إن اهارون براك هو من "مخربي دولة اسرائيل". هذه الاقوال المتطرفة يمكن أن نضيف اليها الخطاب الجديد "أنا أتهم" لآريه درعي، والكراهية الدائمة لدافيد امسالم ضد الاشكناز واليساريين، وتطاول موشيه غفني على نظرائه العلمانيين، اعضاء الكنيست من اسرائيل بيتنا، والصراخ عليهم: "لاساميون، عودوا الى لينين". من المهم التأكيد على أن هذه الذخيرة اللفظية ليست قصصية أو عرضية أو عاطفية، بل هي جزء من رؤية منظمة ومتخيلة مصدرها الاعتقاد بأنها تعكس رأي "الشعب".

حسب نفس المنطق لاتباع رأي الجمهور بالديمقراطية، يجب الاخذ في الحسبان ايضا بموقف اغلبية الاصوليين، المتدينين القوميين والتقليديين المتدينين، الذين يعتقدون أنه يجب أن تكون للمواطنين اليهود في اسرائيل حقوق اكثر مما للمواطنين غير اليهود. اذا اخذنا في الحسبان أن نصف التيار العام غير المتدين يؤيد اعطاء حقوق زائدة لليهود فان جزء كبير من الجمهور اليهودي في اسرائيل يعارض المساواة المدنية، وهي احد المؤشرات الرئيسية على ديمقراطية الدولة. هل باسم مبدأ ديمقراطي وهمي يجب الغاء الديمقراطية في اسرائيل؟.

لا يوجد للجمهور ادوات للبت في مواضيع قانونية معقدة، أو التأثير على معايير اعلامية في نظام ديمقراطي، مثلما لا توجد له المعرفة المهنية لتأييد سياسة انتقادية منضبطة أو التوصية بعقيدة قتال هجومية. ديكتاتورية الاغلبية في اسرائيل هي في الواقع متخيلة لأن نتنياهو لم يحقق الاغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة. ولكن ايضا اذا فاز في الانتخابات القادمة فسيتم تعيينه مرة اخرى في منصب رئيس الحكومة (حتى قبل انتهاء محاكمته)، وهو سيجند الرأي العام لصالحه، أي أن ادعاء الدفاع بالعدالة الذي بحسبه هو وقف بالمرصاد دفاعا عن الديمقراطية الاسرائيلية، لن يساعده. في الحقيقة، الديمقراطية الشعبية لنتنياهو، بردوغو ومن يحملون ادواته الاخرى في السياسة والاعلام، هي برنامج عمل لا يستوحي الالهام من النظام الديمقراطي، بل من دماره المطلق.