قرية في حصار: 50 يوم اغلاق على دير نظام
هآرتس – جدعون ليفي واليكس ليباك

محمد يحيى التميمي يستند الى حائط الغرفة الصغيرة التي يستخدمها مخزن للخردة، التي يتاجر بها اذا وجدها. عمره 51 سنة، معاق ويتحرك بصعوبة، بعد اصابته في العام 1987 في حادث عمل في "آزور"، المدينة التي يسميها بالطبع باسمها العربي يازور. على الدرج الذي يؤدي الى بيته فوق مخزن الخردة هو يصعد بطريقة غريبة. جسمه يميل جانبا ويجر قدميه شبه المشلولة واحدة بعد اخرى. الى اعلى، في الشقة الصغيرة يروي قصته. ابنان له يوجدان في السجن. ايضا ابنه الصغير (16 سنة)، الذي يساعده في جمع الخردة اعتقل ليوم واحد في هذين الشهرين اللعينين، اللذين فيهما فرض الجيش الحصار على قريته.
التميمي له ثمانية اولاد، جميعهم في هذا البيت الصغير والمكتظ. ازاء فقر التميمي واعاقته المحزنة وقريته المحاصرة، لا يمكن أن نبقى غير مبالين. تعويضات عن اعاقته التي حدثت نتيجة حادث عمل في اسرائيل لم يحصل عليها قط. بعد اصابته حاول تقديم دعوى تعويض، لكن حسب قوله تم اعتقاله بسبب دخوله الى اسرائيل بدون تصريح وقضى في السجن 17 يوما. بعد ذلك تنازل، عاجزا.
الآن هو يواجه عقبات اخرى. رامز، ابنه (17 سنة) اعتقل اثناء اقتحام الجيش للمدرسة في القرية الشهر الماضي، وهو لم يره منذ ذلك الحين، وليست لديه أي فكرة عن وضعه. ابنه رجب (19 سنة) معتقل منذ سنة، حسب قوله، بسبب رشق الحجارة. وقريته كانت خاضعة للحصار مدة شهرين تقريبا. وباستثناء ذلك كل شيء على ما يرام لدى هذا الايوب.
عقاب جماعي
قرية دير نظام في محافظة رام الله توجد امام مستوطنة حلميش، وبؤرها الاستيطانية المتوحشة التي اقيم جزء منها على اراضيها. عندما وصلنا الى هناك في يوم الاثنين الماضي وقف جنود ورجال شرطة اسرائيليين على مدخل القرية وقاموا بفحص جميع السيارات. الجنود تأكدوا من أنه لا يوجد "ارهابيين انتحاريين"، ورجال الشرطة فحصوا اذا كان الجميع يضعون الأحزمة كما هو مطلوب، واذا كان يوجد مثلث تحذير في صندوق السيارة. هكذا يزعجون القرية وينكلون بسكانها.
بعد عدة احداث من رشق الحجارة في الشارع الرئيسي قرر الجيش استخدام عقاب جماعي يفرض على جميع سكان القرية. هكذا تبدو العودة الى سنوات الانتفاضة، العودة الى ايام الاغلاق والحواجز. الشارعان اللذان يؤديان الى القرية تم اغلاقهما ببوابات حديدية صفراء، والمدخل الرئيسي للقرية تحول الى حاجز يوجد فيه الجنود 24 ساعة في اليوم وسبعة ايام في الاسبوع. كل سيارة يتم فحصها بدقة وفحص جميع ركابها. المعلمون يتأخرون على المدارس، الاقارب والاصدقاء امتنعوا عن اجراء الزيارات من اجل تجنب الاهانة والاعمال البغيضة للجنود، والعمال يتأخرون على الوصول الى اماكن العمل، والمرضى يتأخرون في الوصول الى العيادات والطلاب يتأخرون على الوصول الى حصصهم. كابوس. هكذا هو الامر منذ 1 كانون الاول، طوال 50 يوما متواصلا.
دير نظام هي قرية منعزلة، لا توجد قرية اخرى بجوارها. لذلك، كان الحصار قاس بشكل خاص. امامها، في الطرف الآخر للشارع، توجد قرية النبي صالح، وهي قرية صغيرة ومشهورة اكثر منها بفضل النضال العنيد لسكانها والتظاهرات التي استمرت فيها لبضع سنوات. في دير نظام لا توجد تظاهرات ولا يوجد صراع، عدا عن صراع البقاء لسكانها. هذا صراع قاس، علاماته تظهر في المشهد الفقير للقرية. في العشرين سنة الاخيرة غادرها نحو 300 شخص من بين الـ 1500 من سكانها وانتقلوا الى رام الله بعد أن لم يصمدوا امام مضايقات الاحتلال. مدرسة القرية توجد في وسط القرية. وهي مدرسة شاملة، من روضة الاطفال وحتى انتهاء المرحلة الثانوية، فيها 220 طالبا وطالبة يتعلمون بصورة مختلطة، وفيها 24 معلما.
في 18 كانون الثاني بدأت الدراسة في المدرسة بعد ساعة من الوقت المعتاد بسبب حالة الطقس. بعد فترة قصيرة من ذلك تم خرق هذه المواعيد. سيارات عسكرية وصلت الى مدخل هذه المؤسسة التعليمية والجنود قاموا باقتحام المدرسة بالقوة دون طلب اذن أو أن يشرحوا أمرا للمعلمين المندهشين أو للطلاب. بعد ذلك اكتشفوا أن مدير المدرسة الجديد، بدر شريطة، تم اعتقاله في ذاك الصباح على حاجز الدخول الى القرية.
عندما دخل الجنود المسلحون الثمانية الى ساحة المدرسة، معلم الرياضيات، شاهر التميمي (32 سنة) وقف امامهم هو ومعلم آخر. الاثنان حاولا منعهم من الدخول غير المقبول هذا الى المدرسة بدون تنسيق وبدون اذن. ولكن الجنود قاموا بابعادهما من طريقهم. الجنود توجهوا نحو الصفوف. "اوقفوا رشق الحجارة ونحن لن ندخل"، قال احد الجنود للمعلم. الجنود بحثوا كما يبدو عن صف فيه اولاد كبار، و3 – 4 منهم دخلوا الى الصف 11. المعلم التميمي على قناعة بأنهم لم يبحثوا عن طلاب معينين.
التميمي ذهب في اعقابهم. وحسب قوله، قاموا باعتقال اثنين من الطلاب، ابناء 17 سنة، وتشاجروا معهم بقوة. احد المعلمين ورجال النظافة حاولوا منعهم بالقوة والصراخ ولكن بدون فائدة. بعد حوالي ثلاث دقائق خرجوا من الصف وتركوا خلفهم كراسي وطاولات مرمية. احد الجنود صوب بندقيته نحو المعلم التميمي.
الجنود قادوهما، احمد صالح ورامز التميمي، وهو ابن تاجر الخردة المعاق، الى الخارج بالقوة. الآذنة، التي احد الطلاب من اقاربها، حاولت تخليصه من بين ايديهم. سمع الكثير من الصراخ. وقرب السيارة العسكرية قاموا بعصب عيونهما وكبلوا ايديهم. هكذا اعتادوا دائما، ومن غير الواضح لماذا. فيلم فيديو صوره شهود عيان يظهر اللحظة المهينة التي يقوم فيها الجنود بعصب عيون احد الطالبين. بعد ذلك تم اخذهما الى موقع عسكري مجاور، ومن هناك الى مركز الشرطة. صالح تم اطلاق سراحه في نفس اليوم، ولكن رامز ما زال معتقل في سجن عوفر واهله لا يعرفون عنه أي شيء، أو بماذا هو متهم.
ارضاء المستوطنين
رئيس مجلس القرية، ناصر مزهر (57 سنة)، يتحدث عما يفعله الجيش والمستوطنون في القرية. كل حياته قضاها مقاول في اسرائيل والآن هو رئيس مجلس القرية. مشكلات القرية بدأت عند اقامة مستوطنة حلميش في العام 1978. 2500 دونم من اراضي القرية تم اخذها حسب قوله. مسموح البناء في القرية فقط على 200 دونم، التي هي ليست منطقة (ج)، بسبب قربها من المستوطنة. المستوطنون يتابعون كل عملية بناء في القرية ويقومون بابلاغ سلطات الاحتلال عن ذلك. الوضع ازداد شدة اكثر عند اقامة "مزرعة تسفي"، وهي بؤرة متوحشة وعنيفة اقيمت في العام 2019، بعد ذلك بدأت الهجمات على الفلاحين في القرية وعلى الرعاة الذين يجدون صعوبة في الوصول الى اراضيهم. الرعاة في المزرعة سيطروا على اراضي الرعي والحقول. هناك يقومون برعي اغنامهم وابقارهم. اشجار زيتون تم احراقها ومحاصيل تم تدميرها. الجيش الاسرائيلي يتعاون معهم ويدافع عن زعران هذه المزرعة كالمعتاد.
في صباح 1 كانون الاول استيقظ رئيس مجلس القرية وابناء القرية وشاهدوا أنه اثناء الليل دخلوا في حصار، بالطبع دون أي اعلان أو أي تفسير للسكان أو للمجلس. المدخل الغربي والمدخل الجنوبي تم اغلاقهما باقفال وضعت على البوابات الحديدية، وعلى المدخل الرئيسي للقرية، المدخل الشمالي، وضعت مكعبات اسمنتية ومواقع للجنود الذين وقفوا على الحاجز بلا توقف. اساس نشاطهم، حسب اقوال رئيس المجلس، هو التنكيل بالسكان وازعاجهم. أي خروج وأي دخول الى القرية، حتى خلال بضع دقائق، يقتضي فحص اساسي من قبل الجنود. في بعض المرات رئيس المجلس قال لهم إنه مر خلال الحاجز قبل بضع دقائق، لكن بدون فائدة. مرة أو مرتان تم اغلاق الحاجز مدة ساعة أو ساعتين، لا يوجد دخول أو خروج، ومن غير الواضح لماذا.
باحث "بتسيلم" في منطقة رام الله، اياد حداد، وثق 17 عملية اقتحام للجيش في القرية خلال الـ 50 يوما من الحصار. معظم الاقتحامات كانت في الليل، بما في ذلك اقتحام 15 منزل واعتقال 10 أشخاص من سكان القرية، اضافة الى الطالبين. معظمهم تم اطلاق سراحهم بعد بضع ساعات. "هذا عقاب جماعي"، قال رئيس المجلس. "بسبب أنه يوجد اشتباه بأن بعض الاولاد رشقوا الحجارة، هم يعاقبون كل القرية. العلاقات الاجتماعية للسكان تقلصت الى الحد الادنى، المعاناة كبيرة، الناس يفكرون الف مرة قبل الذهاب الى حفلات الزفاف أو الجنازات أو الزيارات العائلية. وجد ضغط في القرية، وهناك اشخاص حتى ينامون عند اقاربهم في الخارج من اجل تجنب العبور في الحاجز".
رئيس المجلس في القرية على قناعة بأن جميع العقوبات التي فرضت على القرية تستهدف فقط ارضاء المستوطنين في حلميش الذي يضغطون على الجيش من اجل معاقبة القرية بسبب رشق الحجارة. "نحن قرية هامشية"، قال بحزن. "ليس معنا تضامن دولي وشهرة النبي صالح، ليس لدينا أي شيء. لا احد يهتم بنا ولا احد ينظر الينا. نحن فقط نريد الوصول الى اراضينا".
في الاسبوع الماضي تم فتح البوابات الحديدية وحاجز الدخول الرئيسي لم يعد يوجد فيه جنود بشكل دائم. هل انقضى الخطر الذي تربص بالقرية؟ هل القرية قضت كامل عقوبتها؟.
المتحدث بلسان الجيش قال الاسبوع الماضي للصحيفة: "قرية دير نظام ليست موجودة تحت حصار وطرق الوصول اليها غير مغلقة. مع ذلك بين الحين والآخر، طبقا لتقدير الوضع الامني في حينه، يتم تنفيذ فحص امني على هذه الطرق من اجل العثور على (مخربين). طوال الاشهر الاخيرة حدث ارتفاع واضح في احداث رشق الحجارة والقاء الزجاجات الحارقة على السيارات في شارع 465، قرب دير نظام، بصورة تخلق خطر حقيقي على حياة المسافرين في هذه السيارات. كجزء من مواجهة هذه الظاهرة، قوات الجيش تعمل في منطقة القرية طبقا لتقدير الوضع العملياتي، سواء بواسطة نشاطات مكشوفة أو نشاطات سرية.
"في هذا الاطار، في 18 كانون الثاني 2022، لاحظت قوات الجيش عددا من المشبوهين الذين قاموا برشق الحجارة على السيارات الاسرائيلية في شارع 465، بصورة عرضت للخطر حياة المسافرين في هذه السيارات، في مطاردة من اجل اعتقال راشقي الحجارة تم رشق الحجارة على القوة. المشبوهون هربوا الى داخل المدرسة، بصورة اجبرت القوة على الدخول الى المدرسة واعتقال راشقي الحجارة. يجب علينا التوضيح بأنه تم اعتقال فقط الاشخاص الذين شخصوا أنهم من رشقوا الحجارة، والحديث لا يدور عن اعتقال صدفي كما تم الادعاء".
هناك شك كبير اذا كانت هذه التفسيرات تقنع أي أحد في القرية أو تساعدهم، وبالتأكيد ليس للتميمي المعاق. في 6 كانون الثاني، قبل شهر تقريبا، جاء الجيش الى بيته في الساعة الثانية فجرا وأخذوا ابنه رامي الذي يعمل معه. بدون رامي هو لا يستطيع الخروج لجمع الخردة بسبب الاعاقة. رامي هو شاب مبتسم عمره 16 سنة، توقف عن الدراسة من اجل مساعدة والده في اعالة العائلة. وتم اطلاق سراحه بعد يوم، القيود آلمته جدا، كما قال. وحتى الآن ما زالت توجد علامات على مرفق يده.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد