عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 24 كانون الثاني 2022

مرتكبو المجزرة يبوحون باعترافاتهم

عمر حلمي الغول

الأرض الفلسطينية من النهر إلى البحر خزان شواهد على مسلسل الدم والمجزرة الصهيونية. كل يوم تفتح صفحة جديدة في سجل الجريمة المنظمة لدولة الإرهاب الإسرائيلية، رغم التستر على عمليات القتل والاستباحة ينهض الضحايا من قبورهم الفردية أو الجماعية شاهرين أصابع الاتهام في وجه الدولة "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، ويعلنون من بقايا رفاتهم المشوهة بعشرات ومئات طلقات الحقد والكراهية، ويكتبون بدمائهم الزكية عن روايتهم مع الموت الوحشي من قبل مصاصي الدم الجدد قبل ما يزيد على السبعين عاما، ويخطون شهادة متجددة عن حقيقة دولة إسبارطة القاتلة والمتوحشة، الدولة النابتة من وحول ومستنقعات الفاشية والنازية الغربية، وحاملة عدوى القتل على الهوية القومية والدينية، والمؤصلة لقوانين الغاب في زمن الديمقراطيات الرأسمالية بعد حربين عالميتين مدمرتين وآلاف الحروب البينية بين الشعوب، لتغطي عار الهمجية الغربية، وجريمة عصرهم بإعادة إنتاج المجزرة والمحرقة وكوابيسها ضد شعوب الأمة العربية عموما وشعب فلسطين المنكوب بذلك الغرب المتصهين.

ومن بين أنياب الفاشيين الصهاينة تخرج نتوءات رافضة وحشية غلاة الجريمة المنظمة ضد الأبرياء من الفلسطينيين العرب، وتنبت بعض الزهور البرية في صحراء المجزرة الموحشة لتفضح القاتل الصهيوني الخزري، وتعريه بشواهد واعترافات بعض الأحياء، الذين أوغلوا في الدم الفلسطيني، وليعلنوا للعالم بالوثيقة والاعتراف الصريح من مرتكب المجزرة بأن دولتهم، هي دولة التطهير العرقي، التي لا تؤمن بالسلام، ولا بالتعايش، ولا بالديمقراطية، ولا بالقانون والمعاهدات والمواثيق الدولية. وما زالت تنتج كل يوم صفحة عار على جبين العالم الحر، لتؤكد أنها شيطان وعزرائيل الموت على الأرض، وقابض أرواح الأبرياء والعزل من أبناء فلسطين العربية.

وهذا ما أثارته قبل فترة ثلاثة عقود أطروحة جامعية عندما كشفت عن مجزرة وحشية جديدة في قرية الطنطورة جنوب حيفا، راح ضحيتها ما يزيد على المئتين من الضحايا، دفنوا في قبر جماعي واحد لتغطي وجه دولة إسرائيل المارقة والخارجة على القانون، التي لم تعترف، وترفض الإقرار بالمذبحة الوحشية، وسعت لدفن آثارها، وحرصت على لملمة بقايا المجزرة، وغطت على معالمها. لكن أطروحة الماجستير للطالب ثيودور كاتس من جامعة حيفا في العام 1989 أماطت اللثام عن المجزرة التي ارتكبها جنود وضباط لواء الكسندروني في أيار/ مايو 1948، الذي اضطر تحت الضغط والهجوم الكبير من أركان الدولة وجنود اللواء، الذين رفضوا آنذاك الاعتراف بجريمتهم الوحشية، ورفعوا ضده دعوى بالقذف والتحريض للاعتذار عما حملته أطروحته، ما أرغمه على إسقاط استنتاجاته، ما ترك بصمات غامضة وملتبسة حول المجزرة.

بيد أن المخرج الإسرائيلي ألون شفارتس قام بإنتاج وإخراج فيلم وثائقي بعنوان "الطنطورة" عرضه قبل أيام قليلة في مهرجان ساندرس، استند إلى الشهادات، التي وثقها الطالب كاتس، بالإضافة لشهادات أخرى عمقت ما ذهب إليه سابقا. ووصف المؤرخ والباحث في معهد "عكفوت"، آدم راز، المختص بملف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في مقال نشره في صحيفة "هآرتس" يوم الخميس الماضي الموافق 20 كانون الثاني/يناير الحالي، جاء فيه: إن الفيلم "يقلب الصورة التي رسخت لدى الجمهور الإسرائيلي في أعقاب دعوى القذف والتشهير واعتذار كاتس". وأضاف راز إنه "بالرغم من أن شهادات المقاتلين (من لواء الكسندروني) قدمت بجمل مجتزأة، وشظايا إفادات، فإن الصورة الشاملة كانت واضحة: جنود اللواء ارتكبوا مجزرة بحق رجال عزل بعد المعركة".

وبينت الشهادات والوثائق التي جمعها شفارتس لفيلمه الوثائقي، إنه بعد المجزرة تم دفن القتلى في قبر جماعي، يقع تحت موقف سيارات شاطئ الطنطورة، وجرى حفر القبر خصيصا لهذا الهدف، والدفن فيه استمر لفترة طويلة في شهر أيار/ مايو 1948. واستعرض الفيلم عملا نفذه خبراء، قارنوا بين صور التقطت من الجو للقرية قبل وبعد احتلالها، وبالإمكان من خلال مقارنة الصور وتصوير ثلاثي الأبعاد، نفذ بمساعدة أدوات متطورة، تحديد الموقع الدقيق للقبر الجماعي، وكذلك حجمه، ويبلغ طوله 35 مترا، وعرضه أربعة أمتار. وقال كاتس معقبا، إنهم "سعوا إلى إخفاء ذلك بشكل يسمح بسير الأجيال القادمة هناك من دون أن يعلموا على ماذا يدوسون".

ومما حملته بعض الشهادات من مرتكبي المجزرة، شهادة الجندي عميتسور كوهين، الذي قال "كنت قاتلا. لم آخذ أسرى". وأضاف أنه لو أوقفوا جنودا عربا رافعين أيديهم، لأطلق النار عليهم جميعا. وحول عدد العرب الذين قتلهم بعد المعركة، قال "لم أعدهم.، كان بحوزتي رشاش مع 250 رصاصة. لا يمكنني أن أعد". 

ويعترف ديامانت بأنه جرى قتل سكان القرية بإطلاق النار عليهم في نهاية المعركة بواسطة مدفع رشاش من جانب "وحوش بشرية". وأضاف إنه عندما قدمت الدعوى ضد كاتس، زعم جنود الكسندروني أنه لم يحدث شيئا غير عادي بعد احتلال القرية. "قالوا لم نعلم، ولم نسمع". لكن بالتأكيد جميعهم علموا، جميعهم علموا" بالمجزرة.

ومن المعلوم أن الشهود من اللواء الكسندروني، الذين تحدثوا في الفيلم الوثائقي أصبحوا اليوم في التسعين من العمر أو اكثر، ويعترفون بارتكاب مجزرة الطنطورة، وكان الجيش الإسرائيلي قد ذكر في حينه أن عدد الضحايا الفلسطينيين 20 قتيلا. لكن الشهادات التي تجمعت على مر السنين تتحدث عن أن عددهم يصل إلى أكثر من 200 قتيل".  

وهناك العديد من الشهادات لجنود وضباط اللواء الكسندروني المجرم، أسوة بغيره من ألوية وكتائب وسرايا وفصائل جيش الموت الإسرائيلي. وسيكشف التاريخ المنظور عن مذابح ومجازر جديدة ارتكبها وحوش لا آدميون صهاينة ضد أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل. والمطلوب أن ترفع الشهادات للجنود والضباط والفيلم الوثائقي الجديد ودراسة الماجستير للطالب كاتس إلى محكمة العدل الدولية، ومحكمة الجنائية الدولية ولمنظمة حقوق الإنسان الأممية ولمجلس الأمن والجمعية العمومية وللبرلمان الأوروبي ولكل برلمان أوروبي وكندي وفي الولايات المتحدة الأميركية الخمسين، وعرضها عليهم ومطالبتهم باتخاذ موقف صريح وواضح ضد الفاشية الإسرائيلية القديمة الجديدة لحماية الشعب الفلسطيني أولا والإقليم ثانيا والعالم ثالثا من تمدد وانتشار وإعادة إنتاج الفاشية من جديد، والدفع بخيار السلام على أساس خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967.

[email protected]