عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 24 كانون الثاني 2022

حرية الرأي تنتصر في ألمانيا وتهتز في نيويورك

باسم برهوم

حدثان حصلا في الوقت ذاته لكل منهما دلالاته، وهما يشيران معا إلى صراع الإرادات بين تيار الإرهاب الفكري الصهيوني، الذي يريد إسكات أي صوت ينتقد ممارسات إسرائيل كدولة احتلال وعنصرية، والتيار الإنساني الحر الذي يدافع عن حرية الرأي والتعبير. الحدث الأول قرار المحكمة الإدارية الفيدرالية الألمانية الذي اعتبر الأنشطة والفعاليات الشعبية التي تساند حركة المقاطعة ((BDS لإسرائيل كدولة عنصرية وتطهير عرقي،  والتي تدعو  أيضا إلى وقف الاستثمارات الموجهة إلى الاستيطان، اعتبرتها نشاطات من صلب حرية الرأي والتعبير التي يضمنها القانون الألماني. والحدث الثاني مشروع قرار في برلمان نيويورك يمنع أنشطة حركة المقاطعة باعتبارها أنشطة تهدد "وجود إسرائيل".

قرار المحكمة الألمانية يعتبر إنجازا كبيرا ليس فقط للقضية الفلسطينية، وإنما هو إنجاز في مواجهة سيف الإرهاب الفكري الصهيوني المسلط على عقل وفكر البشرية جمعاء، وهو في ألمانيا تحديدا انتصار كبير دفاعا عن الجوهر الحقيقي للديمقراطية، ألا وهو حرية الرأي والتعبير. لماذا هو أهم في ألمانيا لأن ماكينة الابتزاز الصهيوني أشد وأكثر فاعلية بسبب استغلال " عقدة " الهولوكوست. لذلك كل أحرار ألمانيا والعالم كانوا يترقبون قرار المحكمة الإدارية الفيدرالية الألمانية بنوع من القلق مغبة أن ينجح الابتزاز الصهيوني في قمع حرية الرأي وإسكات الأصوات التي تنتقد إسرائيل كدولة احتلال، دولة تمارس العنصرية وسياسة التطهير العرقي وهي السياسة التي كانت سببا في تشريد ملايين الفلسطينيين وتدمير قراهم ومنازلهم.

وعلينا أن نرى أهمية قرار المحكمة الألمانية أيضا من زاوية أخرى، وهي أن القرار جاء ليلغي قرارا للبرلمان الألماني " البوندستاغ "، الذي منع أي نشاطات و فعاليات يمكن أن تدعم حركة المقاطعة. لقد انتصر هنا مبدأ القانون والديمقراطية على الابتزاز الصهيوني.

في الطرف الآخر من العالم في الولايات المتحدة الأميركية، من الواضح أن الصهاينة أخافهم تنامي التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة في السنوات الأخيرة، لذلك تحركوا بكل الطرق لإسكات هذه الأصوات ومحاولة إجهاض حركة التضامن قبل أن تصبح مؤثرة على صناع القرار في الولايات المتحدة. ولماذا جاء التحرك الصهيوني في نيويورك، لأن هذه المدينة الأهم ماليا وثقافيا والأكبر في العالم بدأت تناصر أكثر فأكثر الشعب الفلسطيني وتتضامن معه في محنته، وبدأت تكشف للرأي العام الأميركي بشاعة ممارسات إسرائيل العنصرية، بشاعة الاحتلال الإسرائيلي بما فيه من سياسات تهويد واستيطان وما يصاحبها من سياسة العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني.

لقد أقلق هذا التنامي لحركة التضامن ولحركة المقاطعة ""BDS الولايات المتحدة والعالم لذلك تحرك الصهاينة في برلمان نيويورك لاتخاذ قرارات تهدف إلى محاصرة هذه الحركة وكل أشكال التضامن مع الفلسطينيين بحجة أنها "تهدد وجود إسرائيل" و "تغذي معاداة السامية"

هناك صراع إرادات حقيقي يدور على امتداد الساحة الدولية بين قوى وتيار الإرهاب الفكري الصهيوني والذي كان متحكما ومهيمنا بشكل قاطع تقريبا، وبين التيار المساند للقانون الدولي والعدل والحرية والقيم الإنسانية. التيار الأخير قرر في السنوات الأخيرة أن ينهي زمن الصمت الذي فرضه إرهاب الصهيونية الفكري ويرفع صوته في مواجهة إسرائيل العنصرية. ومن دون التقليل من قوة وتأثير الصهيونية العالمية، ولكن يمكن القول إن زمن الابتزاز قد ولى، خصوصا مع تطور وسائل الاتصال والقدرة على نقل الحقائق بأبسط الإمكانيات، ولكن الأهم كان هو صبر وصمود ومقاومة الشعب الفلسطيني للظلم الإسرائيلي فالذي لم تستطع الصهيونية الهيمنة عليه هو إرادة الشعب الفلسطيني.

بالنسبة للفلسطينيين فإن قرار المحكمة الألمانية هو انتصار للحقيقة لذلك هو ذات قيمة كبيرة، وبالنسبة للفلسطينيين قرار المحكمة الألمانية هو انتصار للحرية والديمقراطية، فإذا كان الرأي العام حرا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى فإنه سيكون بالتأكيد منحازا وبشكل تلقائي للحق الفلسطيني.

نعم هناك أمل بهزيمة الإرهاب الفكري الصهيوني ولكن علينا مواصلة العمل في كل زاوية من زوايا الأرض بالقدر ذاته الذي نواصل به صمودنا على أرض وطننا التاريخي.