الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 22 كانون الأول 2021

حزب العمال والأساطير الصهيونية

نبض الحياة- عمر حلمي الغول

للأسف تشهد دول وقوى وأحزاب أوروبية ولاتينية أميركية تماوجا وصعودا وهبوطا في مواقفها السياسية من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ارتباطا بهوية وخلفية رئيس الدولة أو الحزب أو الائتلاف الحاكم، والمرهونة لأجندات شخصية نفعية. لذا تغيب الرؤية السياسية الواضحة والناظمة للأنظمة والأحزاب، ويخضعها أولئك لمعايير غير علمية، ما تترك بصمات سلبية ومضرة بالأنظمة السياسية والأحزاب والائتلافات الحاكمة أو المعارضة.

وهناك نماذج عدة منها ما حصل في البرازيل من تحول سلبي في ظل قيادة الزعيم اليميني، جايير بولسونارو، الذي انقلب بموقف البرازيل 180 درجة. وهناك نموذج حزبي يشهده حزب العمال البريطاني هذه الأيام في ظل قيادة رئيس الحزب الجديد، كير ستارمر، الذي ارتد عن مواقف رؤساء الحزب السابقين، خاصة جيرمي كوربن وإد ميليباند، اللذين اتخذا مواقف موضوعية تنسجم مع قرارات الشرعية الدولية، وتتناقض مع البضاعة الفاسدة، التي تروجها الحركة الصهيونية ودولة الاستعمار الإسرائيلية وهي "معاداة السامية". رغم اتهام الرئيس كوربن بتلك الوصفة، مع أنه نفاها بالتصريح وبالممارسة.

لكن الحركة الصهيونية وأدواتها لا تقبل مجرد النقد للانتهاكات الإجرامية العنصرية لدولة المشروع الكولونيالي الصهيونية، وتعتبر أي نقد، أو دعم لحقوق الإنسان الفلسطيني، ورفض جرائم الحرب ودعم خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967 معاديا لإسرائيل، التي لا تمت للسامية بصلة، ولا تمت للدين اليهودي بأية علاقة، إلا كونها مغتصبة وممتهنة لتلك الديانة لتسويق مشروعها الاستعماري، وعلى حساب نكبة الشعب الفلسطيني. وهذا الموقف لا ينحصر بقادة الدول والأحزاب وأنصار السلام، وإنما داخل النخب الإسرائيلية الصهيونية ذاتها، بما في ذلك داخل ائتلافاتها الحاكمة، كما حصل قبل أيام باتهام وزير الأمن الداخلي، عومير بار ليف بأكثر من الشعار الكاذب "معاداة السامية".

وبالعودة لرئيس حزب العمال، ستارمر، فإنه حسب تقرير نشرته المعلقة راشيل شابي في صحيفة "إندبنديت" البريطانية خلال الأيام الماضية، وأعيد نشره في موقع "عرب 48" يوم الأحد الماضي، ألقى في الشهر الماضي خطابا أمام مجموعة أصدقاء إسرائيل في الحزب، استحضر فيه مواقف رئيس الوزراء الأسبق، هارولد ويلسون، التي أطلقها في ستينيات القرن الماضي، وجاء فيها، أن "الديمقراطيين الاشتراكيين في إسرائيل "جعلوا الصحراء تزهر". وهذا التصريح مناف للواقع والحقيقة، وهو أحد أساطير الحركة الصهيونية، صاحبة شعارات "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وغيرها من الأساطير الكاذبة، التي لا تمت للحقيقة بصلة. أضف إلى أنه لا توجد في إسرائيل اشتراكية ديمقراطية، وأن تقمص حزب العمل الإسرائيلي هذه الصفة.

وكل تلك الأساطير الملفقة والكاذبة لا تمت لشواهد الحياة الفلسطينية التاريخية بصلة. لا سيما وأن الفلسطينيين المتجذرين في أرض وطنهم الأم فلسطين منذ آلاف السنين، هم من نهضوا بوطنهم، وزرعوا أرضهم، وبنوا وشيدوا مدنهم وقراهم وتاريخهم وهويتهم عبر صيرورة وسيرورة الزمان والمكان والعلاقة الجدلية فيما بينها. ورغم ذلك انزلق زعيم الحزب الجديد في متاهة التساوق مع الأساطير الصهيونية، التي لا أساس لها من الصحة، ولا تستقيم مع المنطق والحقائق التاريخية والثقافية والعمرانية، التي لا تشبه الصهاينة المستعمرين بشيء. 

ووفق التقرير أطنب رئيس حزب العمال في الحديث عن "معاداة السامية" و"معاداة الصهيونية" ومحاربة منظمة الـ ((BDS حتى شبه بحاخام متطرف يخطب في كنيس يهودي، وليس زعيم حزب عمال بريطاني، ما ترك ردود فعل عديدة خاصة في أوساط أنصار السلام في بريطانيا عموما، وبين أتباع الديانة اليهودية الذين يرفضون الممارسات والانتهاكات الإجرامية الإسرائيلية ضد أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل. وعكس ابتذالا سياسيا يتعاكس ويتناقض مع التوجه العام لما يشهده الحزب من تحولات إيجابية تجاه ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ولم يحاول رئيس الحزب ستارمر أن يقارب بين دعم حقوق الفلسطينيين وإرضاء أصدقاء إسرائيل في حزبه، كما فعل زعيم الحزب السابق ميليباند، وهو ابن أحد اليهود الناجين من المحرقة، ومع ذلك اتخذ موقفا مناهضا للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2014، واتخذ موقفا معارضا مع مجلس الممثلين اليهود في بريطانيا. ليس هذا فحسب، لا بل أنه دعا أعضاء الحزب لدعم مشروع الدولة الفلسطينية، الذي تم تمريره بغالبية مطلقة في البرلمان، ومع ذلك كانت له مواقف معلنة ضد "معاداة السامية".

بيد أن زعيم الحزب الجديد جاء حاملا رؤية وخيار الحركة الصهيونية والحسابات الشخصية النفعية، الأمر الذي أعتقد أنه لن يخدم سياسة ودور ومكانة الحزب بالمعنى الاستراتيجي، لأن هكذا سياسة أربكت الحزب وأنصار السلام في بريطانيا، وتركت بصمات وندوبا سوداء في مسيرة حزب العمال، وكأنه يعود بالتاريخ لزمن وعد بلفور المشؤوم، ويتنافس مع حزب المحافظين على استرضاء إسرائيل المارقة والخارجة على القانون مقابل كسب نفعي آني يتناقض مع قرارات الشرعية الدولية وحقوق الإنسان، ويغطي الشمس بغربال تجاه جرائم الحرب الإسرائيلية ضد أبناء الشعب الفلسطيني. وهو ما يتطلب من تيار السلام في الحزب التصدي لستارمر وأضرابه وإعادة الاعتبار لمواقف حزب العمال الإيجابية.

[email protected]