الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 18 كانون الأول 2021

المرأة الفلسطينية.. محور حفظ التراث

باسم برهوم

اذكر وانا في سن الصبا كانت أمي تكلفني ببعض المتابعات مع جارة لنا كانت تطرز لها اثوابها، وكانت مهماتي تقتصر على ارسال ما قد ينقص من خيوط، او احضار الثوب عندما يصبح جاهزا. وما زلت من خلال هذه التجارب الصغيرة اذكر الوان الخيوط وانواعها، وكنت أحيانا اراقب الجارة وهي تطرز، وكنت ألاحظ كيف تقوم بعملها بتركيز كبير وتحول الخيوط الملونة الى ورود واغصان وزخارف متناسقة كانك تنظر إلى سجادة فارسية لونها نساجو تبريز او كشان او اصفهان بخيوط من الحرير الملون بألوان ازهار الطبيعة.

وبالمناسبة الخبير بالسجاد الفارسي كالخبير بالتطريز، كلاهما يمكن بنظرة سريعة ان يحدد مدينة أو منطقة التصنيع ببساطة وان يقول لماذا تستخدم هذه الألوان في منطقة دون غيرها، وكما يمتاز السجاد الفارسي بالدقة والاتقان،  فإن نساء فلسطين معروفات باتقانهن التطريز على اثوابهن او في زخرفة وتزيين بيوتهم بالمطرزات. هذا الاتقان المتوارث عمره الاف الستين ويزدهر ويتطور، وفي فلسطين كان التراث بكل أشكاله وخاصة التطريز سلاح الشعب الفلسطيني الامضى في الرد على مخططات  الالغاء وطمس الهوية الوطنية بعد نكبة عام 1948، وهو كذاك في مواجهة سرقة ارضه وتاريخه ومسح ذاكرته الجماعية.

وخلال هذه المواجهة كان ومازال دور المرأة الفلسطينية محوريا في الحفاظ على هذا التراث، فقد نقلت النساء، جيلا بعد جيل فنون التطريز الفلسطيني سواء في الشتات، وخاصة في مخيمات اللجوء في ارض الوطن المحتل. وكان هناك حرص لدى النساء ان ينقلن التطريز كما كان في المنطقة التي شردوا منها فبقي موزيك اللوحة التراثية الفلسطينية كاملا. وعندما تنظر إلى هذه اللوحة بتمعن ترى ثوب النساء الفلسطينيات البدويات من بئر السبع والنقب وثوب نساء غزة وتسير شمالا الى ثوب نساء عسقلان ونحو الشمال الشرقي نساء منطقة الخليل.

ولعل أجمل الاثواب هو ثوب نساء يافا وبيت دجن وشرقا ثوب القدس ومحيطها جنوبا وشمالا وغربا وشرق في بيت لحم ورام الله والبيرة. وتبدأ لوحة الموزيك بأشكال أخرى في نابلس وطولكرم وقلقيلية والقيصرية وحيفا والناصرة وجنين وبيسان وطبريا وصفد وعكا، وخلال ذلك هناك تفاصيل لا حصر لها من الف قرية فلسطينية، فلكل ثوب خصوصيته التي تميزه ولكن كل واحد منها هو الثوب الفلسطيني.

وإذا امعنت النظر ستلاحظ ان الاثواب تعكس بطريقة رائعة طبيعة المناطق المشار اليها، بمعنى علاقة الثوب وصانعات الثوب من النساء بالمكان وهكذا جاء لوحة موزيك التطريز لترسم تلقائيا خريطة فلسطين من ام الرشاش على البحر الأحمر جنوبا الى رأس الناقورة على شاطئ البحر الأبيض عند الحدود مع لبنان، ولكل جزء ولكل منطقة جمالياتها.

وفي قراءة للتاريخ يمكن الإشارة الى مراحل التطور، وخاصة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين عندما دخلت الى فلسطين الخيوط والاقمشة المصنوعة في الدول الأوروبية، وعندما اتاح تطور المواصلات ووسائل النقل الفرصة ان ترى النساء الفلسطينيات على أشغال بعضهن البعض في كل المناطق وبدأ تطوير قطب التطريز ومزج الأنواع والاثواب في كل المناطق باثواب هجينة فيها شيء من بئر السبع اوغزة اوبيت دجن والقدس وغيرها من المناطق.

وفي سياق الحفاظ على التراث على هذا التطريز الفلسطيني، يمكن ان تمتلك كل امرأة فلسطينية ثوبين، الاول من المنطقة التي شرد أهلها منها، من يافا من حيفا او عكا وصفد او من الخليل ونابلس، والثاتي من منطقة القدس. والاهم ان تنظم حملة شاملة لتعليم الجيل الجديد فنون التطريز واتقانه، وان تتعلم الفتيات وحتى الشباب الذكور قطب ثوب المنطقة التي هم منها في فلسطين، وان تنظم مسابقات سنوية لاجمل عشرة اثواب.

والى جانب الخطر الذي تمثله إسرئيل والصهيونية سارقة الارض والتاريخ والتراث، فإن لدينا مشكلة أخرى هي في ما فرضه الإسلام السياسي من لباس على النساء الفلسطينيات وجعلهن يبتعدن عن الثوب الفلسطيني خاصة في القرى الفلسطينية. وحجة جماعات الإسلام السياسي هي الحفاظ على الهوية الإسلامية، ولكن في الحالة الفلسطينية فإن المهدد هنا اكثر هو الهوية الوطنية، أوليس الثوب الفلسطيني لباسا محتشما؟ من هنا نحن بحاجة الى حملة منظمة في القرية والمدينة لتعود النساء الفلسطينيات لارتداء الثوب الفلسطيني، ويمكن في هذا السياق تقديم مساعدة مالية من السلطة او من خلال مبادرات يقوم بها القطاع الخاص لتشجيع عودة النساء الفلسطينيات لارتداء الثوب الفلسطيني بدل هذه الخلطة الغريبة التي سيطر فيها الإسلام السياسي على نسائنا الى درجة معها أصبنا بصدمة كبيرة عندما شاهدنا قبل ايام كيف سرقت إسرائيل هذا الثوب واستخدمته في مناسبة سياحية ودعائية من الطراز الأول اثناء احتفالية اختيار ملكة جمال الكون.

وما خفف من الصدمة هو  صدور قرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "يونيسكو" بوضعها التطريز الفلسطيني على قائمة التراث العالمي، وهو القرار الذي جاء ثمرة لجهود فلسطينية رسمية استمرت لأكثر من عامين. من هنا فإن مسؤولية الحفاظ على التراث الوطني وحمايته هي مسؤولية جماعية للشعب الفلسطيني، كما ان جزءا من حماية التراث هو في كيفية تسويقه في العالم ونشره كتراث وطني فلسطيني بهدف قطع الطريق امام لصوص التاريخ والأرض.

والى جانب فكرة امتلاك كل امرأة فلسطينية في الوطن المحتل او الشتات لثوبين، واحد من المنطقة او المدينة او القرية التي هي منها، واخر من مدينة القدس ومحيطها، الى جانب ذلك والإضافة الى فكرة المسابقة لاجمل عشرة اثواب،  يمكن ان يحدد يوم 8 اذار/ مارس، وهو يوم المرأة العالمي، ان ترتدي كل النساء الفلسطينيات في كل مكان الثوب الفلسطيني.

هذه الافكار يمكن تعميمها على مختلف أشكال التراث والفنون الشعبية الفلسطينية فهذا نمط مهم في سياق المقاومة السلمية للشعب الفلسطيني ضد الاحتلال ومن أجل كشف زيف الرواية الصهيونية، التي ادعت ان فلسطين بلا شعب.

لنعمل معا من احل إعادة الثوب الفلسطيني كلباس نساء بلداتنا وقرانا في الخليل والمثلث والنقب في غزة والضفة  والقدس... ليكون الثوب الفلسطيني لباس نسائنا في المناسبات والاحتفالات

كانت أمي تكتفي بتفصيل ثوب كل عامين او ثلاثة، والجديد يصبح  تلقائيا هو ثوب المناسبات ولكن كل ثوب من اثوبها كان له دور ووقت استخدام وكل واحد منها كان بمثابة لوحة فنية، كسجادة فارسية تزداد بهاء مع مرور الزمن.