عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 08 كانون الأول 2015

دولتان.. خدعة واحدة

يديعوت - بقلم: ناحوم برنياع

واشنطن. ثمة شيء ما في السباق للرئاسة في الولايات المتحدة يغلف المرشحين بهالة ما، هالة رئاسية. هذا لم يحصل بعد للمرشحين في الجانب الجمهوري، ولكن لهيلاري كلينتون، المرشحة الرائدة في الجانب الديمقراطي، هذا حصل. فقد ألقت كلينتون امس (الاول) الخطاب الذي أنهى مداولات منتدى سبان في واشنطن. أبدت مرجعية، طلاقة، خبرة في التفاصيل، تجربة، براغماتية. ما قالته في المواضيع على جدول أعمال الشرق الاوسط لا يقول الكثير عن قراراتها اذا ما وعندما ستكون رئيسة الولايات المتحدة. فهي ليست هناك بعد. واذا ما كانت، فانها سترى من هناك أمورا لا تراها من هنا.

لقد قرأت أقوالها من شاشتين نصبتا امامها، متخذة جانب الحذر كي لا تضر بحملتها الانتخابية او تحرج ادارة اوباما، قبل بضع ساعات من إلقاء الرئيس نفسه خطابا دراماتيكيا للامة في أعقاب العملية الفتاكة في سان برندينو، كاليفورنيا، والمنسوبة لداعش. لقد اتخذت كلينتون مواقف تعتبر اجماعا بين ناخبي حزبها: حرب بلا هوادة ضد داعش ولكن حد أدنى من مشاركة القوات الاميركية على الارض. السعي الى اسقاط الاسد ولكن بجهد مشترك مع روسيا ومع ايران. صراع ضد ايران ولكن تأييد للاتفاق النووي. دعم حازم لاسرائيل، عسكريا، سياسيا، اخلاقيا، ولكن تحفظ طفيف على سياسة الاستيطان. ان كلينتون تسعى الى السير بين القطرات: هذا ما هو صحيح أن تفعله. المشكلة هي أننا في ذروة المطر.

بين هذا وذاك، تحدثت بطريقتها العملية، كمحامية، في صالح السلطة الفلسطينية وابو مازن. فقد قالت "اعرف انه تثور الكثير من المشاكل بسبب المواقف التي يعرب عنها. ولكنك تبدأ حيث تبدأ. البديل للسلطة هو داعش. اذا كنتم تؤمنون ان داعش يشكل تهديدا وجوديا على اسرائيل، فما البديل؟".

يفترض بمنتدى سبان أن يجمع شخصيات عامة بارزة من الولايات المتحدة ومن اسرائيل في مداولات اساسها العلاقات بين الدولتين، بين الحكومتين. وكان اللقاء في نهاية الاسبوع هو الـ 12 في عدده. وبمعنى ما كان قاتما للغاية، باعثا على الاكتئاب للغاية. وينتستون تشرتشل قال ذات مرة عن الاميركيين والبريطانيين انهم شعبان تفصلهما لغة مشتركة. هذا القول يدوي في ما يجري اليوم بيننا وبين الجمهور الاميركي. اميركا تتغير. اسرائيل تتغير. ورغم أننا نكافح ضد عدو مشترك "الارهاب الاسلامي" فإن المسافة آخذة في الاتساع.

يوم السبت القى في المنتدى كلمة وزير الخارجية الاميركي جون كيري. في الفصل الفلسطيني من خطابه جاءت اقوال تحذير قاسية جدا، وفي بعضها صحيحة جدا، لاسرائيل. بوجي هرتسوغ، تسيبي ليفني او زهافا غلئون يطلقون اقوال تحذير مشابهة. ولكن سماعها هذه المرة التي لا ندري كم عددها على لسان وزير الخارجية الاميركي كان محرجا. فقد كان هذا خطابا بكاء، مدعيا، واعظا. خسارة ان كيري لم يكرر ما علمنا اياه ايلي فالخ (توكو) البشع في فيلم "الطيب الشرير والبشع"، بطريقته الذكية: "عندما يتعين عليك ان تطلق النار فاطلقها ولا تتحدث". الشرق الاوسط، بما فيه اسرائيل لا يحتاج الى وزير خارجية اميركي يحسن في المزاودة الاخلاقية. انه يحتاج الى وزير خارجية فاعل.

ليس كيري فقط: معظم المتحدثين الاميركيين، بمن فيهم هيلاري كلينتون، حاولوا اقناع الاسرائيليين ان سياسة حكومتهم في المناطق تؤدي باسرائيل الى المصيبة. وردا على ذلك، هز الاسرائيليون اكتافهم. في مداولات المنتدى في السنوات السابقة تحدث الاميركيون بالاستراتيجية اما الاسرائيليون فتحدثوا عن مخزون عاطفي واحد، قيم مشتركة. هذه المرة كان الامر معاكسا: الاميركيون تحدثون بقلق عن المخزون العاطفي المتناقص، القيم المتآكلة، الدولة التي تفقد سحرها في نظر الشبان الاميركيين بمن فيهم الشبان اليهود. اما الاسرائيليون فعلموهم الاستراتيجية.

في ختام خطاب كيري توجه اليه وزير الدفاع بوغي يعلون لمصافحته. وانتهى الحديث بينهما بعد ثلاث ثوان – أقل من الاتصال بين مدرب فريق كرة السلة المنتصر ومدرب الفريق الخاسر في نهاية المباراة. لقد تكبد يعلون العناء وجاء ليسمع كيري كبادرة مصالحة. وقد فعل هذا على عادته، بابتسامة خجلة، على حدود احمرار الوجنتين. وفي الخلفية كانت الاقوال القاسية التي نشرها شمعون شيفر في "يديعوت احرونوت" في كانون الثاني 2014 وجاء فيها أن يعالون وصف كيري بأنه "مسيحاني ومهووس". ولكن لا يمكن لاي بادرة مصالحة، أي مصافحة هزيلة ان تجسر بين ما يقوله يعلون وما يقوله كيري. ظاهرا، خلافات الرأي تتركز في الموضوع الفلسطيني. عمليا، تمتد على مساحة أوسع بكثير، بدء باتفاق النووي مع ايران وانتهاء بخطوات الادارة تجاه داعش.

المشكلة تخرج عن الازمة التي نشبت بين الحكومة في القدس وبين الادارة في واشنطن. فالمواجهة بين الحكومتين كانت نوعا من حادثة الطرق: السيارة تضررت، بلا شك، ولكن الضرر الاساس كان بالحديد، وليس بالشصي. فهو قابل للاصلاح.

ما ينبغي أن يقلق هو النظرة الى الامام. جهتان تؤيدان اليوم اسرائيل بلا تحفظ: الكنائس الافنجيلية والارثوذكسيون غير الاصوليين. هاتان المجموعتان تؤيدان سياسة اسرائيل بتفان استثنائي وبلا تحفظ. وينبغي ان يضاف اليهما بعض اصحاب المليارات اليهود من الحزبين. ويوجد لهذه المجموعات تأثير سياسي يتجاوز بكثير حجمها، ولكن في هذه الاثناء يتآكل التأييد في الرأي العام.

في نهاية هذا الاسبوع تعلم رجال الادارة الاميركيون من الاسرائيليين درسا هاما: من ناحية حكومة اسرائيل حل الدولتين مات. عندما يتحدث نتنياهو عنه فانه يضلل. نفتالي بينيت وافيغدور ليبرمان قالا الامور بهزل ما، بوجي هرتسوغ وتسيبي لفني بأسى. ولكن الاجماع كان عاما.

وعلى الرغم من أن الاميركيين سيواصلون التمسك بهذه الصيغة، إذ ليس لهم صيغة اخرى، ومريح التمسك بها من البحث عن حلول اخرى. هذا الكذبة المتفق عليها سترافقنا حتى منتدى سبان التالي.