عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 01 كانون الأول 2021

أحمد عبد الرحمن.. صانع إعلام الوطنية الفلسطينية

باسم برهوم

إذا كانت فتح بفكرها وقيادتها، قد أعادت الحياة للوطنية الفلسطينية وانتشلت هويتها من بين أنياب مخطط طمسها، فإن هناك من ترجم هذه اللحظة التاريخية التي صنعها عرفات ورفاقه مؤسسو فتح إلى فعل، وكلمة، وثقافة راسخة، في وعي الشعب الفلسطيني، أحد أبرز المترجمين هو أحمد عبد الرحمن، الذي تسلم رئاسة تحرير مجلة "فلسطين الثورة" الناطقة باسم منظمة التحرير الفلسطينية في منتصف السبعينيات، وأصبح لاحقا المسؤول عن الإعلام الموحد الفلسطيني.
ما ميز الهوية الوطنية التي ساهم عبد الرحمن بصياغتها، وإعادة بعثها، بأنها هوية منفتحة على الآخر تتقبل التعددية الفكرية والسياسية، هوية في جوهرها إنسانية بعيدة كل البعد عن الكراهية والحقد الأعمى. وكما أعطى شاعرنا العظيم محمود درويش البعد والعمق المعرفي والثقافي للهوية الوطنية الفلسطينية، فإن عبد الرحمن ساهم في تشكيل بعدها وعمقها السياسي، وهو باختصار صانع إعلام الوطنية الفلسطينية. الإعلام الذي يعبر تعبيرا نقيا عن الشعب الفلسطيني، الذي هو ابن تراكم فلسطين التاريخي، وما يميزه من تعددية دينية، وما أعطاه موقع فلسطين الجيوسياسي كحلقة وصل بين الحضارات والثقافات.
ولأنني أعتبر نفسي أحد تلاميذ هذه المدرسة الإعلامية الوطنية، فإنني يمكن أن أكون أحد الشهود على تجربة أحمد عبد الرحمن، الذي كرس في تلاميذه حرية التفكير، عندما كانت أسرة فلسطين الثورة تضم الشيوعي الماركسي، ومن مختلف اتجاهات هذا التيار الفكري، وكان القومي العربي والوطني العادي والمتدين بصيغة التسامح والانفتاح، وكان الجميع يعبر عن قناعاته ورأيه بحرية قولا وكتابة. ولكن مع مرور الوقت أصبحنا جميعا نمتلك الوعي الوطني ذاته، ونتميز بشخصيتنا الوطنية الفلسطينية المشبعة بتاريخ وتضاريس وواقع فلسطين.
لقد ترك أحمد عبد الرحمن عن وعي لكل من عمل معه في الإعلام الفلسطيني الموحد الحرية الكاملة في كيفية اكتشاف الذات والهوية، ومن خلال الحوارات والنقاشات المنفتحة بلا حدود على الفكر الإنساني، وعلى هذا النحو تمت صياغة الإعلام الوطني الفلسطيني، والذي ساهم بدوره في صياغة الهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
رحل أحمد عبد الرحمن عنا قبل عامين لكنه ترك خلفه وعيا وطنيا راسخا لدى الأجيال. وكان في سنواته الأخيرة قبل الرحيل يسابق الزمن لينقل تجربته الوطنية الغنية ويحولها إلى كتب ومؤلفات، وحتى في كتبه هذه بقي شديد الالتزام بالوطنية الفلسطينية فلم يسجل في تاريخه أنه باع يوما عقله وقلمه لغير فلسطين وأهلها. 
لقد جسد عبد الرحمن العرفاتية بمعناها الوطني الواسع وبقي مخلصا لهذا التراث حتى النفس الأخير... وكيف وهو الذي أعطى عنوانا لأهم كتبه "عشت في زمن عرفات" 
تماما كما كان الإغريق القدامى يفتخرون بالقول "عشنا في زمن أخيل".