الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 30 تشرين الثاني 2021

المرأة بين العقلية الشعبوية و(دولة الإنسانية الوطنية)

موفق مطر

 نعلم جيدا مدى الانعكاس السلبي لعنف منظومة الاحتلال الاستيطانية العنصرية المسماة  "إسرائيل" على الشعب الفلسطيني، حيث تقترف سلطات المنظومة العسكرية والأمنية جرائم عنف مرخصة من السلطة السياسية، وتحظى بتغطية من السلطة القضائية، ونعرف أيضا أن الموروث الاجتماعي قد ضاعف تأثيرات هذا العنف، لكننا نعتقد أن واقع العنف المزدوج هذا يدفعنا نحو سبيل التحرر من العنف والإرهاب الأساس، ومن الموروث على حد سواء، وأن نعمل على استعادة صورة مجتمعنا المسالم، وتطويرها بما ينسجم مع أيامنا الحاضرة ورؤيتنا للمستقبل، بما يضمن تطوير فكرنا الاجتماعي والسياسي لتحقيق هدف "دولة إنسانية وطنية" مع التأكيد على أولوية الإنسانية باعتبارها رهاننا في كسب المعركة وحسم الصراع مع منظومة الاحتلال التي تعتبر نقيضا بعيد المدى رغم كل صور الحريات والديمقراطية المبثوثة عبر وسائلها الإعلامية  والدعاية التي بات العالم يكتشف زيفها، فنحن من سلالة شعب نما وتطور وأبدع مطعما بموروثات حضارية، ونمتلك أفكارا وأخلاقا وقيما نستطيع صياغتها لتكون أرقى القوانين، باعتبارها – أي القوانين – روح الدولة المنشودة حيث يحيا الفرد حرا، أنثى كان أو ذكرا، عزيزا كريما، آمنا مسالما. فالقانون لا "يفصل" على مقاس رغبات الجمهور ولا طبقا لمفاهيمه وتعاليمه الناكرة على الإنسان حقوقه، التي قد تؤدي إلى تبرير وشيوع جرائم كالثأر مثلا ضد الرجال، وجرائم الشرف ضد النساء!! كما أن تجسيم القوانين وتطبيقها لن يكون بعملية انقلابية يصدر قادتها الأوامر والأحكام العرفية، وإنما عبر مراحل تمهد الواحدة للأخرى متلازمة مع التطور الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، مع القياس الدائم لمستوى استيعاب معاني الحرية الفردية والجمعية ومدى تطابقها لمواصفات التطور الفكري والمعرفي والحضاري، لكننا بذات الوقت نستطيع تأمين الديمومة لقوانين وقرارات ثورية (بمعنى التغيير الجذري للواقع) لا بد منها لتحديد نقطة الانطلاق نحو الأفضل، شرط تأمينها برؤى وسياسات تضمن المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني مقومات حياتها، والسير  نحو محطات "الحرية العقلانية" الإنسانية.

لن يسمح لنا الذين يصارعوننا على وجودنا بالانتقال الطبيعي التدريجي، سيصادرون الزمن، لذا لا بد من تطبيق الأفكار الخلاقة والقوانين الثورية المقصود بها الإنسان بنوعيه بقوة الإرادة الجمعية، والرؤية الصائبة للدولة العصرية، وتحديدا في المرحلة السابقة للاستقلال والسيادة، ذلك أن تأسيس المجتمع على قاعدة السلم ونبذ العنف، والانتصار بلا تحفظ لقضية تحرير وحقوق المرأة، التي إذا استطعنا تأمينهما إلى جانب حقوق الطفل من ضمن قضايا عديدة في المجتمع، فإننا بذلك نكون قد قطعنا شوطا كبيرا لتجسيد (دولة الإنسانية الوطنية) أو (دولة الوطنية الإنسانية) فنحن بحاجة إلى التحرر من انعكاسات الاحتلال علينا والموروث، والظلم الاجتماعي  بالتزامن مع التحرير إن لم نقدر على تقديم التحرر بأحسن صورة على الحرية والاستقلال، ذلك أن الذي عمل على إفنائنا، لن يترك لنا ميدان المستقبل سهلا.. وسيصطنع الحواجز والعراقيل ويختلق المشاكل لمنعنا من الارتقاء واندماج شخصيتنا الوطنية في عالم الإنسانية والتنعم بحياة حضارية تثبت فظاعة ظلمه التاريخي الذي أسقطه علينا.

الحقيقة التي لا مناص من ذكرها هي: أنه على الرغم من قدرة المجتمعات العربية - ونحن جزء منها - على الارتقاء إلى درجات مقبولة من التنمية وتسجيل علامات مميزة لتفوق الوعي حيث كان للثورة وحركة التحرر الوطنية ووسائل الاتصال المتطورة، والنمو الاقتصادي والانتعاش المادي فيما بعد الدور الفاعل، إلا أن ما يسمى المفاهيم والتقاليد الشعبية ما زالت في مواقعها لم تتزحزح، وتطغى بقسوتها عند التطبيق بقوة "العقلية الشعبوية" على الرغم من تعارضها مع مبادئ وجوهر رسالة الدين السماوي.. ما يسمح بتفسيرات خاطئة للقانون وأخذه بتأويلات خادمة للنزعة السلطوية أو الإجرامية تجاه الآخر عموما، والمرأة خصوصا، في ظل غياب الإيمان العميق من القوى الاجتماعية والسياسية والدينية والإرادة الفاعلة بتنفيذ الإصلاحات القانونية.