عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 18 آب 2021

ورحلت أم وليد التمام

نابلس – الحياة الجديدة – رومل السويطي- هكذا هم ذوو الشهداء والاسرى الذين لم يبحثوا يوما عن جاه او امتيازات، يرحلون دون ان يعرف الجميع عنهم، وهمّهم الوحيد تحرير وطنهم وأن يعيشوا كما بقية شعوب الارض، حتى أنا الذي كنت قد أجريت لقاء معها، انقطعت عن التواصل معها قبل بضعة شهور، تفاجأت يوم أمس بخبر وفاتها قبل ثلاثين يوما.

تلكم هي الحاجة فتحية تمام "أم وليد" التي كانت قد فقدت أربعة من أفراد أسرتها، وصبرت صبر الرجال، ورحلت بصمت وبدون ضوضاء بعد أن أدت رسالة أمومتها ودفعت ضريبة وطنها كاملة غير منقوصة، عن عمر 69 سنة.

قبل عشر سنوات زرتها في بيتها بمدينة طولكرم، حيث استقبلتنا بابتسامة شفافة، وترحاب فلسطيني أصيل، وما أن نظرنا في حينه إلى قسمات وجهها حتى قرأنا فيه للوهلة الأولى أن قلبها خال من الهموم والأحزان، لكنها ما أن بدأت بالحديث عن همومها وأبنائها واحدا تلو الآخر حتى ظهرت حقيقة معاناة تلك المرأة الصبورة، التي عكست حال آلاف النساء الفلسطينيات اللواتي علّمن العالم كيف تكون التضحية وكيف يكون الصبر في أبهى صوره.

الراحلة فتحية تمام «أم وليد» 58 عاما أرملة المرحوم خالد محمود تمام، من نابلس وتقطن في طولكرم، لديها من الأبناء والبنات عشرة، تتحلى بشجاعة وصبر الرجال الأشداء، فقدت أربعة من أفراد أسرتها الواحد تلو الآخر، ومع ذلك كانت تحتسب ذلك عند ربها، وتقول: «أنا لست أرحم بهم من ربهم.. اللي بعملوا ربنا منيح».

بداية المعاناة / كانت بداية «الامتحان» الرباني حسب وصف ام وليد باستشهاد نجلها محمد 19 عاما، موضحة بأنها كانت تتعامل معه كما تتعامل مع بقية أولادها وبناتها على قاعدة الصداقة والثقة، بعيدا عن التعسف والجبروت. وكانت قد روت لنا ظروف استشهاد ابنها في ذلك الصباح، حيث قالت له قبل مغادرته المنزل: «دير بالك على حالك»، وذهبت بعد ذلك للجلوس والحديث مع جارتها وقالت لها عندما مرت من أمامها سيارة إسعاف دغدغتها عاطفة الأمومة وشعرت بإحساس الأمومة أن ابنها داخل تلك السيارة، وبعد ذلك أدت صلاة العصر، وذهبت إلى المستشفى وشاهدت ابنها على السرير مستشهدا ولم تقل سوى جملة واحدة: « الله أعطاني إياه والله أخذه ليست خسارة» و«إنا لله وإنا إليه راجعون».

ولم تكد أم وليد تستفيق من مصيبة استشهاد نجلها محمد، حتى جاء خبر اعتقال ابنها «بلال» الذي كان يبلغ من العمر 17 عاما، وتحكم عليه احدى محاكم الاحتلال بالسجن الفعلي 30 عاما بتهم تتعلق بمقاومة الاحتلال، وقالت في تلك المقابلة انها علمت لاحقا ان عملية اعتقال بلال تمت بالخطأ، لأن الهدف كان تصفيته وليس اعتقاله، وتم اغتيال شاب آخر في نفس عملية اعتقال بلال وهو الشهيد زياد دعاس الذي كان مطلوبا هو الآخر لقوات الاحتلال.

بعد وفاة الزوج.. اصبحت الأم والأب

وكانت ام وليد قد سردت حكايتها وقالت: بعد اعتقال بلال، قامت قوات الاحتلال باعتقال ابني حسام 22 عاما، ويتم تحويله الى اقبية التحقيق ويتعرض لتحقيق قاس جدا، ثم يحكم عليه بالسجن الفعلي 4 سنوات، وتقول بأنه وخلال وجود نجليها في سجون الاحتلال كان الامتحان الرباني الثالث والذي تمثل بوفاة زوجها في عام 2004، وكان يبلغ من العمر 58 عاما، بعد تعرضه لنوبة قلبية نتيجة تراكم المعاناة من خلال استشهاد ابنه ثم اعتقال نجليه بلال وحسام، وبعد وفاة زوجها أصبحت هي الأب والأم لأسرتها.

ثم يأتي الامتحان الرابع حيث جاءها خبر وفاة نجلها عز الدين 24 عاما في الخامس من رمضان بعد تعرضه لحادث سير، بعد وفاة زوجها مباشرة، موضحة بأن عز الدين شأنه شأن بقية اخوانه كان محبوبا من الجميع وقد تبين ذلك في جنازته المهيبة التي كانت سببا في تخفيف مصابها.

ولم تتوقف الامتحانات التي تعرضت لها ام وليد، حيث اصيبت مرة اخرى بوفاة ابنتها ايمان 28 عاما تاركة خلفها أربعة أطفال، واصبحت تعيل أفراد اسرتها براتب ابنها الشهيد محمد الى جانب مساعدتها من احدى بناتها التي تمكنت من العمل في احدى المؤسسات الحكومية، وكانت ام وليد – رحمها الله - حريصة على تعليم بناتها ومن اجل ذلك فقد ناضلت لتوفير الاقساط لاثنتين من بناتها حيث كانت تتعلم احداهما في الجامعة الاميركية في جنين والثانية في جامعة القدس، وحين سألتها عن وضعها المادي، أجابت بقوة مع ابتسامة خفيفة: الحمد لله.. مستورة.