عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 25 تشرين الثاني 2015

النفي والشهية المتنورة - هآرتس

بقلم: ديمتري شومسكي

 

الاسرائيليون، يقول ايال مجيد ردا على مقالات آفا ايلوز، لا ينفون احتلال الشعب الفلسطيني. فهم على وعي جيد بوجوده، ولكنهم يختارون مواصلة التعايش معه بسبب الخوف من "الارهاب الفلسطيني الاجرامي".

عند تشكيك مجيد بحجج ايلوز حول العمى الاسرائيلي عن الاحتلال، فانه يعرضها كمثقفة منقطعة عن احاسيس الجمهور الاسرائيلي، وتفضل ان تتخيل نفسها كامرأة تعيش "في العالم الكبير" العالمي بدلا من "الاتساخ بقاذورات البقاء" للقدس المتخلفة.

في ضوء الطبيعة القاطعة والجارفة لنفي نفي الاحتلال في اسرائيل من جانب مجيد، يمكن التساؤل فيما اذا كان هو نفسه داخل شعبه يجلس واذا كان، باستثناء "هآرتس"، يطلع بين الحين والآخر على وسائل اعلامية اسرائيلية اخرى. فمتى شاهد مؤخرا قنوات التلفزيون التجارية؟ هل سمع، مثلا، مقدمية الاخبار الوطنية في القناة 2 تتعاطى مع الوضع السياسي – العسكري في الضفة الغربية وشرقي القدس في ظل استخدام كلمة "احتلال" ليس كاقتباس عن كارهي اسرائيل، اعضاء حركة بي.دي.أس بل كوصف موضوعي للوضع؟

مجيد محق، بالطبع، بقوله ان الجمهور الاسرائيلي يسلم باستمرار السيطرة العسكرية لدولته على الفلسطينيين لاعتبارات الامن. غير أن هذه الاعتبارات تستمد مفعولها من نفي الاحتلال. إذ انه اذا كان الاحتلال الاسرائيلي، كفعل عدواني، عنيف واجرامي في رده على المقاومة له، ليس موجودا في الواقع الاسرائيلي الخيالي، فواضح أن جذور الارهاب الفلسطيني مغروسة ليس في جيلين من القمع والمذلة، بل في الكراهية الدينية الاسلامية للكفار اليهود. وحسب هذا المنطق الاشوه، فإن حرمان الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير وسلب اراضيهم لغرض وجود مشروع الاستيطان يمكن ان يعرض كوسيلة دفاع عن النفس ضرورية وشرعية ضد "الاسلام الاصولي المتعطش للدماء".

ان النفي الاسرائيلي لعناصر العدوان، العنف والاجرام الذي في مشروع الاحتلال والاستيطان ينسجم وتجاهل الغرب وجود تلك العناصر في سياسته في الشرق الاوسط الاسلامي منذ عشرات السنين.

مجيد معروف كانسان حساس، يبدي عطفا على معاناة الناس وهو يروج بثبات للنباتية، وذات مرة شبه، في هذه الصفحة، بين كارثة اليهود وابادة الحيوانات لغرض أكل لحومهم. ولكن مشكوك أن يكون نباتيا لو لم تحصل البقرات اللواتي توشكن على الموت في المسالخ على تواجد اعلامي. ففي الاعلام الغربي الراهن صرخة الحيوانات في المسالخ تسمع أكثر مثلا من اصوات ضحايا الحرب في العراق، الذين يموتون بجموعهم منذ قرر الازعر المسيحي من تكساس زرع الدمار بين المسلمين في ارضهم لغرض تقدم التنور والديمقراطية المزعومين.

فهل بلغ ذات مرة في قنوات الاعلام الغربية كيف شعر قبل موتهم السنة في العراق ممن قتلوا في القصف الغربي؟ هل ابقى بعضهم بلاغات تمزق نياط القلب في السجلات الخلوية لاعزائهم والجديرة بان تسمع بالبث بقدر لا يقل عن بلاغات ضحايا عمليات 11 ايلول؟

لو كنا نستمع للقصص الشخصية لضحايا القصف في العراق او في افغانستان، بالضبط مثلما نتعرف على الاحلام المتحطمة للشباب الذين قتلوا في قاعة باتكلان، أفلا نكون حصلنا على صورة أكمل للعنف الاجرامي العالمي المتعاظم على خلفية التدخل العسكري العنيد من القوى العظمى في الرحاب الاسلامي الذي بين الهند وفلسطين؟ أولم يكن بوسعنا في حينه أن نقطع بسهولة بين كابول ونيويورك، بين بغداد وباريس وبين الخليل والقدس؟

سخيف هو التفكير بانه بالوقوف على الخلفية السببية الملموسة لـ "لارهاب الفلسطيني" او عمليات داعش ثمة ما هو مثابة اعطاء مبرر للارهاب. فحتى من يرون في العدوان الغربي في العراق وفي سوريا عنصرا مهما في العملية التي أدت الى صعود "داعش" او من يقدرون ان استمرار الاحتلال هو احد الاسباب المركزية لاندلاع انتفاضة السكاكين الاخيرة، لا يمنحون – خلافا لاقوال مجيد القريبة من التحريض – أي شرعية لهذه الظواهر الاجرامية.

الارهاب في باريس وفي القدس يجب شجبه بكل حزم. ويجب مقاتلته بكل الوسائل القانونية. وفي نفس الوقت يجب العمل على اصلاح الواقع الذي يشجع انتشاره. المشكلة هي ان التغييرات اللازمة لهذا الغرض – شفاء الغرب من الميل المريض لقصف الشرق الاوسط العربي صبح مساء "من اجل الديمقراطية"، وكبت الشهوة الاسرائيلية المسيحانية للاستيطان في الاراضي الفلسطينية – معناها أن على الغرب وعلى اسرائيل أن يتغلبا على نزعة القوة والهيمنة.

 هذه المهمة، كما ينبغي الاعتراف، صعبة بقدر لا يقل عن كبت الشهية السليمة لتبنيها، اذا سمح لنا أن نجري موازاة من هذا النوع ليس بالنسبة للارهابيين المسلمين ولـ "مشرعي الارهاب" اليساريين الهاذين، كما يقترح مجيد، بل بالنسبة لمقاتلين التنور الواقعيين من البيت الابيض ومن شارع بلفور.