عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 15 أيار 2021

"غربان الموت" تستفرد بالغزيين في أقدس أعيادهم

غزة ـ الحياة الجديدة ـ عماد عبد الرحمن -صبيحة أول أيام عيد الفطر المبارك أقدس أعياد المسلمين حاول سكان قطاع غزة نفض غبار قصف ليلتهم السابقة عنهم، ومع بداية خيوط صباح أول أيام عيد الفطر استبدلت حناجرهم التكبير والتهليل والدعاء على العدو الغاشم بتكبيرات العيد بأصوات مبحوحة من شدة التعب، لم يلبسوا ثياب العيد والكثير منهم لم يصطحب أطفاله معه هذه المرة خوفا على حياتهم، فمازالت السماء تحلق فيها غربان الموت الإسرائيلية، واكتفوا بالذهاب للمساجد لإقامة صلاة العيد.

فوجئ الغزيون بتغيير ملامح طرقهم وشوارعهم التي عهدوها وألفت أقدامهم أن تخطوها كل يوم، وعلى جوانبها فضاء لم تعهده أعينهم من قبل، فالأبراج والبنايات العالية التي كانت تحجب الشمس بالأمس لم يعد لها أثر اليوم، انقبضت قلوبهم وشعروا بغصة وفقدوا بهجة عيدهم، وعلى عجل أدوا صلاة عيدهم وتوجهوا بعدها مسرعين بابتسامة زائفة رسمت على وجوههم لاستقبال أطفالهم وطمأنتهم أو الضحك عليهم بأن العيد لم يأت بعد.

العيد هذا العام في قطاع استبدلت طقوسه وعاداته المتعارف عليها بأشياء أخرى، فلم تشهد شوارع القطاع أسراب السيارات المهنئة بالعيد لأنها قصفت بطائرات الاحتلال الحربية التي تركت فيها ندبات غائرة تقدر بالأمتار تعجز معها السيارات السير عليها، والحدائق العامة والملاهي استبدلت بالبنايات والأبراج  والأحياء والشوارع المهدمة التي أصبحت مزارات للمواطنين للاطمئنان على أصحابها وقاطنيها، الأطفال لم يتلقوا العيدية ولم يخرجوا من بيوتهم، وقرر الآباء الجلوس في البيوت أمام شاشات التلفاز لسماع آخر الأخبار وسماع القصف والتفجيرات المتناثرة في أجزائه وإقناع أطفالهم بأنها مفرقعات نارية استعدادا لاستقبال العيد في محاولات يائسة لتهدئتهم.

مع بداية ساعات مساء أول أيام عيد الفطر وبينما سكان قطاع غزة في بيوتهم آمنين كان لطائرات الاحتلال الإسرائيلي رأي آخر، وهو ترويع الآمنين وتكدير حياتهم حتى في أقدس أعيادهم، وتزامنا مع القصف المتفرق في مختلف أنحاء القطاع ألقت عشرات الطائرات الحربية الإسرائيلية ترافقها مدفعية الدبابات مئات القذائف الصاروخية والمدفعية ولمدة تقارب الساعة على رؤوس المواطنين شمال وشرق قطاع غزة بجنون وحقد لم يشهد له مثيل من قبل تسبب في سقوط عشرات الشهداء ومئات المصابين وهدم وتدمير مئات البيوت ونزوح آلاف الأسر عن أحيائهم.

شهادات الناجين من تلك الليلة الدامية صرحت بها عيونهم وأشكالهم قبل ألسنتهم شهادات أقل ما يقال عنها أنها مروعة تدلل على مدى بشاعة وجرم وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين حيث قال حسن الرضيع من سكان بيت لاهيا شمال قطاع غزة كانت أربعون دقيقة من القصف المسعور قامت عشرات الطائرات الحربية الإسرائيلية  نفذت خلالها مئات الغارات على بيوت الآمنين والمؤسسات والأراضي الزراعية، وكذلك مفترقات الطرق والشوارع الرئيسية، وخلفت تلك الغارات حالة من الرعب والخوف الكبيرين.

وأضاف الرضيع "أربعون دقيقة هي الأعنف والأكثر وحشية شهدها قطاع غزة وتحديداً مناطق شمال غزة ( القرية البدوية، بيت لاهيا ، بيت حانون، جباليا)، تلك الدقائق كانت كالمجنونة وليلة عصيبة كقاع الكيلة ـ دلالة على مدى الصعوب - ، القصف لم يتوقف، كل من هو في شمال غزة تساوى في تعرضه للخطر، البيوت غير آمنة، تُقصف على رؤوس ساكنيها في منطقة تفتقر لوجود الملاجئ أو صافرات الإنذار، كذلك بيوت كثيرة سقفها من الزينقو، الأراضي الزراعية ومفترقات الطرق لم تكن آمنة، تعرضت للقصف بصواريخ شديدة الانفجار، وكل ذلك بعد عدة دقائق من تعرض القرية البدوية وشرق بيت حانون لقصف مدفعي مًركز أودى بحياة عدد من الشهداء وتسبب بنزوح قسري للسكان الُعزل في القرية البدوية( قرية أم النصر) شرق مدينة بيت لاهيا إلى مناطق غير آمنة إلا أنها أقل خطراً، فالخروج من بيت يُقصف بالمدفعية إلى بيت آخر قد لا تصله قذائف المدفعية بشكل مباشر كان أقل الضررين، وهذا لا يعني أن شمال غزة بأكمله مكاناً آمناً كذلك قطاع غزة، فحمم وألهبة الصواريخ قد تجاوزت كل الخطوط الحمراء، تمثلت في قصف البيوت على رؤوس قاطنيها والتسبب باستشهاد الأطفال والنساء وكبار السن، ومسح عائلات بأكملها من السجل المدني كما حدث مع عائلة رأفت الطناني (6 أفراد) في أبراج الشيخ زايد في مدينة بيت لاهيا.

من جانبه، يقول غسان نعيم من بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة تعرضت بلدة بيت حانون تلك الليلة الى أعنف وأشرس قصف إسرائيلي أعادنا لذاكرة اللجوء الفلسطيني والنزوح القسري الكبير في عامي 1948 و1967 الذي سُلب فيه الشعب الفلسطيني حقه بالعيش بأمان وبكرامة بفعل استمرار توحش الاحتلال والذي يعتاش على الحروب والأزمات والإبادة المنظمة بحق الفلسطينيين.

وأضاف نعيم أن قصف الاحتلال الإسرائيلي طال كل شيء في البلدة انقطعت معه الكهرباء عن كامل البلدة، وكان مكثف جدا وعلى فترات متقاربة جدا ومباشر على الطرق الرئيسية وقريب جدا من مستشفى بيت حانون المستشفى الوحيد والمتواضع في البلدة والذي امتلأت ساحاته بعد أن احتمت فيه عشرات الأسر النازحة هربا من الموت المحقق على أمل النجاة، مشيرا الى أن ضخامة القصف وقوته جعلت اتخاذ القرار أمامه صعبا فإمكانية التحرك ليلا وأثناء القصف خاصة مع انقطاع التيار الكهربائي أمرا غاية في الصعوبة ومحفوف بالمخاطر مما شكل عليه ضغطا إضافيا بجانب القصف والانفجارات ولكنه في النهاية ومع محدودية الوقت قرر الاحتماء هو وأسرته في أحد أركان البيت منتظرين رعاية الله.

من شرق الشجاعية لخص محمد ياغي ما مر به من ليلة عصيبة بقوله " أنا مهندس صوت .. في حياتي المهنية سجلت صوت قصص كثير منها صوت اول نفس لمولود وآخر نفس لشهيد ولكنني في هذه الليلة سجلت صوت الموت".

 وأضاف ياغي أن هذه الليلة أعادت الى أذهان سكان الشجاعية ما حدث معهم في العدوان الإسرائيلي عام 2014 من قتل وتشريد الأمر الذي حذا بمئات الأسر الى الخروج من البيوت خوفا على حياتهم، الأمر الذي وصفه بالمشهد الصعب حيث شاهد عشرات الأسر نامت ليلتها في الشارع لعدم وجود مكان تلجأ إليه خاصة وأن المدارس لم تكن فتحت أبوابها بعد ومنهم خاف من ركوب السيارات لاحتمالية القصف فاضطروا الى ركوب عربات  أو المشي لمسافات طويلة هربا من حمم القذائف التي تساقطت فوق رؤسهم على غفلة منهم.