شلالدة: آن أوان تحقيق العدالة لشعبنا ومحاسبة الاحتلال
وزير العدل في لقاء مع الحياة الجديدة حول قرار "الجنائية الدولية":

3 ملفات مطروحة على طاولة "الجنائية" والتشريعات العنصرية الاسرائيلية سلاح في أيدي الفلسطينيين
المراوغات الاسرائيلية لن تحمي مرتكبي الجرائم ومصدري الاوامر
اجرى الحوار: عبير البرغوثي- كان لقرار المحكمة الجنائية الدولية بمد ولايتها على الاراضي الفلسطينية قبل أيام وقع زلزالي في المنطقة، ففي الوقت الذي استبشر فيه الشعب الفلسطيني خيراً ونافذة قد تفتح عيون العالم على حقيقة ما يجري في فلسطين من انتهاكات لن تقوى حتى أوسع صفحات وقوانين الجنائية الدولية على استيعابها، كان الطرف الاسرائيلي متخوفاً ومعلنا فتح كل الجبهات حتى لا تفتح هذه النافذة، جهود داخلية وخارجية بُذلت حتى لا يكون للنور طريق ولو يسير من هذه النافذة أو حتى من أطرافها، معركة جديدة ستنقل الصراع والمواجهة لمستويات وساحات جديدة، مواجهة ليست سهلة والنصر فيها ليس تلقائياً، بل هي حلقات من المد والجزر والضغط والتهديد والتشديد، معركة حقائق قبل أن تكون مجرد تحقيق وبحث عن عن أدلة.
يتزامن اعداد هذه المقابلة مع اتخاذ المحكمة الجنائية اولى خطواتها العملية بتوجيه رسالة الى الجانب الاسرائيلي وفق مصادر اعلامية قبل أيام، وفي الوقت الذي تنتظر فيه المحكمة اول الردود الرسمية، تنشغل الاوساط المعنية في اسرائيل بتحضير ردها أو عدم ردها على الطلب، وفي كلتا الحالتين سيكون ذلك ردا يوضح الاتجاه العام لما ستسلكه سلطات الاحتلال في التعامل مع المحكمة في قادم الايام، وفي غمرة هذه التداعيات، كان لجريدة "الحياة الجديدة" هذا الحوار الشامل مع وزير العدل محمد شلالدة للوقوف على تفاصيل هذا الملف، وفيما يلي نص الحوار:
تفعيل دور المحكمة الجنائية الدولية لم يكن مهمة يسيرة
لم يكن تفعيل دور المحكمة الجنائية الدولية خطوة سهلة من كافة النواحي، كيف تنظرون لموضوع أن الصلاحية القضائية او الولاية القضائية للعمل او التحقيق في الاراضي الفلسطينية لا تعني المباشرة بالتحقيق فورا بل يتطلب الامر قرارًا يصدر من المحكمة لاحقًا، هنا يوضح وزير العدل محمد شلالدة "المحكمة الجنائية الدولية هي جهاز قضائي مستقل ومكون من جمعية الدول الاطراف، التي تتكون من 123 دولة وتأتي فلسطين في المرتبة 123، حيث انضمت فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية على إثر قبولها في الامم المتحدة في عام 2012، وبالتالي أصبح لها أحقية الانضمام للمعاهدات الدولية ومن أهمها النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية، حيث انضمت للمحكمة الجنائية عام 2014 وتقدمت ببلاغ للمحكمة بقبولها والتزامها بالنظام الاساسي للمحكمة، كما طلبت من المحكمة بالإعلان الانفرادي أن تنظر في كافة الجرائم التي ترتكب في المستقبل في اقليم دولة فلسطين بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وبالتالي اتاح هذا البلاغ للمدعية العامة للمحكمة فاتوا بنسودا بأن تنظر في كافة الجرائم المرتكبة في دولة فلسطين منذ عام 2014، بمعنى أن النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية يبدأ نفاذه بتاريخ نفاذ النظام الاساسي الذي كان في عام 2002، وبالتالي سيتم النظر في الجرائم المرتكبة في فلسطين بعد هذا التاريخ وفق ما تقدمنا به للمحكمة، وعليه حصلت المدعية العامة على كافة الوثائق والتقت الضحايا من قبل دولة فلسطين من خلال شؤون المفاوضات ووزارة الخارجية والمغتربين في العاصمة الاردنية عمان، وتكوّن لديها قناعة أولية بالتحقيق الاولي أن هناك بالفعل جرائم ارتكبت على ارض إقليم دولة فلسطين، والجانب الآخر الذي لا يقل أهمية أنه في عام 2018 تقدمت دولة فلسطين بطلب إحالة، الذي يعني في قانون المحكمة الجنائية أن هناك 3 أطراف لهم أحقية الاحالة للمحكمة وهي الدول الاطراف في المحكمة، مجلس الامن، وثالثا المدعي العام من تلقاء نفسه، اضافة الى المنظمات الحكومية وغير الحكومية والأفراد الذين من حقهم التقدم ببلاغات لدى المدعي العام في حال تعرضهم لانتهاكات جسيمة، وبعد تقديم البلاغات والشكاوى للمدعي العام يقوم بتحويلها للغرفة التمهيدية في المحكمة بهدف النظر فيها وتحميل المسؤولية الجنائية الفردية لمن ارتكب الانتهاكات، وبالتالي فإن الإحالة قضية مهمة تفتح المجال أمام المدعية العامة لاتخاذ الاجراءات المطلوبة. وهنا نود أن نوضح الفرق بين الإحالة والبلاغ، الاحالة لا يوجد فيها استئذان من الغرفة التمهيدية بمعنى ينظر المدعي العام في القضية بشكل مباشر وبالتالي في عام 2018 عندما نظرت المدعية في طلب الإحالة بالإضافة للبلاغ المقدم من دولة فلسطين جاء من هنا فرض الولاية الجغرافية او الاقليمية على فلسطين للحيلولة دون الطعن في اجراءات المحاكمة مستقبلا من قبل اي طرف آخر، سواء الطرف الاسرائيلي أو غيره، وعليه طلبت المدعية من الغرفة التمهيدية الإجابة على السؤال، الذي يتمحور حول إمكانية المحكمة الجنائية فرض الولاية الاقليمية على اقليم دولة فلسطين الذي ارتكبت فيه الجرائم، وهذا خلق جدلا قانونيا في هذه الجزئية، حيث تلقت الغرفة التمهيدية الكثير من الإفادات والمرافعات الشفوية والمكتوبة من قبل الدول والمنظمات الحكومية وغير الحكومية ومن قبل الافراد وفقهاء القانون الدولي ومن قبل مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية".
تفعيل دور المحكمة الجنائية الدولية انتصار للدبلوماسية الفلسطينية
ويضيف الوزير شلالدة: "بعد مرحلة طويلة من الجهود صدر القرار بموافقة أغلبية قضاة المحكمة بأن المحكمة الجنائية الدولية لها ولاية اقليمية على الإقليم الفلسطيني بما يشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وطرح قضية القدس الشرقية جزئية مهمة جدا لأن المحكمة تؤكد على القرارات التي صدرت من الامم المتحدة سواء الخاصة بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بانطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الارض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، كما تؤكد على قرار مجلس الامن رقم 2334 الصادر عن مجلس الامن، وهذه اشارة من القضاء الدولي ممثلا في المحكمة الجنائية الدولية أن قرار الضم لمدينة القدس باطل، وهنا أثبتت المحكمة الولاية الاقليمية على الإقليم الفلسطيني واستندت في ذلك الى قبول دولة فلسطين في الامم المتحدة ورفع مكانتها الذي أهلها أن تقدم طلب انضمام للمحكمة الجنائية الدولية ولم تتحفظ اي من الدول على ذلك، التي فيما بعد قدمت مرافعات شفوية أو مكتوبة كأستراليا أو كندا وبعض الدول الافريقية، أن المحكمة الجنائية لا تملك ولاية على فلسطين لأنها ليست دولة، الى جانب مرافعة رئيس المحكمة الذي تقدم بـ 160 صفحة اوضح فيها ان المحكمة لا تملك الولاية الاقليمية على فلسطين، لكن بالرغم من كل هذه الافادات والمرافعات القانونية الا أن قرار المحكمة كان عادلا وأكد على الولاية الاقليمية على الاقليم الفلسطيني، وهذا يعني اتاحة المجال أمام المدعية العامة وبالتنسيق مع الغرفة التمهيدية بأن تشرع فورا في اجراء التحقيقات والقبض والتقديم للمحاكمة والتسليم للمتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية على الاقليم الفلسطيني بما فيها مدينة القدس الشرقية، وبالتالي هذا يعد انصافا للعدالة وللضحايا، وهذه رسالة للمجتمع الدولي بأن المحكمة الجنائية حيادية ونزيهة، وكل الشكر في هذا الجانب يعود للدبلوماسية الفلسطينية على مستوى العالم ممثلة بالسيد الرئيس محمود عباس، وبالتالي هذه رسالة لكل من يفكر بارتكاب جرائم بحق الشعب الفلسطيني أن لا احد سيفلت من العقاب".
لا حصانة سياسية لأي كان و3 ملفات فلسطينية مطروحة على طاولة الجنائية
هذه بداية تجربة ومعركة جديدة أمام الدبلوماسية الفلسطينية، فكيف سيتم التعامل مع موضوع ان تشمل المحكمة "فتح تحقيق" يعني إصدار مذكرات توقيف بحق شخصيات سياسية وعسكرية مطلوبة للتحقيق من الجانب الإسرائيلي في ظل حصانتهم السياسية في ظل تغيير مرتقب للمدعية العامة؟ يؤكد شلالدة "تنتهي فترة المدعية العامة الحالية فاتوا بنسودة خلال الفترة القريبة المقبلة وسيتولى بعدها رئاسة الحكمة مدع عام بريطاني من أصول باكستانية ولمدة 9 سنوات، وبالتالي فإن الملف المطروح أمام المدعية الحالية التي من المتوقع ان تبدأ بالنظر فيه وبدء التحقيق الاولي بدءا بحصر المتهمين أو المشتبه بمن قاموا بارتكاب جرائم بحق الشعب الفلسطيني، بدءًا برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهنا نؤكد أنه في القانون الدولي الجنائي لا يعتد بالصفة الرسمية ولا حصانة لأحد، ونوضح أكثر هنا أنه اذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي على علم بوقوع جريمة أو انتهاك بحق الشعب الفلسطيني، أو حتى قام بإعطاء أوامر أو تعليمات لارتكاب هذه الانتهاكات هنا تنعقد المسؤولية الجنائية الفردية الشخصية لنتنياهو، ومن وجهة نظرنا القانونية نقول إنه وبدءا برئيس الوزراء ووزير الدفاع وكافة الضباط والجنود الاسرائيليين بحكم انهم من قاموا بإعطاء أوامر وتعليمات واضحة بارتكاب جرائم سواء في الحرب الاخيرة على قطاع غزة وهي جريمة يوم الجمعة الأسود في رفح التي ذهب ضحيتها أكثر من 130 مدنيا منهم أطفال ونساء، ما ينقلنا الى نقطة مهمة جدا وهي أن المحكمة الجنائية الدولي تنظر فقط في الجرائم التي تصنف تحت بند "الأشد خطورة"، وهي تتكون من نوعين الأول: هو من قام بارتكاب هذا الفعل بغض النظر عن رتبته أو طبيعة الاوامر التي أعطاها، والنوع الثاني: الضحايا واستهدافهم بالجرم المرتكب أو القتل العمد بحق مجموعة من الاشخاص التي ترتقي وتهز الضمير العالمي والبشرية، وهذا المقصود بالجرائم الاشد خطورة والتي ما زالت ترتكب بحق الشعب الفلسطيني".
ويتابع شلالدة "حاليا هناك 3 ملفات فلسطينية مطروحة على طاولة المحكمة الجنائية الدولية، الأول: الحرب الاخيرة على قطاع غزة 2014، الثاني: ملف الاستيطان ويعد من أهم الملفات المنتجة لآثارها القانونية لدى المحكمة التي من السهل جدا اثباتها أمام قضاة المحكمة، بحكم أن هناك قرارات صادرة عن مجلس الامن والامم المتحدة الى جانب الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية تدين الاستيطان وتثبت أنه غير مشروع، وبالتالي هناك انتهاكات جسيمة ليس ضد الأفراد وإنما ضد الأعيان المدنية في هذا الجانب، والملف الثالث هو ملف الأسرى الذي لا يقل خطورة عن باقي الملفات".
"الاستعداد والجاهزية تتطلب جهداً منظماً ومتكاملاً من كافة الجهات، والمطلوب الآن هو توفير لائحة الاسماء والمقصود بهم في القانون "المشتبه بهم"، ورغم أن اسرائيل تدعي أنها ليست طرفا في المحكمة الجنائية الدولية إلا أن ذلك لا يعفيها من المسؤولية أن تقوم بتسليم المتهمين بجرائم حرب أو ضد الانسانية كما لا يعفي الدول الأطراف في المحكمة الجنائية من التعاون القضائي بالتسليم أو المحاكمة في هذا الجانب، وهنا لا اقلل من قرار الغرفة التمهيدية الذي يتمتع بقيمة قانونية مهمة جدا في تحقيق الانصاف والعدالة بالنسبة للضحايا وبالنسبة للانتهاكات التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني"، يقول شلالدة.
الجنائية الدولية لا تعترف بالمحاكمات الصورية لمرتكبي الجرائم
ينظر البعض الى أن الصلاحية القضائية ستكون محدودة كون اسرائيل تتمتع بنظام قانوني مستقل ومعترف به بعكس دول أخرى يكون التحقيق فيها صعبا بسبب عدم وجود نظام قانوني مستقل ونزيه، ونظام حماس سيكون معرضا لهذه النقطة اكثر بسبب ضعف النظام القضائي هناك. فكيف سيكون رد الفعل الفلسطيني سياسيا وقانونيا؟ حول هذا الجانب يشير الوزير شلالدة بقوله، "ان النظام الأساسي للمحكمة الجنائية يتضمن نصاً يوضح النص التكميلي للمحكمة الاختصاص، وهذا الاختصاص يعني ان المحكمة لا تمس السيادة الوطنية للدولة، بمعنى أن القضاء الجنائي الدولي ممثلا بالمحكمة الجنائية هو مكمل للقضاء الوطني وبالتالي فان الاولوية اذا تم حدوث انتهاكات في اقليم اي دولة في وقت الحرب أو السلم سواء في الدول الاطراف او الدول غير الاطراف، هنا تنعقد المسؤولية الدولية ويجب ان يقدم المسؤول عن الانتهاك الى محاكمة وطنية وفي حال صدر حكم بحقه، فان المحكمة الجنائية لا شأن لها في القضاء الوطني، وبالتالي متى يكون تدخل المحكمة الجنائية الدولية ويكون لها سلطة في حال ارتكاب جرائم حرب او ابادة جماعية أو ضد الانسانية، يكون تدخلها في حال انهار النظام القضائي الوطني في هذه الدولة او تلك، او صدرت محاكمات صورية في هذا الجانب من هنا من حق المحكمة الجنائية الدولية أن تتدخل، وهنا نذكر ما قامت به اسرائيل بعد الحرب الاخيرة على غزة من ادعائها بتشكيل لجان تحقيق مع الضباط والجنود الاسرائيليين، الا أنه على أرض الواقع لم نسمع بصدور أي حكم جنائي بحق جندي أو ضابط، وهنا نقول إنه لم يتم إجراء أية محاكمة، فقط ما صدر هو تحقيق بحق جندي اسرائيلي قام بسرقة بطاقة ائتمان، وبالنسبة للجانب الفلسطيني وحسب معلوماتي لم يقم بإجراء اي تحقيق بخصوص هذه الجزئية، في هذه الحالة من حق المحكمة الجنائية الدولية أن تقوم بدورها في هذا المجال، وهنا نود توضيح قضية في غاية الأهمية فعندما نقول ان قرار المحكمة الجنائية يشمل الجرائم التي ارتكبت أو سترتكب في الاقليم الفلسطيني دون تحديد من المسؤول عنها سواء من الطرف الاسرائيلي أو الطرف الفلسطيني، بحكم أن القانون الدولي لا يستثني أحدا، وبصفة دولة فلسطين طرفا في هذه الاتفاقية، الا أن هناك فرقا بين حركات التحرر الوطني التي تقودها منظمة التحرير الفلسطينية كشعب محتل يناضل من اجل الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير، وما بين الارهاب المنظم من قبل السلطة القائمة بالاحتلال، وهذا ما ستأخذه المحكمة الجنائية بعين الاعتبارولكن في حال ارتكبت جرائم أو انتهاكات من قبل حركات التحرر ضد مدنيين أو ضد القانون الدولي الانساني أو ضد اتفاقية جنيف هذا موضوع آخر، وأؤكد هنا أن البروتوكول الاول الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1977 في المادة (1) البند الرابع يشير الى أن حركات التحرر التي تناضل من أجل حق تقرير المصير ضد الاحتلال الاجنبي والتسلط الاستعماري، فإن هذه الحروب التي تخوضها تعتبر نزاعات مسلحة دولية، وهذا ما يترتب عليها آثار قانونية ونحن محميون بموجبها، بمعنى أن الاسرى في القانون الدولي لحركات التحرر يعتبروا اسرى حرب ولا تتم معاقبتهم على ما ناضلوا من اجله عبر نضال مشروع وفقا لمبادئ وقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الانساني".
المفاوضات والمحكمة الجنائية دعم للفلسطينيين لنيل حقوقهم
يتزامن تفعيل خطوات المحكمة الجنائية مع تغيير الادارة الاميركية والحديث عن احتمالات تحرك الاجواء السياسية بعد جمودها في ظل الادارة السابقة، كيف سيتم مواجهة تهديدات اسرائيل بربط استمرار الفلسطينيين بالتوجه للجنائية بالتقدم في مسار المفاوضات، ما يفرض ضغوطا على الإدارة الاميركية التي ترغب بإعادة الطرفين الى طاولة المفاوضات، هنا يقول شلالدة: "موضوع الانتهاكات الجسيمة والجرائم التي ترتكب بحق الشعوب وضد السكان المدنيين، موضوع منفصل عن موضوع المفاوضات سواء نجح ام فشل، فالدولة التي ينتمي لها المواطن لا تمتلك أحقية التنازل عن الحقوق الفردية او الشخصية لهذا المواطن أو ذاك، فكل ضحية ارتكبت بحقها جريمة من حقها التوجه للقضاء الوطني أو الاقليمي أو الدولي، وبالتالي لا علاقة من وجهة نظري القانونية بموضوع المحكمة الجنائية، فهذا موضوع يمس السيادة الفلسطينية ومن حق دولة فلسطين أن تدافع عن مواطنيها في حال ارتكبت بحقهم جرائم حرب أو جرائم إبادة جماعية أو جرائم ضد الانسانية، وبالتالي فإن موضوع المفاوضات نجح أم فشل هذا لا علاقة له بالمحكمة الجنائية باعتبارها جهازا قضائيا مستقلا لا تأخذ الأوامر من قبل الأمم المتحدة أو من قبل الولايات المتحدة ولا من أي دولة، بل تأخذ أوامرها من جمعية الدول الأطراف المكونين لها ونحن الدولة رقم 123 في النظام الأساسي للمحكمة، اضافة الى ان المحكمة الجنائية الدولية جهاز قضائي مستقل تربطها علاقة مع الامم المتحدة على صعيدين: الأول الاحالة أي من حق مجلس الامن احالة اي جرائم الى الجنائية الدولية، ثانيا من حق مجلس الامن أن يقوم بتأجيل أي قضية منظورة أمامه لمدة 12 شهرا ويقوم بالتجديد، وتخوفنا هنا كان استخدام مجلس الامن صلاحياته واستخدام حق النقض "الفيتو" تجاه أية قضية تخص الشعب الفلسطيني، لكن نرى أنها قضية لا يجمع عليها مجلس الامن، وبالتالي الرسالة الواضحة لن يفلت احد من العقاب ومن المسؤولية الجنائية الفردية، وبالتالي فإن اللجوء للمحكمة هو استحقاق قانوني لإنصاف العدالة والضحايا" .
لن يكون على من تدينهم المحكمة التنقل والسفر بأمن بسبب طلبات الملاحقة
سيكون هناك زمن طويل قبل ان نرى مذكرات جلب وتحقيق للمشتبه بقيامهم بجرائم وفق اجراءات المحكمة، هذا في حال سمحت اسرائيل للمحكمة بدخول الاراضي الفلسطينية. فما هي الخطوات المتوقعة التي يمكن القيام بها هنا؟ حول هذه التحدي يجيب الوزير شلالدة "اسرائيل ليست طرفا في المحكمة الجنائية، ولن يذعن الجانب الاسرائيلي بسهولة لمذكرات الجلب أو التقديم او التسليم او القبض على المتهمين الاسرائيليين في هذا الجانب، لكن هناك عدة طرق للتعاون القضائي بين دول العالم، ومن خلال سفر هؤلاء المتهمين الى دولة أخرى، وهناك قضية أخرى نركز عليها أن معظم الاسرائيليين يمتلكون جنسيات أخرى ومن الممكن ان يتم العمل على ازدواجية الجنسية بحكم ان معظم الدول التي يتبعون لها هي طرف في الجنائية الدولية، والمطلوب من الجانب الفلسطيني القيام بالتنسيق مع المحكمة بهدف فتح مكاتب تنسيقية لتنظيم هذه الاجراءات، وبغض النظر سمحت اسرائيل بالقيام بهذه الخطوة من عدمها، في نهاية المطاف هناك قانون دولي يلزم الجميع بالخضوع للقانون، الى جانب المعاهدات الدولية للتعاون القضائي الدولي سواء بالتسليم او المحاكمة الى جانب اتفاقيات دولية ثنائية في هذا المجال".
القوانين والتشريعات العنصرية في اسرائيل ستكون أسلحة في صالح الفلسطينيين في المحكمة
تدعي إسرائيل بأنها محصنة قانونيا ضد المحكمة، دخول نتنياهو قاعة المحكمة خلال الفترة الاخيرة رغم رفضه للنظام القضائي والتهم التي يعتقد انها تحاك ضده الا انها اقوى سلاح في وجه المحكمة الجنائية على وجود نظام قانوني في اسرائيل، اذا علمنا ان عمل المحكمة الجنائية يكون دائما في المناطق التي ليس لها نظام قضائي، فكيف ستتم مواجهة ذلك؟ هنا يشير شلالدة "الاعتقاد بأن اسرائيل دولة محصنة قانونيا ليس صحيحا، فعندما نقول إن النظام القضائي الاسرائيلي هو نظام ديمقراطي يجب ان نذكر ان الكنيست الاسرائيلي سن أكثر من 80 تشريعا عنصريا تمييزيا، الى جانب ان هناك قرارات من المحاكم وتصويت من المحاكم الاسرائيلية على قضايا تخص الفلسطينيين واذكر هنا قضية احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين صوتوا فيها القضاة الاسرائيليين على الاحتجاز بما يخالف الاتفاقيات الدولية في هذا الجانب، بما يؤكد عنصرية دولة اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، واذا ذكرنا مثالا على ذلك هل تخضع عملية محاكمة الاطفال الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال لتطبيق قانون اصول المحاكمات الجزائية كما يتم مع الطفل الاسرائيلي؟ الى جانب جريمة الاعتقال الاداري والتي يتم فيها اعتقال شخص دون لائحة اتهام؟ وهذه تعتبر جريمة حرب وفق القانون الدولي".
المعركة القانونية طويلة والنصر لا يأتي بجلسة واحدة
المعركة والمواجهة على الساحة القانونية الدولية ساحة كبيرة ومعقدة، فما هي نقاط القوة التي تحققت للجانب الفلسطيني من هذه الخطوة؟ هنا يؤكد شلالدة "الجانب الفلسطيني ممثلا بدولة فلسطين ووزارة الخارجية ومنظمات المجتمع المدني قام بتزويد المحكمة الجنائية بكافة الملفات القانونية المثبتة بالأدلة الجنائية وتقارير منظمات حقوق الانسان والتوثيق القانوني السليم، وهذا ما استندت اليه المدعية العامة والغرفة التمهيدية في المحكمة في اتخاذ قرار فرض الولاية القضائية على الاقليم الفلسطيني، كما تكون لديها فكرة وقناعة انه تم ارتكاب جرائم حرب في الاقليم الفلسطيني، وحاليا تقوم دولة فلسطين وبشكل منتظم بتزويد المحكمة الجنائية الدولية بكافة الوثائق والادلة والاثباتات والاسانيد القانونية المعززة للادعاء الفلسطيني بأن هناك انتهاكات اسرائيلية ترتكب بحق الشعب الفلسطيني في عام 2014 وفي ملف الاستيطان وملف الاسرى، اضافة الى الملفات التكميلية الاخرى التي تم رفعها للمحكمة الجنائية، وما يعزز الموقف الفلسطيني هو رفع مكانتنا القانونية في الامم المتحدة الى جانب انضمامنا الى اكثر من 100 اتفاقية دولية ومنها النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية، اضافة الى انتخابنا وللمرة الثانية في المكتب التنفيذي لجمعية الدول الاطراف في المحكمة الجنائية، الى جانب سند آخر للفلسطينيين وهو قرار الدائرة التمهيدية والذي يتمتع بقيمة قانونية".
وحول جهوزية الجانب الفلسطيني لحرب قانونية طويلة وفي نطاق يتطلب الاستعداد الحقيقي، يوضح شلالدة: "الجاهزية تبدأ مبكراً وتتطور مع تصاعد وتطور الاحداث، فكل الاحتمالات واردة في كل شيء، وفلسطين لها طاقم قانوني يدافع ويتابع بشكل منتظم سواء عن طريق الدولة أو من خلال مكتب الرئيس او وزارة الخارجية او شؤون المفاوضات او عن طريق سفرائنا في الخارج، وكرؤية أولية نرى ان المجريات حتى اللحظة هي لصالح القضية الفلسطينية وما يدعم ذلك فرض الجنائية الدولية الولاية على دولة فلسطين، وبالتالي نأمل من الجنائية الدولية القيام بتسريع الشروع الفوري مع مجرمي الحرب الاسرائيليين الذين ارتكبوا ابشع الجرائم ضد الشعب الفلسطيني".
تعاون وتحالف وطني عريض لدعم الملف الفلسطيني في المحكمة
هل لدينا خطط لأسوأ الاحتمالات سواء اذا لم تتمكن الجهات المعنية بالمحكمة من دخول الاراضي الفلسطينية او اتخذت المحكمة مسارا ليس في صالح الجانب الفلسطيني، حول هذا الجانب يوضح وزير العدل "ملف التعاون مع متطلبات المحكمة الجنائية الدولية ليس مقتصرا على دولة فلسطين بحسب ممثلة بوزارة الخارجية او دائرة شؤون المفاوضات أو مكتب سيادة الرئيس او الحكومة الفلسطينية، بل هو ملف تشترك فيه منظمات حقوق الانسان العاملة في الاراضي الفلسطينية المحتلة، اضافة الى نقابة المحامين وفقهاء القانون الدولي وكافة المنظمات، الى جانب الدول الاطراف في الجنائية الدولية التي تلعب دورا رئيسيا وفعال في قضية التسليم والمحاكمة امام الجنائية الدولية، كما نأمل من منظمة الشرطة الدولية "الانتربول" التعاون في عملية تسهيل المحاكمات، وأي طرف يساهم في الحد من الافلات من العقاب سواء من جانب أي دولة أو أي شخص أو أي منظمة او حكومة، يساهم في تعزيز وتطوير القضاء الجنائي الدولي ممثلا بالمحكمة الجنائية الدولية".
لجنة متابع ملف المحكمة الجنائية الدولية اطار وطني لتحقيق النصر القانوني
مرحلة مهمة لمسيرة إنصاف الشعب الفلسطيني ومساعدته على التحرر، فما هي الخطوات القادمة ومن هي الجهات المعنية بالمتابعة؟ وهل سيكون هناك تحالف من الوزارات المعنية والمؤسسات الحقوقية والإنسانية لمواجهة المرحلة القادمة؟ يشير وزير العدل بقوله: "منذ انضمام فلسطين للجنائية الدولية اصدر سيادة الرئيس مرسوما شاركت فيه كافة التنظيمات الفلسطينية بإجماع فلسطيني بما فيها حماس والجهاد الاسلامي، حيث تم تشكيل اللجنة الوطنية لمتابعة ملف المحكمة الجنائية الدولية بمشاركة أكثر من 40 عضوا، اضافة الى تشكيل لجان فنية في هذا الجانب، اضافة الى ذلك لا يعني أن أي مواطن فلسطيني يتعرض لانتهاك سنقوم برفع ملفه للجنائية الدولية، هنا نود ان نوضح قضية في غاية الاهمية وهي ان الجنائية الدولية تنظر في الجرائم "الاشد خطورة" وهنا لا يوجد نص يوضح ما هي تحديدا، رغم ان ابواب الجنائية مفتوحة للنظر في كافة الانتهاكات الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، لكن هناك آليات قانونية وقضائية لتحميل سلطة الاحتلال المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية من خلال القضاء الوطني الفلسطيني، ونحن كوزارة عدل وبالتعاون مع الحكومة تم تكليفنا برفع ملفات للقضاء الوطني وعليه قمنا برفع أول قضية لدى محكمة بداية نابلس ضد مستوطن في قرية بورين قام بهدم منزل هناك، اضافة الى آليات قضائية لملاحقة ومساءلة الشركات الأجنبية أمام القضاء الذي تحمل جنسيته، الى جانب ملاحقة المستوطنين مزدوجي الجنسية، وملاحقة أمام الاقتصاص القضائي العالمي بمعنى أن هناك بعض التشريعات الدولية تنص على امكانية مساءلة وملاحقة من ارتكب جرائم حرب وابادة جماعية وضد الانسانية بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة أو جنسية مرتكبها، اضافة الى ان هناك بعض الالتماسات التي تقدم للقضاء الاسرائيلي في هذا الجانب. وينبغي الاشارة الى أن هناك تخبطا وتشكيكا اسرائيليا في قرار الغرفة التمهيدية، وادعاء بأن هذا القرار "سياسي وليس قانونيا"، لكن رُدت عليهم هذه الادعاءات بقرار الغرفة التمهيدية بفرض الولاية القضائية على الاقليم الفلسطيني. ويضيف شلالدة: "بالرغم من ان المحكمة تستقبل بشكل عام أي قضية توضع أمامها، الا أن من الضرورة رفع القضايا الاشد خطورة".
ويختتم وزير العدل محمد الشلالده حديثه مع "الحياة الجديدة" بقوله: "رسالتنا للشعب الفلسطيني الذي تعرض لأبشع الانتهاكات الاسرائيلية أن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم وبالتالي من حقه ملاحقة ومساءلة من انتهك حقوقه في هذا الجانب، المسألة الثانية ان هذا الشعب بغض النظر عما يُمارس بحقه من انتهاكات جسيمة سنقوم بمساءلة وملاحقة جنود وضباط الاحتلال الاسرائيلي وكل من أعطى اوامر بارتكاب هذه الجرائم وسيتم تقديمهم للمحاكمة مهما طال الزمن" .
مواضيع ذات صلة
آلاف المستعمرين يشاركون في "مسيرة الأعلام" العنصرية في منطقة باب العامود بالقدس المحتلة
المؤتمر العام الثامن لحركة فتح ينتخب الرئيس محمود عباس رئيسًا للحركة بالإجماع
مستعمرون يهاجمون بيت إكسا ويعتدون على المواطنين
الأردن يدين اقتحام "بن غفير" للمسجد الأقصى المبارك
دائرة شؤون القدس: دعوات إزالة الأقصى ومسيرات المستعمرين تصعيد خطير يستهدف هوية القدس ومقدساتها
الاحتلال ينفذ أعمال بناء فوق سطح مبنى بلدية الخليل القديم المغلق منذ سنوات
المتطرف بن غفير يقتحم الأقصى ويرفع علم الاحتلال