عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 14 تشرين الثاني 2015

نتنياهو يعيش في واقع وهمي

معاريف – بن كسبيت

 حقائق نتنياهو 

إن قول "العرب الذين يتدفقون الى صناديق الاقتراع" يستمر بملاحقة نتنياهو في العالم. وقد أبدى هذا الأسبوع أسفه مرة اخرى على هذا القول اثناء ظهوره أمام معهد للابحاث في واشنطن. لكن كانت له اضافة حيث أشار الى أنه قد أوضح للجمهور العربي بأنه رئيس حكومة الجميع. وأضاف أن "المزيد من العرب صوتوا لي أكثر مما صوتوا للمعسكر الصهيوني". بكلمات اخرى وبلغة بيبي: دعكم من الكلام الفارغ. ففي نهاية المطاف عرب اسرائيل يفضلونني على هرتسوغ.

من أين جاء بهذا؟ يبدو من نفس الجارور الذي وجد فيه المفتي الذي أقنع هتلر بقتل اليهود، الى جانب الجنود البريطانيين الذين شاهدهم في القدس، اللقاء في المدرعة مع اريك، الاقتراح بأن يكون وزير المالية الايطالي وحقيقة أنه صوت ضد الانفصال. اليكم المعطيات والحقائق الصحيحة:

عند فرز 70 بالمئة من اصوات العرب الاسرائيليين في الانتخابات الأخيرة تبين أنه صوت للمعسكر الصهيوني 11.148 عربيا، ولليكود 3.098. تقريبا اربعة اضعاف صوتوا لهرتسوغ. لماذا تحدثت عن 70 بالمئة من الأصوات؟ لأن هذا يشمل صناديق جميع القرى العربية في اسرائيل باستثناء المدن المختلطة. فهناك يصعب تمييز اصوات العرب عن اليهود.

اليكم عدد من الأمثلة: في أم الفحم صوت 69 عربيا لهرتسوغ و21 لنتنياهو، في باقة الغربية 259 لهرتسوغ وفقط 10 لنتنياهو، في جلجولية 239 لهرتسوغ و6 لنتنياهو، في سخنين 231 لهرتسوغ وفقط 27 لنتنياهو، في شفا عمر 224 لهرتسوغ و128 لنتنياهو، في الناصرة 869 لهرتسوغ و343 لنتنياهو، في رهط 311 لهرتسوغ و89 لنتنياهو. يصعب ايجاد قرية عربية من بين عشرات القرى تغلب فيها نتنياهو على هرتسوغ. والمثال الوحيد الاستثنائي هو الفريديس. السطر الأخير واضح. يتفوق هرتسوغ على بيبي بأربعة اضعاف.

هل يمكن أن يكون التصويت في المدن المختلطة مناقضا لهذه المعطيات؟ الجواب لا. 70 بالمئة ليست عينة بل هي معطيات حاسمة. تأييد نتنياهو في اوساط عرب حيفا، يافا أو اللد ليس أكثر من التأييد له في القرى العربية، وحتى لو كان تأييدا فان تأثير ذلك هامشيا. بعض اعضاء الكنيست العرب الذين تحدثت معهم هذا الأسبوع يقولون إن بيبي يحصل في هذه المناطق على اصوات قليلة من العرب.

ماذا حدث اذا؟ زلة لسان اخرى؟ واقع افتراضي آخر من مخيلة نتنياهو يؤثر على تفكيره وقناعته واقواله الى أن خرج التصريح العلني من فم رئيس حكومة في حدث رسمي أمام الكاميرات والميكروفونات؟ يبدو أنه نعم. أم أن نتنياهو قصد الدروز. ففي دالية الكرمل انتصر شخص يدعى موشيه كحلون حيث حصل على 38 بالمئة من الأصوات وبعده هرتسوغ، 33 بالمئة. أما نتنياهو فحصل على 8 بالمئة. ما زال التفوق بأربعة اضعاف. ونفس الشيء في حورفيش، ومعطيات مركز الاستطلاعات "ستاتنت" تبين أن المعسكر الصهيوني انتصر في اوساط الدروز وبعده ليبرمان ومن ثم كحلون، وبعد ذلك القائمة المشتركة. أما الليكود فهو في المكان الخامس. اضافة الى ذلك اذا قصد بيبي الدروز، كان يفترض أن يقول في يوم الانتخابات إن "الدروز يتدفقون الى الصناديق".

لا. فقد تحدث عن العرب. وهم لم يصوتوا له أكثر من هرتسوغ، قال عندما ظهر بشكل علني في مركز الأبحاث. نعم يجب أن يقوم أحد بفحص الأمر. هناك من يعتقد أن هذه الثغرات في النظر الى الواقع من قبل رئيس الحكومة غير مهمة. ماذا كان سيحدث لو تحدث بشكل فارغ بين فينة واخرى. أنا أعتقد عكس ذلك. فالأمر ليس زلة هنا وهناك. نتنياهو يعيش في واقع وهمي ويقنع نفسه بأمور وهذا قد يؤثر علينا جميعا.

لقد اعتبر لقاءه الأخير مع الرئيس اوباما "رائع"، وقد يكون أفضل اللقاءات على الاطلاق. أولا، هذا ليس فذلكة. أعتقد أن القليل من الأحاديث الجيدة كانت هناك. ثانيا، هذا التعريف مأخوذ من تصريح نتنياهو أنه انتصر على هرتسوغ في الوسط العربي. ألا يفهم أنه حصل طلاق بينه وبين اوباما وأن رئيس الولايات المتحدة طلقه من غير رجعة وأن "رزمة التعويضات" التي حصل عليها كان يمكن أن تكون أكبر بكثير لو لم يوجه الاهانة للبيت الأبيض والحرب العالمية في الكونغرس؟.

جميع رؤساء الأجهزة الأمنية توسلوا لنتنياهو بعد توقيع الاتفاق النووي بين ايران والقوى العظمى ليغير الصفحة بسرعة ويدخل فورا في مفاوضات مع الأميركيين والحصول على الحد الأقصى منهم. في ذلك الوقت كان لنتنياهو ما يعطيه لهم في المقابل: توفير الصراع على اوباما في الكونغرس، وبقي نتنياهو مصمما حتى الثانية الأخيرة رغم أنه كان واضحا أن فرصة نجاحه معدومة.

نعم كان العنوان على الحائط والجميع قرأه باستثناء كابتن اميركا نتنياهو الذي آمن أنه يمكن الانتصار في الكونغرس كما آمن أن اوباما سيخسر أمام ميت رومني وكما آمن أنه سيفشل الاتفاق النووي الايراني كما وعد. الآن ندفع جميعا ثمن تلك المراهنة وسندفع المزيد. كان يجب الاستماع الى متحدث البيت الأبيض هذا الأسبوع وهو يفسر لماذا لا يجب على اسرائيل أن تتفاجأ من وسم المنتجات في اوروبا لفهم أن هذه الخطوة منسقة بين الاتحاد الاوروبي والادارة الأميركية، برعاية الواقع الوهمي لنتنياهو.

من الأفضل أن نتعود

صرخة الانكسار التي وحدت هذا الأسبوع الخارطة السياسية لدينا حول الخطوة الاوروبية، وسم المنتجات، هي نوع من الواقع الافتراضي. أنا أعارض المقاطعات خصوصا لتلك المنتجات التي تنتج في بلادي وعند اصدقائي. لكن الاوروبيين لسوء الحظ لا يفترض أن يطبقوا سياستنا بل سياستهم. إن قرارهم شرعي تماما من وجهة نظرهم والأمر الوحيد المفاجئ هو أن الأمر تطلب الكثير من الوقت.

لا أعرف على أي أساس نحن نستوطن ونصادر الأراضي ونبني ونفتح الشوارع ونقوم باعمار منطقة يعتبرها العالم كله منطقة محتلة، وبعد ذلك نقول إن العالم يحاول فصل هذه المنطقة عن اسرائيل السيادية. هذه سياسة كل رؤساء الولايات المتحدة الذين هم اصدقاء واضحون لاسرائيل. السفير الأميركي دان شبيرو لا تطأ قدماه وراء الخط الأخضر إلا في حالات استثنائية وبإذن خاص. لا توجد هنا لاسامية (هذا لا يعني أنه لا توجد لاسامية في اوروبا. بالتأكيد توجد وبالتحديد اسلامية لكنها لا تتعلق بهذا الأمر). توجد هنا خطوة سياسية دولية وهي شرعية. العالم عاقب صربيا وقاطع جنوب افريقيا وفرض عقوبات على ايران والآن فرضوا عقوبات على روسيا بسبب ما فعلته في جزيرة القرم، ونحن فقط نريد الخروج بسلام من عشرات السنين التي تجاهلنا فيها القانون الدولي والقرارات الدولية والخطوط الحمراء الدولية.

يجب علينا أن نقول لأنفسنا الحقيقة: لقد عشنا حتى الآن في فيلم، وآمنا أنه ليس مهما ما يقوله الأغيار، والأمر المهم هو ما يفعله اليهود. وها هم الأغيار ايضا يعرفون كيف يفعلون، وهم سيفعلون المزيد في السياق. يجب أن نبدأ بالتعود. لا توجد وجبات مجانية. نحن نريد الاستمرار في فعل ما نشاء في المناطق خلافا لما يريده العالم. ولهذا يوجد ثمن، وفي النهاية ستقدم الفاتورة. خطابات تسيبي حوطوبلي حول أنه لا يوجد شعب فلسطيني وأن لدينا كوشانا إلهيا على ارض اسرائيل، تثير الكثير من الانطباع هنا، لكنها تعتبر مانبو جامبو في العالم. هذا هو الوضع ولا حاجة لانكاره.

لا اعتقد أنه يمكن اخلاء المناطق واقامة دولة فلسطينية غدا صباحا. الآن لا يوجد لنا شريك في الطرف الثاني. ولا يوجد لهم شريك في طرفنا. لا يوجد من يمكن اعطاءه الأرض. وكل اتفاق مستقبلي بيننا وبين الفلسطينيين يترك في اسرائيل (كما آمل) 70 – 80 بالمئة من المستوطنين المتركزين في الكتل الاستيطانية. أي رئيس حكومة عقلاني ومسؤول يجب أن يجمد البناء وراء جدار الفصل ويبرهن على حسن النوايا السياسية، وتقديم اقتراح سلام شجاع للطرف الثاني بشكل علني ورفع عبء البرهنة عن اسرائيل.

كل ذلك لا يحدث بالطبع. فنتنياهو يسير حسب اليمين المتطرف، وهو مقيد من المستوطنين، ووعد باقامة حكومة يمينية ايديولوجية، وأقامها. يبدو أن مكانته الشخصية أهم من المكانة الدولية لدولته. ايضا الكلام الفارغ أنه لا تتم مقاطعة الصين بسبب ضم التبت ليس ذا صلة. عندما نكون مثل الصين يمكننا التحدث في ذلك. اوروبا تعتبر التبت جزءا من الصين، وهي تعتبر "يهودا والسامرة" منطقة محتلة، وكذلك الولايات المتحدة. اضافة الى ذلك نحن لسنا الصين، ولا يوجد هنا مليار وربع مليار يهودي وليس لدينا الاقتصاد القوي في العالم والجيش الأكبر في البسيطة. نحن نقطة صغيرة في بحر هائج. نقطة تسأل نفسها: لماذا لا تؤثر في درجة حرارة المياه؟

إن وسم المنتجات هو مشكلتنا الأخيرة. المحاولات الاوروبية لتصوير الوضع على أنه فني، غير مجدية. هذه خطوة سياسية واضحة، لكن هناك خطوات أصعب. بنك "ديكسيا" مثلا الذي هو بملكية اوروبية ويهتم بتمويل السلطات المحلية في اسرائيل واعطاء الاعتماد للبلديات. عضو الكنيست ايلي كوهين من حزب "كلنا" أرسل هذا الأسبوع رسالة لمحافظة بنك اسرائيل كرنيت فلوغ وفيها معطيات تقول إن هذا البنك لا يعطي اعتمادا للسلطات وراء الخط الأخضر، واحيانا يتملصون من خلال الرفع غير المعقول للفوائد واحيانا يقولون الحقيقة، كما حدث في حالة بلدية معاليه ادوميم. ويقول كوهين لفلوغ إنه "اذا كان هذا الأمر صحيحا فهذا تجاوز خطير للقانون الاسرائيلي وتطبيق لسياسة المقاطعة الاوروبية". كوهين على حق. فماذا سنفعل اذا؟ في الحد الأقصى يقوم "ديكسيا" باعطاء الاعتماد لدول اخرى، ونبقى نحن هنا مع المشكلات.

من خلفه

رئيس هيئة الأركان غادي آيزنكوت قدم هذا الأسبوع خطته لتغيير وجه الجيش الاسرائيلي. وقد مر الأمر بهدوء نسبي وهو يستحق التعمق فيه. يظهر آيزنكوت كرئيس أركان من نوع آخر. ليست عنده مشكلة في أن يذبح البقرات المقدسة ولا تهمه الصرخات. إنه جدي، متعمق وجاهز. وهو لا يحاول الحصول على اعجاب أحد. واذا نفذت خطته فستكون الثورة الأكبر التي سيمر بها الجيش الاسرائيلي منذ الجدل بين دافيد بن غوريون ويغئال يادين حول التقليصات في الجيش بعد "حرب الاستقلال". حيث انتصر بن غوريون في حينه واستقال يادين. الآن من يقود خطة التقليص هو رئيس الأركان، حيث يثبت آيزنكوت أن رئيس الأركان قصير القامة لا يكون بالضرورة شخصا مطيعا.

يقوم آيزنكوت بتقسيم هيئة اركان الجيش الى اجزاء لمصلحة القوة المقاتلة. ليس بالأقوال بل بالأفعال. المزيد من المقاتلين، المزيد من التدريب والاستعداد وأقل قدر ممكن من الهيئات والقيادات. فهو يلغي ربع هيئات الحاخامية الرئيسة ويقوم بتقليص كبير في جميع قيادات الجيش ويقلص جهاز قصاصي الأثر حيث توجد الآن تكنولوجيا بديلة ويقلص 9 بالمئة من هيئة الأركان.

خطوة هرتسوغ

نشر الأسبوع الماضي فصل آخر في قصة تشكيل حكومة جديدة، أو بكلمات اخرى الاتصالات المستمرة طول الوقت لضم المعسكر الصهيوني الى حكومة نتنياهو. هرتسوغ نفى بشدة، وقد يكون الأمر مبررا من ناحيته. حيث يمكن اجراء مشاورات كهذه عن طريق طرف ثالث بحيث يكون صاحب الصلاحية بعيدا عن الصورة حتى اللحظة الحاسمة. في جميع الأحوال، نظرية المؤامرة هذه تستمر بالسير حسب الخطة. وكما نشر هنا قبل اسابيع فان هرتسوغ أنجز الخطوة الأولى وهي تضم 450 شخصا لمؤتمر حزب العمل. الآن يجب أن يُنجز الخطوة الثانية: تأجيل الانتخابات التمهيدية لرئاسة الحزب. فهو يريد انتخابات تمهيدية في نهاية 2017، ويحيموفيتش توافق على تأجيل الانتخابات التمهيدية من منتصف 2016 حتى نهاية 2016. وهما سيلتقيان على ما يبدو في الوسط (منتصف 2017). هل هذا يكفي بالنسبة لبيبي الذي يطلب من هرتسوغ اطالة بقائه من اجل اطالة بقاء الحكومة الموسعة؟.

يضاف الى ذلك: بيبي تقمص هرتسوغ هذا الأسبوع في الولايات المتحدة. فقد كانت تصريحاته معتدلة. العودة الى الاعتراف بحل الدولتين وخطاب بار ايلان وحديث حول خيار خطوات أحادية الجانب في "يهودا والسامرة" وما أشبه. كل هذه سلم يفترض أن يساعد هرتسوغ على الدخول الى الحكومة اذا استوفت الشروط. في هذا الأسبوع اثناء نقاش في المالية سُمع عضو الكنيست تساحي هنغبي، رئيس الائتلاف، وهو يقول إننا سنستكمل في الشهر المقبل توسيع الحكومة. فهل هذا تهديد أم أمنية أم واقع مستقبلي أم كلها معا؟

في الأسابيع الأخيرة كان هناك من سأل عضو الكنيست عمير بيرتس، الذي يهتم حاليا بعودته الى حزب العمل، حول موقفه اذا حاول هرتسوغ الحصول على مصادقة لانضمام الحزب الى الحكومة. وأجاب بيرتس إنه شخصيا لا يريد الجلوس في حكومة نتنياهو، لكنه لن يزعج لأنه يهتم بالعودة الى الحزب. باختصار، المسألة آخذة في السخونة. وهذا لا يعني أنه سيحدث في النهاية. ويمكن أن تكون العملية هي خدعة من نتنياهو (الذي تعلم السياسة في العقد الأخير) من اجل الضغط على شركائه في الائتلاف والمصادقة على الميزانية.

في المقابل، الشركاء في الائتلاف هم الذين يضغطون بيبي. حيث فشلوا هذا الأسبوع في عدة تصويتات في الكنيست، وزلة لسان نتنياهو حول الخطوات أحادية الجانب حظيت باجابة ايديولوجية فورية من نفتالي بينيت، لدرجة اضطرت نتنياهو الى نشر توشيح في تويتر ("لا أنوي اخلاء أو اقتلاع مستوطنات"). بعد هذا الحديث سارع بينيت الى كتابة تعليق خاص به: "هذا توضيح جدير". والى جانب تعليقه وضع أقوال نتنياهو. بينيت هو طالب يشكر سيده، لكن بمفاهيم كثيرة هو الذي يحدد الطريق لنتنياهو الذي يخاف ويسرع وراءه.

يجب تعقب مصير بينيت اذا قرر بيبي في نهاية المطاف ضم المعسكر الصهيوني. وسيمر بينيت في مفارقة غير بسيطة. فمن جهة سيلقى خارجا ويسمح لنتنياهو بالتوجه يسارا، وهذا سيكون جيدا بالنسبة له من ناحية صناديق الاقتراع. من الصعب على بيبي أن يكون مقنعا في المرة القادمة لمصوتي بينيت أنه هو فقط من سينقذهم. من جهة اخرى بينيت يحب وزارة التعليم ونفس الشيء بالنسبة لاييلت شكيد بخصوص وزارة العدل. فهما يريدان التأثير وترك بصماتهما. وهما بحاجة الى الوقت لأن الأمر ليس سهلا.