عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 14 شباط 2021

محمد.. فقد البصر رضيعًا فقادته بصيرته شابًّا

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- في كثير من الأحيان تأخذنا بصيرة واجهت التحديات لنكشف ظلمات دروب الحياة، بصيرة تكشف لنا كم يكون العالم ضريراً حينما يصغر أمام ارادة الحياة، نكتب من جديد لنفتح صفحة عنوانها ان الانسان في هذه الارض لا يعرف الاستسلام، معاقاً كان بلا حركة، او فقد حاسة النظر لتنطلق بصيرته نوراً تبدد كل الظلمات، في كل يوم نكتشف أن بيننا أناسا يصمدون بصمت، وينتصرون بحق، ويواصلون بأمل، ويرشدونا الى حكايات تلهمنا لنستمر بتقديم الافضل، ونقترب أكثر من حياة الانسان الفلسطيني في كل مكان، زيارة الى تحديات فصل من فصول الحياة ومرشدنا على هذه الطريق الوعرة "محمد رياض محمد أبو خليل" الذي فقد البصر حينما كان رضيعا بعمر سبعة اشهر، لتولد معه بصيرة قلما يصلها الا من كان لهم بصمة وعلامة كمن يسيرون على رمال الدنيا، يصنعون أثراً ليبقى علامة على ان هناك من لا يزال على خط الحياة.
قد تكون قصة صمود ونجاح محمد لآلاف من ابنائنا الذين حرمتهم الظروف، او أخطاء الولادة، او عوامل الوراثة إحدى حواسهم او قدرتهم على الحركة كباقي أقرانهم، لكن في كل حكاية وفي صفحات كل قصة لهؤلاء الابطال أصحاب الهمم والعطاء، دروس لغيرهم، ومساحة كبيرة لكافة مؤسساتنا للاطلاع والتدخل بحكم الاختصاص والمسؤولية.
كلمات تلخص بداية الحكاية
"لا أذكر سبب فقداني لحاسة البصر، هكذا علمت بأنها لسبب غير معلوم ضاعت منذ أكثر من 28 عاماً حينما كان عمري سبعة أشهر، فقدتها مبكراً لتنمو لدي بصيرة أحمد الله عليها، فيها التعويض وفيها الامل، وبها مضيت في مواجهة يوميات طويلة من الدراسة والجهد والتمسك بتحقيق هدفي بالدراسة الجامعية، كل يوم كانت يزداد عمر اعاقتي البصرية، وكل يوم كنت اعرف كيف أعتمد على نفسي دونها، ويومًاً بعد يوم اصبحنا أكثر من أصدقاء، انا افتقد النظر وبصيرتي تأخذني للحياة من جديد".


الأسرة عيوننا وسط ضباب الايام
يقول محمد: "الام والاب والاسرة عيون من يفقد نظره بين أهله، هم كل شيء، هم من يصفون الالوان وشكل الاشياء، هم من يساندون بحبهم قبل خوفهم حينما تكاد تتعثر الخطوات او تتشابه الطرقات وتتعقد الخيارات وسط ضباب الايام، كم انا مدين لأسرتي على مسار رحلتي  من البيت للمدرسة حتى تخرجت من جامعة القدس المفتوحة بشهادة الخدمة الاجتماعية، رحلة كانت تتغذى على حلم كبير كان نجاحي سيفتح طرقاً أفضل للقادم من الحياة، لان النجاح عتبة لنجاح وخطوة جديدة، هكذا مضت الايام، ولم تحرمني اعاقتي من ان اكون أسرتي بعد زواجي منذ نحو عام، لا يأس مع الاعاقة، لأن الروح الايجابية أقوى من كل اعاقة".
المعاقون أول من دفع ثمن جائحة كورونا
بهذه الروح  نواصل تصفح حكاية محمد، في صفحة من تحديات سوق العمل، ومعاناة الجميع بسبب ضيق الفرص المتاحة وارتفاع معدلات البطالة، والثمن دومًاً يدفعه الطرف الأضعف في كل المعادلات، فالاولوية ما زالت لغير المعاقين للأسف حتى في أبسط الامور، يقول محمد: "تنقلت في اعمال كثيرة مثل المجلس الاعلى للشباب والرياضة على عقد خاص، وفي الاتحاد العام للأشخاص ذوي الاعاقة كمدرب، ومع لجنة الانتخابات المركزية وغيرها، لكنها وظائف مؤقتة، ومع تفشي جائحة كورونا ازدادت الاوضاع صعوبة، لم تعد هناك فرص للعمل حتى المؤقت منها، توقف كل شيء وازدادت التحديات مع الشلل العام".
نحتاج تطبيق القانون
"هناك دور مهم للمؤسسات الرسمية والاهلية والقطاع الخاص لتبني موضوع تشغيل المعاقين  حسب القانون، فللأسف في أكثر من تجربة لاحدى المؤسسات تم تصنيفي كغير لائق للعمل رغم انني لم اتقدم لوظيفة لا يمكن القيام بها، دون مراعاة للمعايير المهنية، وتجاوز للقانون الذي ينص على تشغيل ما نسبته 5% من ذوي الإعاقة في المؤسسات الحكومية، الا أن المؤسسات تعمل على تنفيذ هذا النص من خلال تشغيل الإعاقات البسيطة، وتجنب الإعاقات الشديدة أو تشغيل نسبة قليلة منها،  أو الإعاقات الحركية ولا يتم تطبيقه بالحد المطلوب"، يقول محمد. 


الاعاقة دافع للتحدي وليست للشفقة
يتابع محمد قائلا: "المعاق قبل كل شيء انسان وقبل اي نظرة هو مواطن كامل الحقوق وكامل الواجبات، الإعاقة بالنسبة لي ليست عائقًا على الإطلاق، وأحيانا أشعر وأنني راض بإعاقتي لإيمان بداخلي أن هذا الامر من رب العالمين،  وربما تكون هذه الاعاقة فيها خير لي، وعندما اقارن نفسي بأصحاء فإنني أجد أنني افضل بكثير منهم،  الإعاقة فتحت لي أبوابا كثيرة من التعليم واكتساب الخبرة العلمية والعملية والمعرفية، الإعاقة كانت سبب نجاحي وساعدتني على اكتشاف قدرات جديدة لدي، والانتصار على صعوبات الاعاقة هو التميز والانجاز، لكن أحياناً نظرة المجتمع للشخص من ذوي الاعاقة، نظرة سلبية ومتسرعة او سطحية، ونجاح المعاقين في مجالات عدة ساهم في تحسن الصورة والنظرة العامة لكنها ما زالت بطيئة ودون المستوى حتى اليوم، وهذا يتطلب جهداً متواصلاً حتى يتحقق المطلوب".
ويضيف: "الإعاقة واليأس اذا اجتمعا معاً تكون نهاية الحياة، لذلك احارب اليأس بكل تفاصيل حياتي اليومية، من واقع وتفاصيل احتياجاتي داخل المنزل وتعويد نفسي للاعتماد على طريقتي في تنظيم كل شيء، لانها الوسيلة الاقوى للتكيف والتأقلم مع الحياة، ومواصلة القراءة من خلال تطبيقات الكتب الصوتية الخاصة بالكفيفين ومن خلال البرامج الناطقة، والتفاعل من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا وخاصة الفيس بوك لأنه الاكثر انتشارا داخل المجتمع الفلسطيني، ربما في ذلك تعويض عن حلمي في السابق أن أكون صحفيا،  وأن اصبح مشهورا على هذا المستوى، لكن لم أحظ بالقبول في الجامعة لاسباب لم افهمها حتى الآن، ومع الايام أصبحت أكثر تعلقاً بممارسة مهنة الخدمة الاجتماعية، لأنها تجعلني قريبا من الناس أكثر وقريب من المجتمع من حولي، وخاصة البيئة المجتمعية الخاصة بذوي الاعاقة، الذين أحب مساعدتهم خاصة ممن يعانون من مشاكل نفسية واجتماعية بسبب الإعاقة".


لا نرى القوانين ولكن عليها ان ترانا
على أبواب الانتخابات الفلسطينية المقبلة ستتحرك كل الامور، وهنا يقول محمد: "نتمنى أن تتضمن البرامج االانتخابية لوائح تحفظ حقوق ذوي الاعاقة وأن تتضمن القوائم أشخاصا من ذوي الاعاقة، لان ذلك سيكون نموذجاً مهماً وتميزاً فلسطينياً بالقول والفعل، وسيكون له تعزيز لقضية مجتمعية مهمة، سواء قبل الانتخابات او بعد نتائجها".

وفي آخر صفحات هذه الحكاية يقول محمد وحاله كحال جميع المعاقين في المجتمع الفلسطيني: "نناشد مؤسسات المجتمع المحلي وصناع القرار مساندة المعاقين من خلال تبني موضوع الموائمة ، باعتبارها نموذجًا للأخذ بعين الاعتبار احتياجات المعاقين، فتركيب جهاز صوتي في المصعد ليس مكلفا، ومراعاة طريقة بريل ليست مكلفة، وضع خارطة بريل في الشارع ليست مكلفة، بل هي شهادات على رقي المؤسسات وحرصها على كافة أبنائها، وفق ما نص عليه القانون الفلسطيني رقم 4 لعام 1999 والخاص بذوي الاحتياجات الخاصة في فلسطين،  والاستفادة من تجارب الدول الناجحة لاننا جميعاً سنكون مستفيدين معاقين وغير معاقين، فالمعاق قبل كل شيء مواطن". 
تمكين المعاقين مهمة وطنية واصلاح للمؤسسات المعنية
تجربة محمد تكشف جوانب مهمة لموضوع الدعم والمساندة المؤسسية، فالاحتياجات كثيرة وقدرات المؤسسات محدودة والتغطية غير كافية، والمعاقون لا يجدون سوى الاسر والاهل والاصدقاء في أغلب الاحيان، او الاعتماد على النفس في كل شيء، لكن بعض المؤسسات ساهمت في مساندة أفكار وفرص التشغيل الذاتي للمعاقين، وقد يكون شعار تمكين المعاقين بوابة لتغيير اجتماعي واقتصادي وانتاجي كبير لهذه الفئة من ابناء شعبنا في كل مكان، وبوابة مهمة للإصلاح الاداري والتشغيلي للمؤسسات المعنية بتطوير برامجها  بما يحول المعاقين من متلقي للإعانات المالية الى قوى انتاج فاعلة في مجتمعاتها، من خلال تطوير فرص عمل تراعي طبيعة وخصوصية هذه الاعاقات، لأن المطلوب ليس مغلف بمساعدة مالية مهما كانت، ولكن مساعدة تخلق فرصة عمل يحيا بها انسان وتولد أسرة من جديد.