القيود المصرفية تفاقم أزمة الفلسطينيين في لبنان
عبد الوهاب منصورة: على الدولة اللبنانية التي لم تدرك كيفية الاستثمار في قدرات الفلسطينيين أن تمنحهم شروط الحياة الإنسانية

بيروت- الحياة الجديدة- هلا سلامة- منذ 72 عاما، تاريخ نكبة فلسطين وتشريد أهلها، يعيش الفلسطينيون في لبنان ظروفا قاسية لم يشهدها لاجئ آخر إليه، بفعل القرار السياسي الذي ما زال يفرض التجاهل العمدي لتطبيق مواد الدستور والقوانين اللبنانية التي من شأنها حفظ حقوق هذا الشعب في جوانب عديدة.
اتخذ الفلسطينيون قرار مواجهة الحياة التي فرضت عليهم وصنعوا من خسارة وطنهم نجاحات سجلوها في مجالات عديدة، قسم كبير منهم في لبنان اتجه للعمل في مجال البناء والزراعة، فيما استثمر الميسورون منهم أموالهم في مشاريع ما زالت فاعلة حتى اليوم.
تفوق الفلسطينيون في اختصاصاتهم العلمية فكانت الجامعة الأمريكية، أقدم جامعة في لبنان ، معظم أساتذتها فلسطينيون، تحمل قاعاتها أسماءهم حتى اليوم، كذلك الأمر بالنسبة للمدارس اللبنانية المتقدمة.
عبد الوهاب منصورة أحد الفاعلين والناشطين في دعم الوسط الفلسطيني في لبنان وفي حديث لـ "الحياة الجديدة" يقول: الفلسطينيون خرجوا من مجتمع متكامل ولم يأتوا من فراغ، في فلسطين كانت المطارات والموانئ والتجارة وشركات الاستيراد والتصدير.. وكان الشعب الفلسطيني يعمل في كل القطاعات، لم يكن فاشلا في بلاده وحقق النجاح هنا في لبنان.
كان لا بد لنا كفلسطينيين من الانصهار في الحياة اللبنانية وتوسيع باب التعاون مع اللبنانيين على كل المستويات بغض النظر عن غياب الدور المؤسساتي للدولة الذي يسعى الفلسطينيون للتعويض عنه بكل أنواع التكافل لسد الثغرات المعيشية بما أمكن.
يتحدث منصورة عن ثلاث فئات فلسطينية في لبنان، الفئة الأولى هي التي تملك رؤوس أموال استثمرتها في البلد، البعض منها تملك بموجب الجنسية التي حصل عليها أو حيازته لجنسية أجنبية أخرى، أما الفئة الثانية المتوسطة فتشمل من سافروا إلى دول الخليج العربي وعملوا في التجارة والتعليم والصحة، هؤلاء يحولون أموالهم لعائلاتهم في لبنان.
هاتان الفئتان لهما الدور الأبرز في إنعاش الوضع الاجتماعي والاقتصادي لأبنائنا في المخيمات الذي يشكلون الفئة الثالثة ويتراوح وضعهم ما بين الفقير جدا، وما بين الذي يعتمد على إيرادات تأتيه من أقاربه في الخارج، بالإضافة إلى أن هناك عدداً لا بأس به من موظفي منظمة التحرير الفلسطينية يعتمدون على رواتبهم الشهرية، وهناك شريحة لا يستهان بها ليس لها أي مورد.
ويصف منصورة الاستثمار الاقتصادي الذي حققه الفلسطينيون في لبنان بالناجح بدليل أن بعض الشركات التي تم الاستثمار بها تم إنشاء فروع لها في دول أخرى وهذا دليل على أن الشعب الفلسطيني هو شعب خلاق وطموح ولا تمنعه الأزمات من تطوير وتوسيع دائرة نجاحاته.
أما عن الأزمة الحالية في لبنان فيعتبر منصورة أن تأثيرها على الفلسطينيين كان أمرا طبيعيا، لا بل إنهم أكثر المتضررين بفعل القيود المصرفية التي انعكست على ضخ المال المنتظم وبالتالي على المصروف المعيشي والصحة والتعليم.
فمن كان أولاده مثلا يتعلمون في الجامعة الأمريكية اضطر للجوء إلى جامعات أقل تكلفة عليه، فيما اتجه جزء من الطلاب إلى العمل غير المقيد لتسديد أقساطه علما أن عدداً كبيراً من الخريجين الفلسطينيين لا يعملون بسبب القوانين المجحفة المفروضة عليهم.
ويضيف منصورة: من المؤسف أن نقول إن شريحة كبيرة من شعبنا في لبنان تعتمد على المساعدات خصوصا بعد أزماته الأخيرة، بعضها يأتي من جهات رسمية كمنظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسات وجمعيات أخرى وبعضها من الأفراد.
وأن ما يقدمه الأفراد الميسورون يتقدم كل المعونات ولكن دون دعاية وإعلان، ولنكن واضحين أن الفلسطيني لا يمكنه من دون ذلك أن يستمر في عيشه، فإذا كانت الدولة اللبنانية مطالبة بتأمين حياة اللبنانيين فإن الأمر لا ينطبق على الفلسطيني بأي شكل من الأشكال.
فإذا مرض الفلسطيني اليوم بـ "الكورونا" من الصعب استقباله في المشفى الحكومي وحصوله على سرير في العناية الفائقة أو الطوارئ، كذلك الأمر على الصعيد التعليمي، يتجه طلابنا إلى الجامعات الخاصة لأن الجامعة اللبنانية الرسمية تنتقي فئات جدا قليلة منهم وفي اختصاصات معينة في وقت تقدم بعض الجامعات الخاصة حسومات معينة نتيجة مساعي منظمة التحرير الفلسطينية وسفارة دولة فلسطين في بيروت، وقد عمل في السنوات العشر الأخيرة صندوق الرئيس محمود عباس على مساعدة عدد كبير من الطلاب ويسعى إلى تطوير تقديماته أولا بأول ضمن شروط وإجراءات معينة تضعها المؤسسة، الأمر الذي أتاح للآلاف من الطلاب تحصيل علومهم الجامعية.
ويتابع : إن الطلاب الفلسطينيين المقيمين في لبنان والذين سافروا من أجل تحصيل علومهم في الخارج يعانون اليوم ذات معاناة الطلاب اللبنانيين بسبب القيود التي فرضتها المصارف اللبنانية على التحويلات لهم. ويلفت إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية تعمل على تأمين منح للطلاب الفلسطينيين في الخارج وأن ما بين 2500 إلى 3000 طالب فلسطيني ينتهون سنويا من تعليمهم الثانوي في لبنان، يتجه ما لا يقل عن 2000 منهم إلى الجامعات، ما يعني أن لدينا 2000 خريج سنويا لا يتوفر لهم العمل وليس هناك من مؤسسات ترعاهم فيكون الأمل الوحيد بمغادرة لبنان.
الإجراءات المصرفية أثرت بدرجة كبيرة بحيث إن الميسورين الفلسطينيين في لبنان لم يعد بإمكانهم مد يد العون إلى أهلهم وأقاربهم في المخيمات وبعض من في الخارج أيضا دفعوا "ثمنا باهظا" أيضا بفعل ادخار الأموال في البنوك اللبنانية التي لا يمكنهم الحصول عليها.
تتراوح المساعدات التي يقدمها الميسورون في الخارج ما بين المعونة النقدية الشهرية، والمعونة الغذائية، والمعونة الطبية، والمعونة التعليمية، ورعاية المسنين وذوي الاحتياجات الخاصة.
صحيح أن الأونروا تغطي جزءا من علاج الفلسطينيين كما منظمة التحرير الفلسطينية ولكن نسبة كبيرة منه يعتمد على مساعدات أبنائنا في بلاد الاغتراب.
يفند منصورة خسارة لبنان للاستثمارات الفلسطينية التي كان يمكنه الإفادة منها منذ زمن بعيد أقله في إنعاش اقتصاده بسبب القرار السياسي المضلل، فمثلا يمنع على الفلسطيني شراء شقة أو عقار في لبنان، والأسوأ أن من يشتري ممنوع عليه التسجيل في الدوائر العقارية، أما من كانوا قد سجلوا عقاراتهم قبل صدور قرار المنع فإنهم يخسرونها بفعل الوفاة ومعظمها يذهب لدار الفتوى، علما أن اللبناني كان يتملك في فلسطين أسوة بنا ويمارس كل الأعمال.
ويوضح منصورة أن الأطباء الفلسطينيين لا يدخلون النقابة، كما الصيادلة أيضا لا يمكنهم فتح صيدلية، ويمكن للفلسطيني أن يشتري نمرة عمومية للسياقة ولكن لا يمكنه أن يحصل على دفتر عمومي، والأساتذة الفلسطينيون في المدارس الخاصة ينطبق عليهم النظام اللبناني بالدفع لصندوق التعويضات ولكنهم لا يحصلون على خدماته.
منصورة أردف في نهاية حديثه لـ "الحياة الجديدة": هل يمكن أن يعيش شعب مثلنا بعد؟ فإن المخيمات ليست احتلالا، حتى أراضيها مؤجرة للأمم المتحدة إذ إن أصحاب العقارات يقبضون من الأخيرة، لم نكن يوما عبئا وقد قدمنا ما ملكنا من قدرات في شتى المجالات، حتى أموالنا (التي خسرنا جزءا كبيرا منها في الأزمة الأخيرة) صرفت في لبنان وليس في فلسطين، لبنان وطن عشنا به على مدى عشرات الأعوام، بقي على الدولة اللبنانية التي لم تدرك كيفية الاستثمار في القدرات الفلسطينية أن تمنحنا شروط الحياة الإنسانية.. اتركني أعيش فإني أعطيك ولا آخذ منك.
مواضيع ذات صلة
الاحتلال يقتحم بيت إكسا وينفذ حملة مداهمات واسعة وإجراء تحقيقات ميدانية مع المواطنين
الطقس: أجواء حارة في جميع المناطق
الاحتلال يبدأ بإقامة معسكر في قلب جنين
الرئاسة تحذر من خطورة إعلان أحد وزراء حكومة الاحتلال اليمينية إلغاء اتفاقيات الخليل
إجلاء طبي جديد عبر معبر رفح شمل 97 شخصا
شهيدان بقصف للاحتلال شمال مخيم النصيرات
الشيخ: افتتاح ما يسمى "إقليم ارض الصومال" سفارة بالقدس إجراء استفزازي يتعارض مع الشرعية الدولية والقانون الدولي