عن الارث الفلسطيني الضائع صبري الشريف قائدا فنيا
فيلم للمخرجة اللبنانية فرح شيا تعرضه نوى

رام الله – الحياة الثقافية - فيلم تضمن عدة شهادات من كبار الفنانين والمثقفين اللبنانيين في حق المبدع الفلسطيني الراحل " صبري الشريف" حمل عنوان صبري، للمخرجة اللبنانية " فرح شيا" يستعرض بعضا من حياته وكثيرا من ابداعه، كقائد فني أسهم في الفن اللبناني خاصة والعربي عامة، عرض هذا الفلم في مؤسسة " نوى" للتنمية الثقافية بمدينة رام الله وسيعرض قريبا في سلسلة " هنا القدس2" الأحد المقبل ،الذي تنفذه المؤسسة في جمع وتوثيق وتحليل وعرض التجربة الموسيقية الفلسطينية. عبر احتفالية فنية غنائية لاطلاق الالبوم الثاني من السلسلة وتقدم روائع مختارة من الحان الفنان الفلسطيني الراحل " محمد غازي – عميد المطربين وفلما قصيرا عن حياته وشهادات من عاصروه، ويشارك فيه ثلاثون موسيقيا فلسطينيا بقيادة الفنان باسل زايد في قصر رام الله الثقافي،

وعرض لوحات فوتوغرافية من ثلاثينيات واربعينيات القرن الماضي لفنانين ومبدعين فلسطينيين اسهموا في صياغة الفن العربي.
بداية الفكرة
وعن حياة صبري الشريف وفيلمه يعرفه نادر جلال مدير مؤسسة نوى بابن مدينة يافا، الذي تسلم القسم الموسيقي في اذاعة الشرق الادنى في اربعينيات القسم الماضي، في مدينة يافا، وأحب أن يستزيد من علم الموسيقى فهو لم يكن موسيقيا بل اداريا، فقرأ عن علم الموسيقى والاخراج والانتاج وعن النهضة الموسيقية في اوروبا، وعن اساليب ووسائل استعادة تراث الشعوب وتحويله الى موسيقى كلاسيكية، ويضيف جلال " أراد الشريف أن ينفذ هذه التجربة في فلسطين فقدم عملان، قبل نكبة العام 1948 مستقدما موسيقيين من مصر، مدحت عاصم وعبدالحليم نويرة ذائع الصيت وكان مدير ومؤسس فرقة الموسيقى العربية التي كانت تقدم الموشحات. الا أن النكبة اجهضت هذا المشروع وانتقل به الى مكاتب الشرق الادنى في قبرص، وعلى الرغم من ان مقر الاذاعة كان في قبرص الا أن حركة الشريف كانت تطال معظم البلدان العربية كمصر ولبنان والاردن، ظلت الفكرة تراوده لاستكمال مشروعه بتحويل التراث العربي والفلسطيني الى موسيقى محترفة كلاسيكية، وجدير بالذكر أن طاقم الشرق الادنى كان مكونا في معظمه من مخرجين ومنتجين فلسطينيين، عبدالمجيد ابو لبن، صبحي أبولغد، رشاد البيبي، وكامل قسطندي ولهم حكايات كثيرة نعمل على جمعها وتوثيقها في " نوى"، ولهم اسهامات في المشهد الموسيقي العربي".
قائد فني
بدأ الشريف باستكمال مشروعه بعد نكبة العام 1948 عندما استدل على تجربة الاخوين رحباني في بداياتها في العام 1949، وكان حلقة الوصل بينهم الفنان حليم الرومي، وباعتبار أن الرومي هو مكتشف صوت فيروز وزامل صبري الشريف في فلسطين. وعن تجربة الشريف في لبنان يرى جلال ان الاخوين رحباني تشجعا للفكرة والى تحويلها الى مسرح غنائي أيضا، فخصص 60% من موازنة الشرق الادنى الى " الرحابنة" وعمل الشريف مع زملائه الى نقل مكاتب الشرق الادنى الى بيروت، وبقي المنتج والمدير الفني والمخرج للعديد من اعمال الرحباني حتى نهاية السبعينيات وكان هو صاحب القرار ابتداء من اختيار الموسيقيين ومنفذي الرقص الى نهاية العملية الانتاجية. ومثلما شاهدنا في الفلم من شهادة منصور رحباني أن الشريف كان يختار اللحن الموسيقي بعناية بغض النظر عن مبدعه، وجاء على لسان الرحباني " أن أذن الشريف كانت هي المسطرة فاذا قال لا يعني أن الخلل في الملحن وليس في اذن الشريف، حتى لو كان من كبار الملحنين".
في الفيلم المعروض عرضت عدة شهادات من الشاعر سعيد عقل الى منصور رحباني ونضال الاشقر والناقد الياس سحاب الذين ارجعوا الفضل للشريف في انجاح تجربة الرحابنة واعتبره سحاب المسؤول الاول عن هذا النجاح وخاصة في المسرح الغنائي، ويضيف جلال: " لم يقتصر ابداع الشريف على التجربة الرحبانية ولبنان بل امتدت الى الكويت ومصر والاردن فكان يستدعى للاشراف على اعمال غنائية كبيرة فهو لم يكن منتجا فحسب بل مؤثرا في الفن العربي، ومع ذلك لم يأخذ حقه في لبنان او في فلسطين".
الخبرة الفلسطينية عمل وتأثير
مع تشتت الخبرات الفلسطينية في العالم عقب نكبة العام 1948، الا أن معظمهم وجد حاضنة لمشاريعه وطموحه الفني، فكان لهم الفضل في العمل في البلدان التي لجأوا اليها وكان لهم تأثير واضح في مسيرتها الفنية.
وعن تفرد الفنانين الفلسطينيين في هذه الخبرة يؤكد مدير مؤسسة نوى ان وجود قوانين في اذاعتي القدس والشرق الادنى في فلسطين قبل النكبة ساعدت على تطوير الموسيقيين والمخرجين والفنانين وساعدته لاحقا للعب دور كبير في العالم العربي، فكان القانون يمنع ان يعزف احد في الفرقة الا اذا كان مؤهلا موسيقيا، وبالمقابل كان هناك دورات وورشات تأهيل لهم، وهذا انسحب على المخرجين والمنتجين، لذلك عندما ذهبوا الى العالم العربي بعد النكبة كانوا هم الاكثر خبرة وتجربة وتأهيلا، ولذلك استقدمت الخبرة الفلسطينية في انشاء الاذاعات العربية.
الفن بين التوصيف والتنمية
ويرى جلال أن من السهل وصف ماذا كان في فلسطين قبل الـ48 وهناك الكثيرون الذين يجهلون ذلك ولكن ما الحل؟ فالتوصيف وحده لا يكفي، المطلوب هو تنمية ثقافية وليست أشكالا ثقافية فقط، ومسؤولية نوى هي بجمع وتحليل وتوثيق هذه التجارب الفنية، وقبل عملنا كمؤسسة لم يتطرق احد الى موضوع الموسيقى الفلسطينية على صعيد المؤسسات أو الافراد، حتى بإمكانك ان تصف عملنا هو البحث عن ابرة وسط القش، فبعض ما حصلنا عليه من اسطوانات مثلا كان من أشخاص وهذا تطلب أن ننتقل من بيت الى بيت لجمع هذا الارث، اضافة الى التكلفة الباهظة لهذا البحث الذي بحاجة الى تمويل حقيقي بحجم التنمية الثقافية والفنية، اصرارنا على العمل رغم صعوبته جاء نتيجة الاثر الذي تركه الاطلاق الاول من سلسلة " هنا القدس" الذي سمي تيمنا باسم اذاعة القدس، اضافة للأثر الذي تركه اطلاق موسيقى روحي الخماش الذي لاقى اهتمام الكثير من الفرق الفنية وهو اول البوم موشحات فلسطينية بعد سبعين عاما، وعدوى هذا النجاح انتقلت لعدد من المؤسسات التي باتت تهتم بجمع هذا التراث.