//////166776//////////

هل هذا أوان حل (الدولة الواحدة)؟

منذ أيام اجتاحت الضفة مجموعة من اللافتات الضخمة تدعو لقيام دولة واحدة لشعبين، وكان الرئيس أبو مازن قد ردد أكثر من مرة أن هذا الحل وارد لدينا فلسطينيا، وقال ان الإصرار الإسرائيلي على افشال حل الدولتين هو ما يدفعنا لهذا الخيار.
ورغم أن فكرة الدولة الواحدة فكرة قديمة متجددة، إلا ان ارتباط اللافتات الكبيرة بجملة خطيرة أدى بالشباب الثائر في حركة فتح الى تمزيق هذه اللافتات.
كانت الجملة تقول 5 ملايين فلسطيني و 6 ملايين اسرائيلي تحت عبارة دولة واحدة لشعبين ما أثار المخاوف المحققة عند الثائرين من أن فكرة الدولة الواحدة تسقط حق العودة للاجئين لأن اللافتات كانت بذلك محددة.
وقمنا بالاتصال بأحد الاخوة المعنيين بالموضوع من مجموعة (تكامل) فأشار الى أن التصرف الفردي لأحد اعضاء المجموعة أدى لفهم خاطئ لما تدعو له المجموعة اذ ان ارتباط الارقام بالفكرة فعلا قد أثار زوبعة حملنا مسؤوليتها للأخ المعني.
ان فكرة دولة واحدة لشعبين هي فكرة حركة فتح اذ انها طرحتها منذ العام 1968 وعلى لسان قادتها وأبرزهم ياسر عرفات وصلاح خلف وكان الفهم ان الدولة الديمقراطية المدنية (رأى كثيرون انها تعني علمانية) الواحدة هي المسعى والهدف من ثورتنا.
والفكرة هذه قفزت أمامها مجموعة من التساؤلات حينها وتعود اليوم؟! وهي من مثل: هم مواطنو هذه الدولة (التي حدودها فلسطين التاريخية هنا) وما مصير اللاجئين الفلسطينيين؟ وما هو شكل النظام السائد فيها؟..الخ
وان كانت هذه المفاهيم (المواطنون/اللاجئون/النظام..وغيرها) قد وجدت حلها نظريا لفترة طويلة عبر فكرة القضاء الكامل على دولة (إسرائيل) وتصفية الكيان العبري سياسيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا ما يعنى انهاء الوجود الصهيوني في فلسطين، فان تعريف المواطن في الدولة دخل في نقاش عميق وكان من أهم نتائجه أن اليهود الذين استقروا في فلسطين قبل العام 1917 يعتبرون مواطنين (هل هذا التعريف ما زال صالحا الآن؟!).
إلا أن فكرة الدولة الفلسطينية (إلى جانب الاسرائيلية) على حدود 1967 التي اعلنت في الجزائر عام 1988 توجت المسيرة السياسية الفلسطينية والجدل حول تحرير كامل فلسطين من جهة وبحرب الشعب الطويلة الأمد والكفاح المسلح.
أدى التوصل لفكرة الدولتين لشعبين الى توقيع اتفاقية اوسلو عام 1993-1994 على (نية) ان تمر فترة التجربة المحددة بسنوات خمس، وننتقل للدولة الفلسطينية ما عطلته الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة حتى اليوم عام 2012.
انفرط عقد الاجماع الفلسطيني مع ظهور حماس التي رفضت فكرة الدولتين طويلا الى ان تبنتها وقبلتها بشكل واضح اثر دخولها عملية اوسلو من خلال الانتخابات عام 2006 ثم قبولها نظريا وعمليا بالدولة الفلسطينية على ارض 1967 وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين ما يعني توحد الفلسطينيين على الفكرة / الهدف.
يعود الجدل اليوم حول الغايات أو الاهداف الكبرى للنضال العربي والاسلامي والفلسطيني في ظل ان الثقافة والدين والفكر لا يعترف بملكية فلسطين (التاريخية) إلا للفلسطينيين و العرب والمسلمين، وأيضا منهم اليهود ما قبل 1917 حسب آخر فهم في السبعينيات بحاجة لعميق بحث وإقرار بالآخر ما قد يستثير المشاعر الجياشة لدى الكثيرين من المنتظرين والحالمين أو المتمسكين بما استقر في عقولهم.
كما يعود الموضوع للواجهة من خلال تحركات فلسطينية خجولة تطالب بحل الدولة الواحدة في كل فلسطين يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود في اطار دولة (علمانية أو مدنية) هي الحل الوحيد كما قال من سنوات د.عبد المنعم أبو الفتوح المرشح الحالي للرئاسة المصرية عندما كان قائدا في الاخوان المسلمين، وكما قال غيره الكثير من المفكرين.
وبمبادرة من كادر شبابي فلسطيني نظر ان افق الدولتين انسد نتيجة الحواجز والسدود والحوائط التي أقامها السياسيون الاسرائيليون أمام حل الدولتين برزت فكرة (تكامل) التي دعت للدولة الواحدة في كل فلسطين.
إن هذه الفكرة أي الدولة الواحدة تشطب كل مراحل النضال الفلسطيني الطويل وما وصل إليه من اصطفاف وطني وعربي ودولي، وتقوض أركان ما اسمي (الثوابت الفلسطينية: دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة بحدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية، وعودة اللاجئين) التي أجمعت عليها كافة التنظيمات، أصبحت لدى شريحة مهمة في المجتمع الفلسطيني وعند عدد من المثقفين بديلا حقيقيا.
إن سقوط المسار السياسي وانحلال المقاومة المسلحة وعدم قدرة المسارين على افتكاك حل قد جعل من هذه الفكرة تبرز الى السطح ثانية سياسيا وثقافيا وفكريا خاصة في ظل الاختلال الفظيع في موازين القوى وفي ظل الايمان لدى الفلسطينيين ان المرحلة لا تغني عن الحل الدائم وان الاهداف لا تغني عن الأحلام او الآمال، وانه اذا لم يتحقق الجزء فطالب بالكل.
ان كنا بوارد النقاش في الفكرة أي فكرة الدولة الواحدة فيجب ان نقطع بتغير الزمان والقيم والمفاهيم والثقافات فما كنا نراه صوابا (مستطاعا) قبل عشرين أو ثلاثين عاما أصبح غير ذلك، وما كنا نراه مطلقا اكتشفنا انه نسبي ما يعني فتح الاذهان والأفكار على فهم التغيرات والتعاطي معا.
ان فكرة الدولة الواحدة على كامل ارض فلسطين بحاجة لنقاش مستفيض، وبحاجة لعمق يأخذ بالاعتبار ذات المفاهيم التي اعاقت تبني الفكرة مثل القضايا الفكرية والدينية والثقافية والسياسية التي اجترح على اساسها الفكر الوطني الفلسطيني مفهوم (المرحلية) ومفهوم (الاولوية) استنادا للوعي بالقدرات والقوى المتحكمة.
هل من المقبول (فكريا) ان تكون هذه الدولة في ظل تنامي فكر صهيوني عنصري؟! يهاب الآخر ويقاومه ويحتله ويرفضه، ويفترض ذوبانه (أي اليهودي) في محيط عربي فلسطيني يشكل تهديدا ديمغرافيا؟ وهل من المقبول ان تقوم في ظل عقلية اقصاء وتدمير وسخرة للآخر المعشعشة في الفكر الصهيوني، ولدى اليمين اليهودي؟!
وهل من الممكن تقبل العيش المشترك لكل الفلسطينيين وكل اليهود في فلسطين التاريخية؟ وهل يتقبل العقل الصهيوني عودة اللاجئين مقابل (هجرة) اليهود؟! وهل تستطيع ان تغير في الوعي العربي والعالمي ليتقبل ذلك؟
إنها أسئلة وغيرها الكثير الذي دعا مفكرا كبيرا مثل الشهيد القائد خالد الحسن لأن يضع حلا عبر ورقته البحثية (قبضة من السلام الشائك) دعى فيه لأن تكون فلسطين للجميع ولكن في اطار (الحل السويسري) ما يستحق التأمل والبحث والتعمق من جديد.
لذلك أقول رفقا بإخوتكم/اخوتنا في مجموعة (تكامل)، كي لا نتقاتل على جلد الدب ونحن ما زلنا في الإطار النظري، حيث انه اذ تطرح مثل هذه الفكرة / الهدف الذي هو سعي حركة فتح والفلسطينيين ان تكون كل فلسطين لنا، وبمنظور ومفاهيم ما زالت طور التفكير والتأمل تعالج التساؤلات كلها، فان الرفض الاسرائيلي المسبق و الواقع والمعسكرات الاقليمية وفي العالم، وسدود المفاهيم والقوالب المصبوبة ومصالح الدول قد تحول دون كثير مما نهدف له أو نحلم به.