العين الثالثة
ما لم تقله شهرزاد
بوح مغتربة

كوثر الزين
لسطور قرأتها ذات عشرينات من عمري أيام الوطن، أرفع امتناني وحنين الذكريات .
سطور توالت كجوهر أسْود بين دفتي كتاب، غلافه من ألوان العلم...علم بلادي .
كان الكتاب على راحتيه المعطاءتين حين سلمني اياه ذات صيف من عام 1988 قرة قلبي –أخي الاكبر- رحمه الله قائلا :
« لقد أحدث ضجة ومنع من النشر قبل الآن وتعرض كاتبه للمحاكمة ، اقرئيه انه رائع المحتوى»
نظرت نحو أحمر الغلاف فقرع انتباهي العنوان بحروفه البيضاء (دع وطني يستيقظ ) وأيقظ بداخلي شغف الفضول الذي قذف بي من كلمة الناشر أول صفحتين إلى روعة ثمانية أبيات من الشعر في الصفحة الثالثة كانت لأحد أحب الشعراء إلى ذائقتي –الشاعر البنغالي الكوني (طاغور ) هذه بعضها :
( هناك حيث لا يلابس الفكر خوف ويكون الرأس متطلعا الى العلا
هناك حيث تكون المعرفة حرة
هناك حيث لم يجزأ العالم بين حواجز ضيقة مشتركة
هناك حيث تنبثق الكلمات من انوار الاخلاص .....
....أجل - في نعيم الحرية أبتاه - دع وطني يستيقظ ).
لم يكن نهمي للكتب ليقاوم اغراء كتاب اقتبس عنوانه من شعر ( طاغور) وكُتب اهداؤه
(إلى أطفال الانتفاضة في فلسطين، الى جيل رفع التحدّي )، لكاتب طبيب لم أعرف عنه شيئا قبل ذلك الزمن سوى أنه أبرز الناشطين في مجال حقوق الانسان المطاردين من قبل النظام التونسي في عهد بورقيبة ( ومن ثم في عهد زين العابدين بن علي ).
قرأت الكتاب قراءتين فأنبت بداخلي بذور وعي وشكلني فكريا إلى حد بعيد.
كتاب شمولي المحتوى يتطرق إلى الطب والثقافة واالتاريخ والفلسفة والاقتصاد والسياسة والتنمية والمجتمع....
يبحث في جذور الانحطاط ويلقي ضوءا على الحلول . لا يتنكر للتراث ، ويرفض التراثية والماضوية والتحجر . يعترف بالتفوق الحاضر للغرب ويشيد بانجازاته، ويأبى في الوقت نفسه ان يكون قمرا صناعيا في فلك مداره، يدعو للتطلع إلى مستقبل أفضل، ناشدا الوطن والأمة التي فاتتها الثورة الصناعية والتكنولوجية، أن تتدارك وضعها عبر اللحاق بركب الثورة المعلوماتية للقفز من خلالها نحو الحضارة الرابعة ....
فكر فيه من الثراء والصدق والحس الوطني والقومي والانساني ما يكفي ليأسر قارئه ويطبع بصمة في ارض وعيه.
لم ارجع الكتاب لقرة قلبي الذي تنازل عنه لي .فبقي ضمن مكتبتي . وحملته ضمن اشيائي الحميمة الى ارض الرحيل حين دق ناقوس السفر عام 1994 وكتب القدر اول سطر في اغترابي . لأجد نفسي فوق رقعة من ارض من كتب إليهم اهداء الكتاب .ارض اطفال الانتفاضة ... فلسطين .
ظل الكتاب يحتل مكانه فوق رف قلبي ومكتبتي في مدينة رام الله .عدت اليه احيانا و استشهدتُ به اكثر من مرة في بعض مقالاتي التي نشرت على امتداد عشر سنوات في مجلة الصدى بدولة الامارات العربية . بقي حميما الى نفسي، يضوع بعبق أخي وعبق وطني الذي انتظر صباحه ربع قرن كي يستيقظ ذات مأساة على دخان احتراق محمد البوعزيزي.
لم أكن هناك لأشهد وليمة اشتعاله وما طبخ جسده الملتهب من حساء الدم، ولكني رأيته بأمّ دمعي وهو يدعو لنا :» تصبحون على وطن أجمل « قبل أن تشب النار فيه مشعلة ثورة الياسمين .
كانت لحظة انتصار اختصرت نزيف السنين الطافح بالظلم والفساد، وفاتحة يقظة في تاريخ بلاد ومصير أمّة اثقلها نعاس القمع والصمت.
وكان العام 2011 بوابة لعهد جديد، وشاشة لتسارع أحداث لم تكن بالحسبان
توفي محمد البوعزيزي بعد ثمانية عشر يوما من الاحتراق فازدادت الثورة اشتعالا
فر الرئيس السابق في ليلة ظلماء خارج البلاد وانتصر الشعب.
أعادتني الثورة الى صفحات الكتاب بعودة مؤلفه الكاتب والمفكر الدكتور منصف المرزوقي من منفاه الفرنسي الى خضراء الياسمين صبيحة فرار الرئيس المخلوع، حاملا ارثا من النضال والفكرو ثلاثة وعشرين كتابا غير( دع وطني يستيقظ ) لم يتسنى لي قراءتها حتى ذلك الحين .
توفي قرة قلبي –أخي الاكبر- الذي أهداني الكتاب ذات صيف بعيد، صادره الموت فجأة فجر يوم من حزيران الماضي قبل ان يسعد بانتخابات المجلس التأسيسي الجديد وقبل ان يصبح منصف المرزوقي رئيسا للجمهورية التونسية في الحكومة الانتقالية، ولم يشهد روعة ان تقفز الرئاسة من شرطي برتبة عالية إلى مفكر بقامة عالية .
انتصرت ثورة الياسمين وها وطني يستيقظ كل يوم على خطوة جديدة نحو درب الغد .
لعلها لحظة زهو أبى انتمائي الا ان يستلذ بها . أو لحظة وفاء لأخ أهداني وهداني وعلمني ، ومفكر بصمني قبل زمن ببذور أمل أرى اليوم ثمارها قد اينعت وحان وقت قطافها .
فمن ذا يقاوم شبق القلم أمام بياض الورق اذا ما طفح الحنين وجاشت الذكريات ؟؟؟
ffkmm5@yahoo.com