ابنة عائلة تؤمن بأن العلم والثقافة والفن خبز يومي، وتربت على عدم وجود فرق بين الذكر والأنثى إلا بالاجتهاد
لنا ابو حجلة..مهندسة مدنية «عنيدة» تحقق انجازات مشهودة في مجال التنمية

استشهدت والدتها خلال اجتياح مدينة نابلس عام 2002.. عشقها لجامعة بيرزيت قادها إلى اميركا!
حياة وسوق - ايهم ابو غوش - لم يكن سهلا بالمطلق على فتاة تعيش في مجتمع شرقي، أن تتبوأ مكانة اقتصادية واجتماعية مرموقة، لكن لنا أبوحجلة ابنة عائلة متنورة معروفة بدعمها للعلم والثقافة، لهذا، لم تجد عوائق اجتماعية تحد من ابداعها، فصعدت الجبل خطوة خطوة، لتثبت المهندسة «العنيدة» أن عالم الاقتصاد والمال ليس حكرا على الرجال إذا ما توفرت الظروف الاجتماعية الداعمة للمرأة.. لنا أبوحجلة المدير العام لمؤسسة «CHF» الدولية في الضفة وغزة نموذج للمرأة المكافحة، لم تنظر إلى الدنيا من زاوية ضيقة محصورة بالدراسة والعمل، بل كتبت سيرة مليئة بالكد وداعمة للعمل المجتمعي والتنموي بكل أشكاله. إنها نموذج يحتذى في استغلال الوقت، وتأكيد لا شك فيه على أن العمر يجب استثماره فيما هو مفيد.

ابنة عائلة داعمة للعلم والثقافة
والد لنا هو الطبيب المعروف جمال أبوحجلة المتخصص في جراحة الأنف والأذن، درس والدها في القاهرة وعاد إلى وطنه في الستينيات من القرن الماضي، وهو ما زال يمارس مهنة الطب في مدينة نابلس لغاية اليوم. لنا هي الابنة الوحيدة بين ثلاثة أشقاء آخرين يصغرونها سنا وهم: سائد أبوحجلة وهو أستاذ محاضر في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، ورائد أبوحجلة وهو رجل أعمال معروف في دبي، ورامي أبوحجلة ويعمل مهندسا الكترونيا في الولايات المتحدة.
ولدت لنا في القاهرة حيث تزوج والداها أثناء فترة الدراسة، قبل أن تعود العائلة إلى وطنها وهي في الخامسة من العمر. تنتمي لنا إلى عائلة تعتبر العلم والثقافة والاطلاع على سلم أولوياتها بل خبزها اليومي، لهذا اهتم الوالدان بتربية أبنائهم على حب القراءة والفن والتواصل الاجتماعي. عاشت لنا في بيئة متنورة لا تعرف التفريق بين ذكر وأنثى، فامتلكت ميزات قيادية منذ طفولتها، وبخاصة أنها تربت في كنف جدها (والد امها) عبد القادر الصالح وهو أحد رجال السياسة المعروفين، حيث كان عضوا سابقا في البرلمان الأردني ووزيرا في الحكومة الأردنية.كان جدها شاعرا وكاتبا ومثقفا، فنهلت منه الكثير من العلم والثقافة، خاصة أن بيت والدها كان قريبا من بيت جدها، كما أن جدتها (أم والدتها) كانت تحب الموسيقى والفن، وهي ابنة شيخ أصله من يافا من دار ابوغزالة حيث درست في كلية بيرزيت. تقول لنا «كنت استغرب ان جدتي كانت تتحدث اللغة الانجليزية بطلاقة». تؤكد لنا انها تربت في جو يختلف عن الجو المحافظ الذي كان سائدا في مدينة نابلس، مشيرة إلى ان أهلها لم يفرقوا بالمطلق بين الذكر والأنثى. منذ كان عمرها (12) عاما، ولنا تشارك في أنشطة مجتمعية مختلفة وبتشجيع من والديها، ونسجت شبكة صداقات من الإناث والذكور الذين يسكنون حيها، وكانت تلعب معهم كرة القدم وبعض الألعاب الشعبية. كانت تختلط بالشباب وتتواصل معهم اجتماعيا وتجالسهم على أرصفة شوارع الحي، تمارس معهم هوايتها مع الفن والموسيقى والعزف، كان الاختلاط بين الذكور والإناث حيث عاشت أمرا طبيعيا وليس خطا أحمر. انخرطت لنا في العمل التطوعي والنقابي الذي بدأ مرحلة المد خلال السبعينيات فاكتسبت مزيدا من المهارات القيادية.

اعجاب بالحراك الطلابي في جامعة بيرزيت
تعرفت لنا على الحياة الطلابية الجامعية في سن مبكرة، وهي لم تتجاوز الـ(14) من العمر، كانت تزور جامعة بيرزيت برفقة خالها الذي كان رئيسا لمجلس طلبة الجامعة في فترة السبعينيات، لمست عن قرب الحراك الطلابي والوطني في الجامعة وأعجبت به..حينما أنهت الثانوية العامة عام 1980 بنجاح باهر وبمعدل (93)% لم تفكر مرتين لأنها كونت فكرة ان طلبة جامعة بيرزيت يجمعون بين اهتمامهم بالعلم وبين النشاطات الوطنية والطلابية والمجتمعية والثقافية. لقد كانت جامعة بيرزيت وجهتها، ودراسة الهندسة كانت خيارا مشتركا بين أفراد العائلة. تقول لنا «مجتمعيا كان ينظر إلى ضرورة أن يدرس المتفوقون في التوجيهي الطب او الهندسة، ووالدي لم يرغب في أن أدرس الطب لانه كان طبيبا، فشجعني على دراسة الهندسة».
التحقت لنا بجامعة بيرزيت وكانت من الفوج الأول الذي يدرس في المبنى الجديد والذي كان يضم كلية الهندسة، وهو ما أصابها بالإحباط لأنها كونت فكرة ان الجامعة التي رغبت بالدراسة فيها هي الحرم القديم حيث النشاط الثقافي اللافت.

قرار بـ«الترحيل» إلى الولايات المتحدة
بعد ان أنهت سنة دراسية في كلية الهندسة، تنقلت فيها بين الدراسة في قصر الحمراء برام الله وبين الدراسة في بيوت الأساتذة بسبب اغلاق الاحتلال للجامعة، قررت لنا الانتقال إلى كلية الاقتصاد لأنها أرادت ان تكون في الحرم الجامعي القديم الذي أحبت. نفذت لنا ما كان يدور في رأسها والتحقت بكلية الاقتصاد دون إخبار أهلها، وبعد الدراسة فيها لفصل كامل حصلت على تفوق ومنحة دراسية من الكلية وهو ما وضعها في وضع محرج، لأن الكلية وجهت كتاب شكر لوالدها الذي عرف الحقيقة بان ابنته تدرس الاقتصاد وليس الهندسة، لم يتقبل والدها الأمر الواقع فقرر الحاق ابنته بجامعة اميركية وبخاصة مع اغلاق جامعة بيرزيت على يد الاحتلال. امتثلت لنا لرغبة والدها ، والتحقت بجامعة «ايوا» في تخصص الهندسة المدنية. تقول لنا« تركت جامعة بيرزيت أثرا فيّ، حيث ظهر لي جليا ان مستواها الأكاديمي عال، كما ان النشاط الطلابي في الجامعة دفعني للانخراط في نشاطات اتحاد طلبة فلسطين في اميركا، وحاولنا ان نقدم القضية الفلسطينية بشكل افضل للجمهور الاميركي».
كان نشاط لنا الطلابي لا ينحصر فقط على دعم القضية الفلسطينية وتسويقها لدى الجمهور الاميركي، بل انخرطت في دعم قضايا عالمية وثورية مثل نبذ النظام العنصري في جنوب افريقيا ودعم حركات التحرر في اميركا اللاتينية.

عودة إلى الوطن وبداية مسيرة عمل
بعد حصولها على درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية –تخصص هندسة بيئة، قررت لنا العودة فورا إلى أرض الوطن، وفي عام 1986 تم تعيينها ضمن برنامج استيعاب المهندسين الفلسطينيين الذي كانت تشرف عليه الأردن قبل فك الارتباط. التحقت لنا بالعمل كمهندسة مدنية في بلدية سلفيت، استمرت في العمل لعدة أشهر أثبتت خلالها كفاءتها وجديتها، فكانت تلتحق بميدان العمل في ساعت الفجر الاولى لتشرف على «صبة الباطون».

نقلة نوعية
كانت لنا ترغب في أن تعمل في الجو الذي تربت فيه حيث الثقافة والفن، لذلك بحثت عن عمل في القدس، وبالفعل عملت في مسرح الحكواتي منسقة للبرامج، وخلال عملها في المسرح التقت صدفة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي «UNDP»، وعندما علم انها مهندسة مدنية في مجال تخصص البيئة دعاها للتقدم لوظيفة في البرنامج ضمن نطاق تخصصها.
تقدمت لنا للامتحان، واستدعيت لاجراء مقابلة مع المهندس المسؤول في البرنامج صاحب الجنسية اليونانية، وخلال 24 ساعة تم اختيارها للوظيفة، وفي اليوم الاول للعمل فوجئت لنا ان موقع العمل هو مخيم جباليا في قطاع غزة، واستمرت لسنوات عدة تتوجه تقريبا بشكل يومي للعمل في غزة، لذلك عانت كثيرا بسبب مغادرة بيتها مبكرا في القدس وعودتها في ساعات متأخرة، وخاصة خلال سنوات الانتفاضة الاولى والتي انطلقت شرارتها الأولى من مخيم جباليا في كانون الأول عام 1987، وكانت لنا موجودة على الموقع شاهدة على بدء الاحتجاجات الأولى داخل المخيم.
عملت لنا قرابة (17) عاما في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقلدت فيه مناصب عدة، فقد بدأت بالعمل كمهندسة موقع، ثم مهندسة مشروع ثم مهندسة مسؤولة، ثم أصبحت رئيسة قسم الهندسة، ثم رئيسة قسم برامج البنية التحتية والتشغيل، وقد اسست قسم المياه والبيئة، ومع توقيع اتفاقية اوسلو ، ساهمت في بناء العديد من المؤسسات الفلسطينية، فقد دعمت التحضير لملف المفاوضات وبخاصة في موضوع المياه، وقد ساهمت في تأسيس سلطة المياه، كما ساهمت مع فريق من البنك الدولي في وضع أسس مؤسسة «بكدار»، اصبحت لنا مساعد المدير العام لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في فلسطين للبرامج.

استشهاد الوالدة .. تغيير الأجواء
في تشرين الاول عام 2002، استشهدت والدة لنا (شادن عبد القادر الصالح) خلال اجتياح قوات الاحتلال لمدينة نابلس، وجرح والدها وأخوها في الاعتداء نفسه، تركت الحادثة حزنا كبيرا وعميقا في نفسية لنا، وفي عام 2003، وبعد عمل لقرابة (17) عاما في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، قررت تغيير أجواء العمل. وتقول «لم أعد استطيع ان اقدم المزيد للمؤسسة، ولفلسطين من خلال عملي في المؤسسة، حيث وصلت لحالة تشبع، وقد تزامن ذلك مع استشهاد والدتي، وشعرت بالحاجة لتغيير الأجواء».
عرض على لنا ان تصبح موظفة دولية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهو ما يستدعي مغادرتها فلسطين، لكنها رفضت وقررت الاستمرار بالعمل التنموي في فلسطين، حيث تقدمت إلى وظيفة المدير العام لمؤسسة «CHF» الدولية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد استدعيت لإجراء مقابلة في واشنطن وتم قبولها للعمل من بين 180 خبيرا وإداريا دوليا تقدم للوظيفة.
تشير لنا إلى ان عملها في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أكسبها خبرة كبيرة في العمل التنموي والإغاثي، وهو ما ساعدتها على توظيف خبرتها لصالح تصميم وتنفيذ برامج تنموية فعالة مع مؤسسة «CHF». وتشير إلى أن مؤسسة «CHF» بدأت بتنفيذ برامج صغيرة، حيث تركز وجودها مع بدء عملها في فلسطين عام 1996 في قطاع غزة، لكنها اليوم أضحت من أكبر المؤسسات غير الحكومية الدولية العاملة في فلسطين، والتي تستجيب لاحتياجات المجتمع الفلسطيني، حيث يتراوح عدد العاملين فيها اليوم بين 250-300 شخص، وتدير المؤسسة سبعة برامح تنموية كبيرة في مجالات متعددة.

خارج دائرة العمل الرسمي
كانت لنا دوما مهتمة بالاندماج والتواصل مع مؤسسات المجتمع المدني في فلسطين، لذلك أصبحت نموذجا للعمل التطوعي ودعم النشاطات المجتمعية المفيدة، ففي عام 1986 التحقت لنا بفرقة الفنون الشعبية الفلسطينية، عملت فيها كراقصة دبكة، وآمنت بدور الفرقة في إغناء العمل الثقافي وفي تطوير الفن الشعبي الفلسطيني. تقول» اكتشفت ان تطويرنا للفن الفلسطيني مهمة أساسية تعني المحافظة على مستقبلنا وهويتنا».

بدأت لنا في الفرقة كراقصة ثم أصبحت مصممة ، ثم شاركت في تحضير الأعمال الفنية
وساهمت في تأسيس مركز الفن الشعبي. اصبحت لنا تسافر مع الفرقة لتقديم عروض خارج فلسطين رغم أن عملها كان مجهدا. وتقول «كنت اشتغل في غزة، وأعود منها قرابة الساعة السابعة مساء، مع ذلك كنت التحق بتدريبات الفرقة التي كانت تستمر حتى ساعة متأخرة من الليل».
كانت لنا دائما داعمة للثقافة والفن الفلسطيني، فساهمت في تنظيم مهرجان فلسطين الدولي للرقص والموسيقا، وأصبح جل اهتمامها تعريف العالم بالثقافة والفن الفلسطيني. يذكر بأن إضافة لعضويتها في مجلس أمناء فرقة الفنون، فإن لنا تشغل منصب عضو هيئة عامة في صندوق الاستثمار الفلسطيني، ونائب رئيس مجلس أمناء مؤسسة رواق ونائب رئيس مجلس إدارة الجمعية الفلسطينية للاسكان لذوي الدخل المحدود، وعضو هيئة عامة لجمعية سيدات الأعمال الفلسطينية، وجمعية التعليم من أجل التوظيف، وعضو زميل في مؤسسة أسبن الدولية ضمن شبكة قيادات الشرق الأوسط وعضو في مؤسسة الرؤساء الشباب الدولية والتي تضم أكبر شخصيات الأعمال حول العالم.

زواجان وثلاث بنات
تزوجت لنا مرتين، الأولى عام 1989 من زميل لها في فرقة الفنون الشعبية كان يدرس معها الموسيقا في الولايات المتحدة، واستمر الزواج خمس سنوات انجبت خلاله ابنتها الكبرى زينة. تقول لنا إن سبب الانفصال لم يكن له علاقة بطبيعة عملها أو نشاطها بل نتيجة عدم توافق وانسجام شخصي مع زوجها السابق. وتزوجت المرة الثانية عام 1995 من صديق وجار قديم هو رجل الأعمال ناصر عبد الهادي وقد انجبت منه ابنتيها ياسمين ونادية. تؤكد لنا انها اشترطت عند زواجها الثاني ألا تتأثر ابنتها زينة بالحياة الجديدة، وهذا ما تم بالفعل حيت ساد جو من الألفة بين بناتها الثلاث وزوجها ناصر وزوجها السابق وعائلته، ما كان له أثر ايجابي على العائلتين.