علي الجمّال صاحب أطول حكم إداري..!

الحياة الجديدة - أسامة العيسة - من أكثر الأسرى الذين لفتوا انتباهي، في تلك الأيام من ربيع 1981م، التي قضيتها في سجن رام الله، شاب بشاربين غليظين، مُعتني بهما جيدا. علامتان في وجه يبدو طفوليا، سمحا، ولكنه أيضا، لا يخلو مِنْ قوة وعنفوان لا يفصحان عن حالهما باستعراضية ممجوجة، كما هو حال كثير من الأسرى محبي تربية الشوارب، باعتبارها علامة لا تخطئ على الرجولة. يرتدي اللباس المدني، وليس الزيّ الرسمي لباقي الأسرى. اسمه يتردد على الألسنة باعتباره أسطورة صمود: علي الجمّال. صَمَدَ الجمّال خلال التحقيق القاسي في زنازين المخابرات، ولم يعترف، هو بذلك مِنْ القلة الذين لم يدلوا بأية اعترافات لمحققي الاحتلال. فشلت المخابرات الإسرائيلية بتقديم لائحة اتهام ضده في المحكمة، فحولته للاعتقال الإداري.

عُرف الجمّال، آنذاك، بانه صاحب أطول حكم إداري، وصل إلى 7 سنوات (سيصل لاحقا الى 9 سنوات)، وكان الحكم يُجدد كل ستة أشهر، ويمكن تصور معاناة الأسير الإداري، وقلقه وهو لا يعرف المدة التي سيبقى فيها سجينا.

حظي الجمّال، بارتدائه الزي المدنيّ (يعرف فلسطينيا باسم السويل أو السفيل في تحوير للكلمة الانجليزية civilian)، الذي جعله مميزا، وسط مرتدي الملابس الموحدة لسجون الاحتلال، وبالسماح له بالتحرك في الطرقات بين غرف السجن وأقسامه، واختاره الأسرى ممثلا لهم أمام إدارة السجن، وأثبت من خلال مهَمته عدم تحيزه لأي فصيل، رغم انه محسوب على الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

شكّل الجمّال، المحبوب من جميع الأسرى، نموذجا لثائر من تلك الأيام المفعمة بالأمل والحماس والآيديولوجيات، بروحه المتفائلة، وحرصه على أخلاقيات تليق بثائر ينظر إليه باقي الأسرى باعتباره قدوة تحتذى.

اتهمته سلطات الاحتلال بالانتماء للجبهة الشعبية، والمشاركة بقتل ضابط إسرائيلي وسط مدينة جنين، وهو ما نفاه قطعيا، خلال أكثر من مئة يوم من التحقيق القاسي.

الجمّال، أصبح رمزا أيضا خارج السجن، وغنى الشباب والصبايا له في الأعراس. اهتم كثيرون بقضية الجمّال، المعتقل من دون تهمة، ومنها منظمات حقوقية، وصحف عبرية، نشرت صوره مقيد اليدين، وجرى اسمه على ألسنة كثيرة كعنوان صمود وتحد وصلابة.

صورة الجمّال وابتسامته الدافئة، لم أنساهما، وإن كنت مع توالي الأعوام، وتواري اسمه، احتجت للتأكد من زملاء سجن سابقين، ونشطاء قدامى في الجبهة الشعبية، من الاسم، والسؤال عن أخباره، ووضعه، وأين حطت به سبل الدنيا؟ ولم تكن الاجابات مُرضية. هناك من نسي الجمّال، من الذين تغنوا به رمزا، ولم يعرفه جيل جديد من المناضلين، عادة ما يكون لديهم اعتقاد بأن النضال، والحياة، والمعرفة، بدأت كلها بهم.

طلبت من الصحفي الصديق عميد شحادة، المقيم في جنين، ان يبحث لي عن الجمّال، وكانت النتيجة، مُبشرة.

تأجل مشواري، إلى جنين، للبحث عن عليّ عدة مرات. أخيرا يوم الاثنين 4-10-2015، انطلقت إلى جنين، في ظروف بدت غير مواتية، عدد من الشهداء ارتقوا في الأيام الماضية، ومواجهات في القدس ومناطق أخرى، واعتداءات واغلاق طرق من قبل المستوطنين، وإعادة اغلاق مدن فلسطينية، والتوتر سيد الموقف، مع تردد الحديث بقوة عن انتفاضة ثالثة تلوح في أفق الأراضي المقدسة، الثابت فيها الانتفاضة، فبين انتفاضة وأخرى انتفاضة.

حاجز حوارة، على المدخل الجنوبي لمدينة نابلس، كان مغلقا بسبب تظاهرات للمستوطنين، فسلكت الحافلة طريقا التفافية، تمر عبر عدة قرى مثل: بورين، وتل، وعراق بورين، وغيرها.

من نابلس، ركبت الحافلة، إلى جنين، ولم تكن، على غير المتوقع، أية حواجز احتلالية في الطريق. نزلت في موقف الحافلات وسط المدينة، قبالة سينما جنين المغلقة، وسألت عن العنوان الذي زودني به عميد، وسرت في طريق متربة، قبل سينما جنين، بأمتار قليلة، وسألت عن بيت عائلة الغول، حيث يقع قبالته منزل علي الجمّال القديم الذي يمارس منه عمله، وسط حي المحطة، الذي أخذ اسمه من محطة القطار العثمانية، ليس بعيدا عن سوق السيباط.

التقيت عوض، ابن علي الجمّال، الذي رحب بي، واستضافني في المنزل المبني قبل مئة عام، وسمح لي بتصوير صورة قديمة مُبروزة، معلقة في غرفة النوم، لوالده بالأبيض والأسود، بشاربيه الثخينين الأنيقين، وسالفين بارزين، علامتا الموضة الشبابية في السبعينيات، خُط تحتها عبارات تطالب بالحرية للمعتقل السياسي عليّ الجمّال، والتوقيع جبهة العمل الطلابي- جنين.

عرفت من عوض بعض المعلومات عن والده، ومنها ان عمره الآن 67 عاما، وانضم إلينا بعد قليل، شاب من مخيم جنين، الذي أشاد بشبوبية العم (أبو عوض).

عندما وصل الجمّال، بعد فترة قصيرة، سلمت عليه بحرارة، وعرفته بنفسي، وتحدثت باختصار عن معرفتي له من سجن رام الله. وتفهمي إن لم يتذكر ذلك الفتى المغمور الذي كنته وسط غابة من الرجال، مهددي أمن دولة إسرائيل.

بدا الجمّال، الأشيب الهادئ، هادئا، متحفظا إلى حد كبير، حذرا في الحديث، وهو على الأرجح، ما اكتسبه من تجربة السجن، وقراره بعدم الاعتراف، والصمود، وهو ما عزز لديه البعد عن الثرثرة، حيث أية كلمة زائدة، في التحقيق، أو في السجن، يمكن ان تؤدي إلى نتائج عكسية.

عرفت منه ان ولد عام 1947، في البداية قال انه ولد في حي المصاروة في جنين، الذي اخذ اسمه لأن معظم سكانه من أصول مصرية، وعندما خرجت أنا وهو من البيت، قال انه قد يكون ولد فيه، في حي المحطة.

سمح لي الجمّال، بتسجيل حديثنا، بعد ان بدأ جليد التحفظ يتكسر نسبيا، وسأحاول تلخيص اجاباته على أسئلتي، والتدخلات الاستفسارية، على لسانه، فيما يلي:

استشهد والدي عوض صالح الجمّال، وهو يدافع عن حدود جنين عام 1948، في وجه التهديدات الصهيونية، كان يحمل بندقية، عندما استشهد بنوبة قلبية على الأرجح أو جلطة، لا أعرف كم كان عمره آنذاك، ولكن كان عمري سنة، عشنا ظروفا صعبة. أنا الابن الوحيد، تركني والدي، مع أمي وزوجة أبي، والأخيرة كانت طباخة ماهرة، معروفة في الضفتين، بعملها كطباخة، عندما كان يزور الملك عبد الله الأول أو الملك حسين الضفة الغربية، تُستدعى لتطبخ، وتعد الولائم لهما وللحاشية وللضيوف، عملها كطباخة كان مصدر الأمن المالي لنا كعائلة، بعد استشهاد والدي.

درستُ في المدرسة العربية في جنين، وانتميت، صغيرا، لحركة القوميين العرب. كان ذلك خلال عامي 65 - 1967، تعرفت على أبي علي مصطفى، الذي كان مقيما آنذاك في جنين، ومن النشاطات التي شاركت فيها توزيع المنشورات.

اعتقلني جيش الاحتلال، من منزلي عام 1975، وبقيت في السجن حتى عام 1982، كأسير إداري من دون محكمة، وكنت بذلك صاحب أطول حكم إداري. بعد خروجي من السجن اعتقلت عدة مرات لفترات قصيرة، وفي عامي 87 - 1988، اعتقلت لمدة عامين إداريا في سجن النقب، وبذلك قضيت 9 سنوات في الاعتقال الإداري.

عندما اعتقلت للمرة الأولى، مكثت في التحقيق 100 يوم، وتعرضت للتعذيب في أكثر من مكان: سجن جنين، زنازين سجن رام الله، ومعتقلات في الأراضي المحتلة عام 1948 لا أعرفها. من أساليب التعذيب التي مارسوها علي: ربطي على ماسورة بينما الماء يصب على رأسي طول الوقت، والربط بالكرسي، والضرب الشديد، لقد تعرضت للضرب في كل السجون التي حُقق معي فيها. من الذين حققوا معي من رجال المخابرات أصحاب الأسماء الكودية: أبو علي ميخا، ومناحم، وأبو جميل.

التحقيق معي تركز حول مقتل الضابط الإسرائيلي في الحسبة (سوق السيباط)، قبل اعتقالي بعام، وعن التنظيم الذي انتمي إليه، وعن علاقتي بشبان آخرين. انكرت أية علاقة لي بمقتل الضابط، أو أية علاقة مع أي تنظيم.

ما تعلمته من تجربة التحقيق، معرفتي مقدار الحقد الذي يكنه الإسرائيليون ضد شعبنا، ومدى قذارة الأساليب التي يستخدمونها في تعذيب اسرانا. التقيت في زنازين التحقيق الشهيد محمد قطامش، كنت في زنزانة وهو في زنزانة، واستطعنا ان نتحدث معا، وفي وقت لاحق جمعتنا زنزانة واحدة.

خلال فترة التحقيق معي استشهد في الزنازين، المناضل محمد الخواجا، لم أعلم بوجوده، عرفت باستشهاده بعد نزولي إلى الغرف، في سجن رام الله.

في تلك الفترة، لم يكن عدد الأسرى الإداريين كبيرا، كنّا نحو 10 - 12 معتقلا، معظمهم من الجبهة الوطنية، أتذكر منهم: عطا الله رشماوي، وخضر العالم، وغسان حرب، وتيسير العاروري.

أصبحت في سجن رام الله، ممثلا للمعتقلين أمام ادارة السجن، لم أفرق بين الأسرى على أساس حزبي، ضايقتني كثيرا الخلافات بين الفصائل، ومرة وضعت شعار الصليب الأحمر على قميصي، كنوع من الاحتجاج على اشتداد الخلافات بين الفصائل، قلت لهم: عيب عليكم، عدوّنا واحد.

كانت زيارة الأهل تتم كل شهر، سمحوا لأمي بزيارتي، بعد انتهاء التحقيق معي بفترة، مثل كل الأسرى، كنت أتأثر خلال الزيارات عندما أرى أمي، لكنها لم تلمني أبدا.

من خلال هذه الزيارات، كنت على اطلاع على ما يجري في الخارج، واهتمام الناس بقضيتي، لكنني لا أتذكر ماذا كانوا يغنون، فأنا لا أحفظ الأغاني.

كل ستة أشهر كان يتم تجديد الاعتقال الإداري، توارى الأمل بالإفراج عني مع تكرار التجديد، وقبل سنة ونصف من الافراج عني، رفضت المثول أمام ما تسمى لجنة الاستئناف العسكرية، التي تبحث تجديد الاعتقال الإداري. سألت القاضي العسكري، إذا كان يستطيع إطلاق سراحي، فقال لا، مشيرا إلى ان القرار يتعلق بالمخابرات، فقلت: لماذا اذن أمثل أمامك؟

في إحدى المرات كنت ألعب النرد مع المناضل المخضرم عطا الله أبو غطاس، في غرفة السجن، وجاء شرطي نادى على اسمي لأمثل أمام اللجنة، فرفضت الخروج، فقال لي أبو غطاس بلهجته البيتجالية المخضرمة: "قبرت أهلك، بدكش تطلع؟".

قدمت محاميتي ليئا تسيمل، استئنافا لمحكمة العدل العليا الاسرائيلية، حول استمرار اعتقالي الطويل من دون محاكمة، قدمتُ خلال الجلسة مرافعة سياسية، ذكرت فيها ان قانون الاعتقال الإداري، هو قانون جائر، ضد الانسانية، تستخدمه الأنظمة القمعية مثل جنوب أفريقيا.

المدعي العام قال في الجلسة، ان اطلاق سراحي، يُمَثِل خطورة على الناس. طبعا هذا الكلام أثار سخريتي. فالناس ناسي، والاحتلال هو من يهدد وجودهم، وحياتهم.

هيئة المحكمة منحت دولة الاحتلال، فترة لا تتجاوز شهرين، يتم خلالها تقديم لائحة اتهام ضدي، أو الإفراج عني. وربما كان هذا القرار نتيجة الضغوط الدولية المتزايدة.

أذكر ذلك اليوم جيدا، كنت خارج الغرف في سجن رام الله، جاء ضباط العدد وأظن اسمه يوآف قال لي: ادخل إلى الغرفة، فاعتقدت ان هناك حملة تفتيش، ثم جاء وطلب مني تحضير جميع ملابسي، اعتقدت انه سيتم نقلي أو إبعادي خارج البلاد. طلب مني الإسراع، ولم يكن يريدني أن أودع زملائي الأسرى، فقلت له: لن آتي معك دون توديع جميع الأسرى، فرضخ لإلحاحي، وقال ان عليَّ الإسراع، وان هذا "الوقت المستقطع" هو منحة منه، وقرار اتخذه على عاتقه الشخصي، وعلي ألا أحرجه، فقلت له: مِنك أو مِن غيرك لن أخرج إلا بعد توديع الزملاء، وهذا ما حدث، سلّمت على زملائي في الغرفة، ودرت على جميع الأقسام مودعا الأسرى.

أدخلوني إلى غرفة قائد سجن رام الله، وكان في تلك الأيام درزيا، أصبح لاحقا مديرا لمعتقل جنيد، ووجدت الحاكم العسكري لجنين، وهو أيضا درزي اسمه عميد، وفي الغرفة جنود ومجندات.

بدأ الحاكم العسكري يتحدث ويطلق تهديدات: "البلد هادئة، ولا توجد مشاكل في جنين، ودير بالك، لن تكون بعيدا عنّا، إذا حدث أي شيء يعكر صفو الأمن"، فهمت من كلامه بأنهم على وشك الإفراج عني، فقلت له: "هل تعرف شخصا اسمه علي الجمّال؟ أنا هو هذا الشخص، أنا مسؤول عن نفسي فقط، وأنا أصلا لا أتدخل في شيء، واعتقلت من دون تهمة أو محاكمة".

تحدث مدير سجن رام الله، متمنيا لي التوفيق في حياتي الجديدة، طالبا مني ترك ما وصفه بـ "الدواوين والكلام الفاضي".

عندما خرجت مِن الغرفة وجدت أمي تنتظر، وكان لقاء عاطفيا مفعما بالمشاعر، علمت ان حاكم جنين العسكري، استدعاها وجلبها معه إلى هنا، هو في سيارته العسكرية، وهي في مركبة أخرى خلفه. أخبروني بانه ممنوع عليّ الذهاب إلى مدينة رام الله، طلبوا سيارة أجرة (تكسي) دفعنا اجرته، نقلنا مِن سجن رام الله إلى جنين مباشرة.

وأخيرا جنين، بعد سبع سنوات، من الغياب. أمور كثيرة تغيرت، الأطفال كَبِروا، والكِبار غادروا، والنّاس لم يكونوا كما تركتهم. أستقبلت بحرارة، وعلى مدى سنة، أتت الوفود تأتي للسلام عليَّ مِن مختلف المناطق الفلسطينية.

عدت إلى مهنتي الأولى قبل السجن، افتتحت مقصفا، يقدم القهوة والشاي والشاورما، والساندويتشات، دخلت السجن وعمري 28 سنة، وخرجت وعمري 35 سنة، وبعد عام تزوجت.

بعد اتفاق أوسلو، الذي عارضته، رفضت الانضمام للسلطة، لأسباب مبدئية، وبقيت كما أنا، بعيدا عن الأحزاب، أخدم جميع أفراد شعبنا.

وأنا في السجن كنت وزملائي نبني آمالا كبيرة، كنّا على ثقة بأننا سنتحرر، ونبني دولة ديمقراطية، لكن هذه الآمال تبخرت، الأوضاع تسوء.

لا أقرأ الآن كثيرا، اتابع فقط الأخبار السياسية، معظم الذين زاملتهم أصبحوا من المسؤولين الأمنيين والمدنيين في السلطة، التقي بعضهم في المناسبات، ونستذكر أيام السجن، لا أشعر بأي ندم على التجربة التي خضتها، لكنني أشعر بأنه كان يمكن أن تكون الأمور أفضل، اعتبر نفسي بأنني لم أُقدم ما كان يجب أن أقدمه لوطني، تسألني عن الصلابة، مردها التصميم والارادة".