المسلسلات المدبلجة.. متابعة شبابية وتحذيرات دينية

استراحة الحياة

علاء الهجين

لم تخف منى ناصر (21 عاما) طالبة الصحافة في الجامعة الاسلامية بغزة شغفها الشديد بمتابعة المسلسل الهندي المدبلج "هاي الأيام" لأنه يحاكي قصة تتوافق مع ميولها ورغبتها بالمشاهدة, ومن شدة التعلق بمتابعة هذا العمل الدرامي بات جزءا من حياتها حتى أصبحت تتخيل ما سيحدث بالحلقات المقبلة, ووصل حبها له لدرجة باتت تشعر بالحزن ان اصاب بطلي المسلسل أي مكروه.

وعندما يقترب موعد المسلسل تجلس منى بالقرب من التلفاز ويكون جل اهتمامها وتركيزها على احداث الحلقة, وتطالب افراد أسرتها بالهدوء التام.

تقول منى: "أحب متابعة مسلسل (هاي الأيام) لأنه يتحدث عن قصة شيقة، واحيانا كثيرة اكرر مشاهدة حلقاته على اليوتيوب لشدة اثارتها".

وتضيف: "كنت أتابع سابقا المسلسلات التركية المدبلجة, لكن عندما بدأت القنوات ببث المسلسلات الهندية اصبحت أتابعها باستمرار كونها تتناسب مع رغبتي بالمشاهدة".

وتتابع: "بالرغم من متابعتي لهذه الأعمال الدرامية واحتلالها لجزء كبير من وقتي، الا انها لم تشغلني عن دراستي, حيث اتابعها خلال وقت فراغي, ورغم حبي الشديد لمتابعة بطلي المسلسل، الا انني لا أتمنى أن أعايش القصة واقعيا لأنها لا تتناسب مع عاداتنا وتقاليدنا".

والمسلسلات المدبلجة يقوم بتمثيلها مجموعة من الممثلين غير العرب, وبغير اللغة العربية, ويأتي من يدبلج كلامهم صوتيا, حتى يخيل للمشاهد أن الممثل الأصلي هو من يتحدث, وقد تكون الدبلجة حرفيا فقط بادراج العبارة المناسبة للحديث منطوقة من شفتي المتحدث.   

والرائج في المجتمعات العربية حاليا هو وجود مسلسلات مدبلجة من تركيا والمكسيك، والهند وكوريا وأميركا، وأما السائد في الدبلجة، فهو استخدام اللهجة السورية.

وباتت تستقطب الأعمال الدرامية المدبلجة الصغار والشباب والرجال والنساء، وهناك من يرى انها أثرت سلبيا على سلوك الشباب في مجتمعنا وجعلته يتشرب قيما غريبة عليه.

الطالبة ياسمين مهنا (21 عاما) من جامعة الأزهر تخصص انجليزي - فرنسي تؤكد انها تتابع المسلسل التركي المدبلج "العشق الأسود", وهو جزءين, وبدأت متابعته من حلقته الاولى، واكملت الجزء الأول، وتتابع الآن الجزء الثاني, مشيرة الى انها تكون سعيدة اذا ما كانت هناك اجزاء اخرى من المسلسل تنوي القنوات عرضها.

وتوضح ان اهتمامها بحلقات المسلسل يكون حسب احداثه, فأحيانا تكون الأحداث مثيرة وتنتهي الحلقة عند نقطة تجبرها على تخيل ما سيحدث من مشاهد وانتظار الحلقة المقبلة بفارغ الصبر, واحيانا اخرى تكون المشاهد عادية.

وتؤكد انها تحب شخصيات المسلسل خاصة البطلين لدرجة انها باتت تحلم بأن تعيش بعض المشاهد وتطبقها على أرض الواقع.

آلاء محمد  (20 سنة) طالبة في جامعة الازهر بغزة تخصص صيدلة تقول انها تتابع المسلسل الكوري "أنت جميل " وهو عبارة عن 25 حلقة، مشيرة الى انها بدأت متابعته من الحلقة الاولى وتهتم كثيرا بتقليد شخصيات المسلسل لأنها تعتبر الشخصيات الكورية المفضلة بالنسبة لها. وتشير الى انها اعجبت بقصة المسلسل وجذبها طريقة عرض احداثه, بالإضافة الى احتوائه على ممثلين مميزين, ومن الممكن أن تترك دراستها لمتابعة الحلقة وقت عرضها.

أما الطالب عبد الله مغاري (22 عاما) تخصص علاقات عامة بجامعة الأزهر في غزة فيقول انه لا يتابع المسلسلات المدبلجة بشكل عام, لكن سبق وان اطلع عليها دون تعمق.

ويضيف "أنا لا اتابع مثل هذه الأعمال لأنها لا تتوافق مع  قيم وعادات مجتمعنا, باعتبارنا مجتمعا محافظا, فعرض هذه المسلسلات يؤثر سلبا على الشباب العربي عامة, ولوحظ بشكل كبير في الآونة الأخيرة حدوث حالات طلاق".

الشاب ابراهيم السقا (22 عاما) من خان يونس يقول: في الآونة الاخيرة بدأت المسلسلات تظهر على قنواتنا بشكل كبير للغاية خاصة المدبلجة (التركية والهندية والكورية والمكسيكية) وهذا يؤثر كثيرا على تفكير الشباب والفتيات والمجتمع بأكمله، ويهدف الى تدعيم ثقافة الغرب التي تخالف تعاليم ديننا الاسلامي، والسيطرة على عقول العرب والمسلمين.

ويضيف: "أنا شخصيا لا أتابع مسلسلات المدبلج, وأرفض متابعتها ايضا من قبل أي فرد من عائلتي خاصة الفتيات لأنها تبث مشاهد منافية للأخلاق".

 

تحذير

وحذر اعلاميون واكاديميون ورجال دين من خطر بث الفضائيات العربية لمثل هذه الأعمال التي تؤثر سلبا على مستقبل الشباب العربي, مؤكدين أن التدفق الكبير لها سيشكل تحديا كبيرا وخطيرا وتعديا على العادات والتقاليد العربية والاسلامية.

فدوى الجعبري استاذة الاذاعة والتلفزيون بجامعة الأقصى في غزة تقول: في الآونة الاخيرة شهد العالم العربي تدفقا للمسلسلات المدبلجة عبر الفضائيات، وشبهت انتشارها كالنار في الهشيم .

وتضيف: لا يوجد تعلم من هذه الأعمال سوى انها تبث السموم والانحطاط الاخلاقي, وجمهور الفتيات خاصة يعتقدن أنهن بمتابعة مثل هذه الأعمال سيلتحقن بركب الحضاريات, وأن التحدث بلغة السوري التي تبث بها دبلجة المسلسلات ستساعدهن على ذلك.

وتشير الجعبري الى ان الشباب الغزي كثيرا ما تأثر بأبطال المسلسلات وباتوا يضعون صورة بطلهم على ملابسهم, ويقلدون قصة شعرهم, وبعضهم أصبح يريد زوجة بمواصفات تلك الممثلة.

وأكدت ضرورة قيام مؤسسات المجتمع المدني بدور توعوي وارشادي وعقد ندوات لمختلف الأعمار والتحذير من آثار مشاهدة هذه المسلسلات, وحثت على تنظيم برامج ارشادية يقدمها متخصصون لتوعية أولياء الأمور من آباء وأمهات وقائمين على الأسر والبيوت, وأوصت بتخفيف مدة ساعات البث للمواد الأجنبية والبرامج الوافدة والأفلام التجارية "الهابطة" واستبدالها بمواد تثري الثقافة العربية.

 

ارهاق

ويؤكد جميل الطهراوي استاذ الصحة النفسية المشارك في الجامعة الاسلامية ورئيس مجلس ادارة جمعية أصدقاء الصحة النفسية ان الاستغراق في نوع معين من الأشياء بصفة عامة يرهق الشخص, لأنه يركز على حاجيات معينة ويتابعها باستمرار ويقضي جل وقته في التركيز عليها, وهذا قد يؤثر عليه بالسلب احيانا, في حين أن المطلوب من الشخص هو ان يكون متعدد المواهب.

ويشير الطهراوي الى أن محتوى المسلسلات المدبلجة يمثل مشكلة كبرى, كونها تحتوي على ثقافة مضادة للثقافة الفلسطينية ولا تناسب واقع حياة المواطنين في غزة.

ويضيف: "الأعمال الدرامية المدبلجة المستوردة التي تبث عبر الفضائيات العربية تحث الشباب الفلسطيني خاصة فئة المراهقين على العيش بالخيال, ويسقط نفسه ويتمنى أن يصبح مثل أبطال المسلسلات, ويقلد كل ما يحدث بها من مشاهد, ومن الممكن أن تمس الغرائز عند المراهق, فينقلب على عاداتنا وتقاليدنا ويلجأ الى مخالفة الشريعة الاسلامية".

ويتابع: "الشاب الفلسطيني سيقطع ارحامه وزيارة أقاربه اذا ما استغرق في متابعة مثل هذه الأعمال المنافية للعادات, فميزة المشاهدة على اليوتيوب جعلت المتابع يصل أحيانا لمشاهدة 10 حلقات يوميا, وكل حلقة مدة بثها لا تقل عن ساعة وبالتالي سيعزل الشخص عن أهله وأسرته ومجتمعه".

ويؤكد أ. د زكريا الزميلي استاذ التفسير وعلوم الدين ومشرف الدراسات العليا بكلية أصول الدين بالجامعة الاسلامية "ان الهدف من بث وتدفق المسلسلات الأجنبية والمدبلجة الى العالم العربي عبر الفضائيات الاختلاط والتبرج والتملص من الواجبات الأسرية".

واشار الى أن ما تقدمه الأعمال الدرامية المدبلجة يدعو بطريقة مباشرة لإبراز المرأة الغربية التي تجردت من قيود المجتمع لها.

وقال ان المسلسلات الاسلامية يوجد بها أيضا نوع من الفتنة, حين يكون الطعن فيها خفي, فالوالي بالمسلسل الاسلامي يكون لديه حوالي 20 جارية يستخدمهن متى يشاء ويشبع رغبته منهن, وهذا يعتبر خللا في عرض مثل هذه المسلسلات لأنها تتنافى مع عقيدتنا الاسلامية.

وأضاف: "نحن بحاجة الى مسلسلات موجهة للشباب تهدف الى تنمية أخلاقهم واستقامتهم, بحيث يقاومون كل أنواع المغريات اذا ما فرضت عليهم".

وتؤكد رويدة أبو منديل استاذة الصحافة بجامعة الأقصى في غزة أن مجتمعاتنا العربية من أكثر المجتمعات مشاهدة للمسلسلات المدبلجة وهي تحمل ثقافة مختلفة عن ثقافة المواطن العربي، لذلك عند الحديث عن تأثير تلك المسلسلات على الجمهور العربي لا شك أن هذا التأثير يأخذ جانبين: الجانب السلبي ويتمثل في التقليل من قدسية الحياة الزوجية بسبب الخيانة وإثارة الغرائز وإعطاء نظرة جميلة عن الحب والعشق وتشجيع أساليب العنف والقتل والتصفية الجسدية إضافة إلى طرح حلول لهذه المشاكل لا تتناسب مع عاداتنا وتقاليدنا.

وتضيف أبو منديل: "لكن هذا لا ينفي وجود بعض الايجابيات لهذه المسلسلات منها تعزيز قيمة الكفاح والتضحية من أجل الخير والوفاء والتركيز على شجاعة المرأة في أخذ القرار الخاص بها  واحترام الكبار من الأهل  وحب الأطفال".

وأضافت: ليست كل المسلسلات تحمل جوانب سلبية وإنما هناك الكثير من المسلسلات تحمل قضايا ايجابية مثل حب الوطن ورفض خيانته، وهنا نركز على قضية مهمة وهي يجب ألا نتعامل مع المشاهد العربي على انه متلق سلبي لتلك المسلسلات فالمرأة العربية واعية فهي تتابع لكنها حريصة على قيمها ومبادئها التي تربت عليها وهنا نشدد على دور الأسرة في متابعة الأبناء والفتيات عند مشاهدتهم لتلك المسلسلات خصوصا صغار السن.