اسرائيل في وضع المجرم الفار

معاريف – ران ادلست

حملة الـ "بي.دي.اس" لا تقتل الناس، لكنها قد تكون المعركة الأشد التي تقف امامها دولة اسرائيل. هذه حرب للحياة والموت على الصورة والهوية لمواطنيها. اذا ما خسرنا في هذه الحرب، سنصبح رسميا دولة منبوذة. وعندي أخبار اسوأ بكثير: فليست دولة اسرائيل هي المنبوذة بل أنا وانتِ وانتم وانتن – كلنا منبوذون.
اذا كان في اسرائيل مشكلة المنبوذين هي شبه انكار، ففي أوساط يهود العالم ولا سيما البارزين منهم، هذه ضربة قاضية. "مهمتنا هي أن نعرض اسرائيل الحقيقية"، قال حاييم سبان، الملياردير والفهيم السياسي بشكل عام، في مؤتمر الطوارئ لمعالجة الـ "بي.دي.اس" الذي بادر اليه شلدون ادلسون. ولا استطيع أن أوصي كبار رجالات القمار والألعاب كيف يعمل المال، لكن ليس لديهم ذرة أمل في أن يواجهوا الاعلام العالمي الذي يعرض اسرائيل على مدى 24 ساعة في الأسبوع "اسرائيل الحقيقية" في الضفة والقطاع.
ويعود سبب فزع الرجلين الى أن نبذ اسرائيل يتعلق بيهود العالم، وهذا شر للروح وشر للتجارة. "هل المقاطعة ترتبط بسياسة حكومة اسرائيل؟"، تسأل دانا فايس (القناة 2) ادلسون. "اناس مثلك يقولون..."، يجيب ادلسون، "هل هذه حقا ضد سياسة اسرائيل؟"، هم يصورون اسرائيل كشريرة قبل ان يعلن احد على الاطلاق بان هذه سياستها".
حسنا، لا معنى من خوض جدال مع من يدعي بانه يعرف ما هي اللاسياسة الاسرائيلية. كما لا معنى ايضا للجدال مع نائبة وزير الخارجية، تسيبي حوطوبلي ("الرب اعطانا البلاد"، "توراتنا المقدسة"). مفهوم أن رجال وزارة الخارجية ايضا يفهمون بان هذا هذيان، ولكن بعد الحياة مع الهذيان الخاص بليبرمان، فان الحرب ضد المقاطعة جاءت لهم بالبهجة. فلديهم "حرب"، وميزانيات واجماع – فما الضير؟ وباستثناء انعدام الجدوى، فان هذه غاية عمل وزارة خارجية في حكومة ملها العالم. ولادلسون على الأقل توجد طفولة صعبة يمكن أن تفسر دوافعه: "الناس يمكنهم أن يوافقوا او لا يوافقوا على سياسة الحكومة"، يقول، "ولكن لا صلة لهذا باللاسامية. وعندما كنت فتى ..." وما شابه.
وبالفعل، اللاسامية هي أداة الاعلام الاكثر انتشارا لحكومات اليمين. ضد المستوطنات؟ لاسامية. مع دولة فلسطينية؟ لاسامية. خسرنا في المباراة؟ الحكم لاسامي. يرفضون العرب في اسرائيل؟ لاساميون. ومثلما في الفوتوشوب السريع، ترتبط اللاسامية بالعنصرية والكارثة وتجعل اسرائيل دفعة واحدة من قوة عظمى شرق اوسطية مسلحة وعنيفة حتى اذنيها، طفلا خائفا يرفع يديه في غيتو وارسو. 
هذا لا يعني أنه لا توجد في العالم لاسامية. فهي تربض كالجمر السام منذ ايام العداء لليهود وبعد أن كانت مقبولة مثل كراهية العرب في اوساط الجموع القومية المتطرفة في اسرائيل. غير أن العالم المتنور، لا سيما بعد الكارثة، يخوض كفاحا خاصا به ضد اللاسامية مثلما يخوضه ضد كراهية الآخر.
كقاعدة، عندما يكون العداء لاسرائيل جراء مشاهد الاحتلال يرتبط باللاسامية القديمة تطفو هذه الجديدة، التي هي خليط من رواسب اللاسامية واللااسرائيلية المحتلة. هذه الظاهرة يفترض أن تقلق ان لم يكن تخيف، ليس فقط شلدون وسبان بل ايضا الاسرائيليون الذين لم يشهدوا مظاهر العداء على المستوى الشخصي جراء كونهم اسرائيليين ويهود.
وبينما يستثمر هذان الرجلان، أدلسون وسبان، الحملات والايدي، قفز على نحو شبه تلقائي البروفيسور والمحامي الن درشوبتش ليقول ان "هدف رجال الـ "بي.دي.اس" ليس تحقيق سلام بين دولتين، بل ابادة اسرائيل. إذن هاتوا أولا نهدئ روعكم: المقاطعة لا تستهدف ابادة اسرائيل (بل وهي لا تستطيع ايضا) بل وقف الاحتلال والحصار على غزة. صحيح أن درشوبتش قال: "انا مع دولة فلسطينية مثل معظم الاسرائيليين"، لكن ماذا بالنسبة للسيد نتنياهو؟ هل يوم الجمعة في الساعة العاشرة والنصف هو مع دولة فلسطينية أم ضدها؟ وهذا هو كل السحر الذي في "الاعلام" على نمط بيبي.

مقاطعة الواقع
بالمناسبة، فشلت الأسبوع الماضي حملة اعلامية تعود لعشر سنوات وملايين الدولارات مولت محامين واوهام عن اعتراف اميركي بالقدس كعاصمة اسرائيل. ومثلما في حينه، اليوم ايضا يتزود كل "اعلامي" بصندوق ادوات منطقية وواقعية يستخدمه في الحرب ضد الـ "بي.دي.اس". المشكلة هي ان المقاطعة تنال الزخم لأنه من دون أن تشعر، بعد سنوات من التنقيط الثابت لمظاهر الاحتلال، اجتزنا كدولة وكمجتمع الخط الغامض للشرعية. فاليوم نحن نوجد في وضع المجرم الفار الذي من حق كل مواطن متنور أن يطلق النار عليه. 
ان فكرة أنه يمكننا بواسطة "الاعلام" أن نمنع مزاجا حسيا ما هي فكرة سخيفة. 100 مليون، ولا يهم في أي عملة، خصصت للحرب ضد المقاطعة وفي هذه الاثناء فان "الاعلام" سيضرب اعداء اسرائيل بالصدمة على الركبة وحتى الصحف الاقتصادية تبلغ عن انخفاض دراماتيكي في التصدير الى اوروبا، وعن الخوف من أن تنتشر المقاطعة لمنتجات المستوطنات لتشمل منتجات اسرائيل.
وكل هذا مقدمة للعقوبات السياسية ليوم غد. الصحيح هو أن الدول، بما فيها الاوروبية، تعارض الآن المقاطعة الاقتصادية او الاكاديمية. بل ان الرئيس الفرنسي يتحفظ على مبادرة المقاطعة اللحظية التي قام بها رئيس اورانج العالمية ستيفان ريشار، لكن محظور ان نخطئ. معظم بلدان العالم ترى في مقاطعة الـ "بي.دي.اس" اداة ناجعة توضح لاسرائيل ما الذي ستواجهه اذا ما استمرت في رفضها.
وهذا لا يتعلق بالمال فقط. فالمنظمة الطلابية العليا في بريطانيا، التي تمثل ملايين الطلاب في مؤسسات التعليم العالم، قررت الانضمام الى حركة الـ "بي.دي.اس" واتخذ القرار بأغلبية 19 صوتا مقابل 4. ومن اجل الايضاح لمن يلوح باللاسامية على ماذا يدور الحديث، فان ملحق القرار بالمقاطعة يندد صراحة بالتواجد العسكري الاسرائيلي في الضفة الغربية وفي قطاع غزة.
ان حل وزيرة العدل شكيد اكثر جرأة من حل نائبة وزير الخارجية تسيبي حوطوبلي: "مقاطعة المقاطعين"، أو بلغة البشر "مقاطعة الواقع". ومن أجل الايضاح للسيدة شكيد بانها ليست فقط "تبسيطية"، كما وصفها برقة المستشار القانوني للحكومة، بل ومنقطعة عن الواقع ايضا، كنت أقترح عليها أن تحاول الطلب في مطعم تل أبيبي نموذجي نبيذا من مخمر غوش عتصيون وتسمع رد المالك. كما كنت سأوصيها الا تجري استطلاعا اسرائيليا داخليا يسأل من كان سيرفض شراء منتج ما اذا كان يعرف بان هذا منتج في مستوطنة (انا مثلا). اخشى ان الجواب كان سيجبرها على مقاطعة نصف الشعب، لكنها في واقع الامر هي ورفاقها يفعلون ذلك على أي حال.
ان المقاطعة الحقيقية لسياسة الحكومة يجب أن يقودها مواطنو اسرائيل. في 2011 سن "قانون المقاطعة" الذي يسمح برفع دعاوى التعويض على كل شخص يدعو الى المقاطعة على دولة اسرائيل، وأنا افترض بأنه مع التواءة تشريعية اخرى سيكون ممكنا معاقبة ايضا من يدعو الى المقاطعة على الحكومة. الى أن يحصل هذا، فان مئة الف سيارة مع ملصق "نحن ايضا نقاطع الحكومة"، كفيلة بان تكون المنعش الرسمي للصيف.