صمت الخراف

معاريف - بقلم: تل ليف رام

بيان جهاز الامن العام "الشاباك" – المخابرات الذي سمح بنشر أمر اعتقال المشبوهين بقتل الفلسطينية عائشة الرابي في العملية قبل نحو ثلاثة اشهر يجسد، رغم التقدم في التحقيق، المصاعب القانونية لدى المخابرات والشرطة في مواجهتهم للارهاب اليهودي. عمليا، بخلاف "الارهاب" الفلسطيني، الذي تتركز فيه معظم الجهود بعد الحصول على المعلومات الاستخبارية على العثور على المشبوهين واعتقالهم، ففي مثل هذه الاحداث يجد جهاز الامن العام الصعوبة اساسا في الحصول على شهادات وأدلة تثبت لائحة الاتهام.        
هكذا مثلا، اعتقال المشبوهين المركزيين الثلاثة في قتل الفلسطينية. فقد اعتقل المشبوهون بعد اكثر من شهر ونصف الشهر من الحدث، رغم أن اتجاهات التحقيق لدى المخابرات كانت واضحة منذ مرحلة مبكرة. ففي المخابرات كانوا يعرفون منذ الايام الاولى بعد عملية رشق الحجارة عن الارشاد الشاذ الذي قدم لابناء الشبيبة في المدرسة الدينية في رحاليم والذي قدمه لهم في اثناء السبت بعض الاشخاص الذين خرجوا خصيصا من يتسهار. وحسب الاشتباه فانهم لم يترددوا في تدنيس السبت والخروج بسيارتهم الى المدرسة الدينية في رحاليم كي يرشدوا الفتيان على كيفية مواجهة تحقيقات المخابرات.
اغلب الظن عرفت المخابرات كيف تحدد المشبوهين المركزيين منذ الايام الاولى ما بعد العملية، ورغم ذلك استغرقهم اكثر من شهر ونصف لاعتقالهم. وذلك فيما أن الدرس المركزي من احداث سابقة كان جعل التحقيق علنيا فقط في مرحلة تكون فيها ادلة ملموسة كافية.
بخلاف الصورة التي تحاول رسمها محافل في اليمين، فان كل عمل يقوم به جهاز المخابرات مسنود من المحكمة في اسرائيل. اما الادعاء وكأن المخابرات تدير في هذا الموضوع سياسة خاصة بها فهو ادعاء ديماغوجي في افضل الاحوال. عمليا، فان الدولة بمؤسساتها هي التي تسمح للمخابرات باتخاذ خطوات شاذة في التصدي للارهاب وفي هذا الموضوع لا ينبغي ان يكون تمييز بين الارهاب اليهودي والارهاب الفلسطيني.
في جهاز الامن يتعاطون مع العملية في قرية دوما في تموز 2015 كخط الفصل. حتى العملية، التي قتل فيها ثلاثة من ابناء عائلة دوابشة، كان هناك من ادعوا تجاه جهاز المخابرات بانه لا ينجح التصدي للارهاب اليهودي. في التحقيق في العملية في دوما تغيرت القواعد ونزعت القفازات، والتحقيق مع المشبوهين دار مثلما يدور مع المشبوهين بالارهاب الفلسطيني.
بعد القتل في دوما، اتخذت في الميدان عدة خطوات، مثل الاعتقالات الادارية وابعاد نشطاء اليمين المتطرف عن المنطقة. في اختبار النتيجة على مدى اكثر من سنتين طرأ انخفاض دراماتيكي في عدد احداث تدفيع الثمن. وفي السنة الاخيرة سجل مرة اخرى ارتفاع، مع نحو خمسين حدث تدفيع ثمن، نحو خمسة منها تعرف كاحداث ارهاب. وهذا ميل يقلق الامن جدا.
تتراوح اعمار المشبوهين بعمليات تدفيع الثمن بين 15 و 20، معظمهم قاصرون تساقطوا من جهاز التعليم ويأتون في مرات عديدة من خارج يهودا والسامرة. ومقارنة بالحدث في قرية دوما، فان المشبوهين في العملية الاخيرة لم يخضعوا للتحقيق ضمن مصادقات خاصة بصفتهم قنبلة متكتكة، ومع ذلك صدرت للتحقيق مصادقات استثنائية من جانب المحكمة.
تدعي محافل في اليمين ان سلوك المحققين مرفوض، كون الحديث يدور عن قاصرين. وهنا يُسأل بالطبع السؤال اذا كان من يدعي استخدام وسائل مرفوضة في مواجهة الارهاب اليهودي، مستعد ايضا لان يحتوي سلوك حيال فتيان فلسطينيين نفذوا عمليات "ارهابية"، وماذا سيكون الاثر العملياتي على أمن سكان "يهودا والسامرة" اليهود، في حالة وجود قيود اكثر تشددا على التحقيق مع الفتيان الفلسطينيين المشاركين في "الارهاب". صحيح أنه لا يجب التشبيه في المعطيات بين عدد عمليات الافراد الخطيرة، التي نفذها يهود في السنة الاخيرة، مع عدد العمليات التي ينفذها الفلسطينيون في يهودا والسامرة، ولكن من لحظة العملية فانه في الدولة التي تحترم القانون فان المعاملة مع خطورة الحدث متشابهة وغير قابلة للتفسيرات، ولا سيما حين تكون العملية تنتهي بنتيجة فتاكة.
كما أنه كان في بيان جهاز الامن امس الاول فقرة شاذة: "منذ بدء الاعتقالات، يلاحظ جهاز المخابرات جهدا مبادرا اليه ومتواصلا من جانب محافل ذات مصالح للتشهير بالجهاز وعامليه ونزع الشرعية عن اعماله". محظور عليها الاستخفاف بما ورد في هذا البيان، مثلما ايضا في نشر افساد اعلام اسرائيل من قبل منظمات اليمين المتطرف. بالتأكيد يعد هذا بيانا رسميا يمكن أن نلاحظ فيه احباط الجهاز من أنه لا يحظى باسناد واضح في هذا الموضوع من رئيس الوزراء ووزرائه.
ان صمت السياسيين في هذا لوقت مثير للحفظية. فالتقدم في التحقيق في قتل الفلسطينية كان يفترض أن يؤدي على الاقل الى اسناد جهاز المخابرات. هذا صحيح بالنسبة لقادة الاستيطان في "يهودا والسامرة"، الذين بالتأكيد يعارضون الارهاب اليهودي، صحيح لوزراء الحكومة وصحيح لمتنافسين كثيرين في الانتخابات. ولكن في ايام الانتخابات، فان ما كان ذات مرة واضحا من تلقاء ذاته أصبح خيارا، وهذا ما سيحتاج جهاز الامن العام، الشرطة والجيش الاسرائيلي ان يتصدوا له وحدهم تقريبا.