يوسف عصفور.. رجل لم يغيره المال ولم يغش عينيه بريق الثروة

كتب: أمجد التميمي
نشأ في بيئة ريفية بسيطة، أكسبته طيبة الفلاح الأصيل؛ وقوة شجرة الزيتون؛ وعشق تراب الأرض حد الهيام، لم تجرفه الثروة ومغرياتها بعيدا عن واقعه، ولم يحلق في فضاء من الخيالات والوهم. 
وضع رجل الأعمال الدكتور يوسف عصفور، منذ نعومة أظفاره نصب عينيه حلم النجاح الذي راوده، وعمل بكل ما أوتي من جد وجهد لتحقيقه. 
كان الإيمان بالقدرة الالهية رفيقه الدائم في حله وترحاله، ما صنع منه رجلاً قدرياً بامتياز، لم تفت في عضده محنة، ولم تثنه عن هدفه المشقات والمحن، ولم تنل منه الشدائد قيد أنملة، بل زادته قوة وصلابة ليمضي نحو هدفه بتؤدة، ولكن بثبات المؤمن المتوكل على صاحب الأمر العلي القدير. 
هناك في قرية سنجل الوادعة إلى الشمال الشرقي لمدينة رام الله، ولأب فلاح هو الحاج عبد الله عصفور، ولد الابن يوسف، لعائلة فقيرة بل ربما تكون الأفقر في القرية.
ترعرع الطفل يوسف في هذه البيئة القاسية، ووسط فقر مدقع، التحق بمدرسة القرية التي تميز فيها بالذكاء والتفوق والحرص على دروسه، وإلى الآن يذكره معلموه كالأفضل بين أقرانه من التلاميذ.
إلا أن ذكاءه وتفوقه لم يشفعا له بإكمال دراسته الجامعية بسبب الفقر، إذ لم يجد من يسانده أو يدعمه ويقف إلى جانبه من كثيرين طلب منهم المساعدة لكن دون جدوى، ما اضطره في هذه الأجواء الصعبة إلى العمل تحت وطأة الفقر، فعمل في في فترة مبكرة من عمره، في البناء، وبيع الخضراوات والفواكه، وقطع مسافات طويلة على قدميه خلال تجواله في القرى المجاورة لقريته بحثاً عن رزقه، ومحاولة جمع مبلغ من المال يمكنه من إكمال دراسته الجامعية.
في السبعينيات من القرن الماضي انتقل يوسف إلى المملكة العربية السعودية، للعمل مع خاله في مجال التخليص الجمركي، عمل بجد ومثابرة، وتحمل مشقة العمل وقسوة الاغتراب، إلى أن قدر له أن يجمع بكده وعرقة مبلغاً بسيطاً من المال.
رجع إلى الوطن بغرض الزواج، وفعلا التقى برفيقة دربه التي يعزو نجاحه بعد الله إليها، كيف لا وهي التي صبرت معه على المحن والعقبات، ووقف إلى جانبه وساندته دون أن تبدي أي تبرم لتتجسد مقولة "وراء كل رجل عظيم امرأة".
اخذ يوسف زوجته وقفل راجعاً إلى السعودية، ليشرع في عمله الخاص الذي كان يتطلب منه السير على الأقدام مسافات طويلة، في ظروف قاسية إذ لم تكن السعودية في ذلك الوقت بالتطور الذي تشهده حاليا.
بدأت أحواله تتحسن نسبيا، وبدأ مشواره مع النجاح يتحقق بفضل من الله وتوفيقه أولا وبدعاء ورضا الوالدين ثانياً.
مع مرور السنوات انتقل يوسف عصفور إلى عالم التجارة ومجال الرخام والجرانيت، ثم إلى المقاولات، لتبدأ أعماله بالازدهار رويدا رويدا.
النجاح الذي تحقق للدكتور يوسف عصفور لم يجرفه إلى الانفصال عن واقع قريته ووطنه، بل دفعه للتمسك أكثر بهذا الواقع، ولم يبعده عن بساطة النشأة والبدايات رغم قساوتها، فأفضل إفطار لديه يتكون من "زر بندور وخيارة وخبز الطابون".
تتكون عائلة الدكتور يوسف عصفور من خمسة أبناء وفتاتين، يؤمن أن العائلة مصدر قوة، لا يفرق بين أحد من أبنائه، ويولي ابنتيه إسراء واماني كل الرعاية والحب، إذ اطلق اسميهما على بنايات يمكلها، ووفر لهما كل الدعم.
أنشأ ابناءه على قيم البساطة والتواضع، إيماناً منه بأن التواضع يجلب محبة الناس وتقديرهم، ويزيد الإنسان رفعة وسمواَ.
يحرص الدكتور يوسف عصفور كل الحرص على مساعدة أبناء بلده والوقوف إلى جانب اي محتاج، ويولي العلم اهتماما عظيما، ولهذا فقد تبرع ببناء مدرسة ثانوية في سنجل أطلق عليها اسم ابنته اسراء جهزها بكل المستلزمات، كما أسس في سنة 1995 الجامعة العربية الامريكية وهي الجامعة التي أصبحت الآن صرحاً علمياً يشار له بالبنان، ولم يعد هذا المشروع على المؤسسين بدينار واحد كأرباح حتى الان، بل ما يزال ينفق عليه لأغراض التوسع والتطوير.
جاء تأسيس الجامعة لإيمان الدكتور يوسف عصفور بضرورة وجود جامعة تطرح تخصصات مختلفة ومتميزة تغني طلابنا من الاغتراب للحصول على التعليم الجامعي. وهذا ما كان.
يحمل الدكتور يوسف درجة الدكتوراة الفخرية من جامعة أكسفورد في بريطانيا، وهي من اشهر الجامعات الأوروبية، وذلك نظير إنجازاته في التعليم والاقتصاد. 
ينظر الدكتور يوسف إلى تكريمه من قبل الرئيس محمود عباس، بمنحه نجمة الاستحقاق من وسام دولة فلسطين، نهاية العام الماضي، تقديرا لدوره الوطني المشرف، ومساهماته الاقتصادية في مجال التعليم العالي خدمة لقضايا شعبه ووطنه، بعين التقدير والعرفان، وأن تعبه وجهده خلال مسيرته لم تذهب سدى.. ويشعره بالرضا عن النفس.