عن عاموس عوز: أدب تجميل الصهيونية

أنطوان شلحت

ولد الكاتب الإسرائيلي الأكثر شهرة ومكانة عاموس عوز، الذي توفي يوم 28 كانون الأول/ ديسمبر 2018 عن 79 عامًا، في القدس عام 1939، باسم عاموس كلوزنر، ابنًا لفانيا ويهودا - أرييه كلوزنر، اللذين كانا منتميين إلى صفوف "الصهيونية التنقيحية" بزعامة زئيف جابوتنسكي.

ووفقًا لما كتبه في سيرته الذاتية الروائية "قصة عن الحب والظلام" (2002) فإنه في "سن أربعة عشر عامًا ونصف العام، وبعد انقضاء عامين على موت والدتي، أقدمتُ على قتل والدي وعلى قتل القدس كلّها، وغيّرت اسم عائلتي، ويمّمت بمفردي شطر كيبوتس حولـدا كي أعيش هناك فوق الأنقاض". وفي سياق لاحق يؤكد أنه أقدم على قتل والده بمجرّد تغيير اسم عائلته.

واسم هذا الكيبوتس تم استملاكه من خلدة، وهي قرية فلسطينية تقع على بعد 12 كيلومترًا إلى الجنوب من مدينة الرملة. وخلال نكبة 1948 جرى تهجير سكانها كجزء من عملية "نحشون" ودمرت في وقت لاحق، وفي العام نفسه أقيم كيبوتس آخر هو مشمار ديفيد على أرض القرية المدمّرة.

كان انتقال عوز هذا بمثابة نقلة فكرية من صهيونية جابوتنسكي، التي رفعت لواء "إعادة المجد التليد إلى شعب إسرائيل في وطنه التاريخي، ما بين البحر والنهر، وإقامة الهيكل الثالث في تلك الرقعة الجغرافية"، إلى صهيونية ديفيد بن غوريون (حركة العمل)، التي والفت بين الأوضاع الميدانية والظروف الموضوعية في فلسطين وبين الغاية الإيديولوجية (الكولونيالية)، ومهدّت لإقامة الكيان الإسرائيلي بواسطة احتلال الأرض واحتلال العمل بادئ ذي بدء.

ومنذ بداية ستينيات القرن العشرين الفائت، وأساسًا في إثر حرب حزيران/ يونيو 1967، فإن عوز يعتبر أحد الوجوه البارزة في ما يسمى "حركات السلام الإسرائيلية"، التي ترفع لواء تقليص رقعة الاحتلال الصهيوني في فلسطين، وفي مقدمها حركة "السلام الآن" (تأسست في عام 1977).

في عام 2003 كان عوز من المبادرين إلى "وثيقة جنيف" (وفي حينه نشر في صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية مقالة مُطوّلة ذكر فيها من ضمن أمور أخرى ما يلي: "قلت لياسر عبد ربه وبعض رفاقه: سيلزمنا يومًا إقامة نصب تذكاري مشترك للحماقة الفظيعة، حماقتكم وحماقتنا. ألم يكن في وسعكم أن تصبحوا شعبًا حُرًّا قبل خمسة وخمسين عامًا وقبل خمس أو ست حروب وقبل العديد من القتلى - قتلاكم وقتلانا - لو وقعتم على وثيقة مماثلة عام 1948؟ أما نحن الإسرائيليين، فكان في وسعنا أن نحيا آمنين بسلام لو أننا عرضنا على الفلسطينيين عام 1967 ما تقترحه هذه الوثيقة الآن، ولو لم تتملكنا ثمالة المنتصر المغرور بعد احتلالات حرب الأيام الستة").

في عام 2008 كان عوز في عداد المؤسسين لـ "حركة ميرتس الجديدة"، معترفًا بأن حزبه السابق (العمـل) "أنهى دوره التاريخيّ".

بالإضافة إلى أعماله الأدبية، حرص عوز على نشر الكثير من المقالات في الشأن السياسي العام في وسائل الإعلام الإسرائيلية والأجنبية، وبعضها صدر في كتب، وفي هذه المقالات كلها ظلّ يجاهر بصهيونيته العمالية، وتضاده مع "اليسار المناهض للصهيونية".

وإبان الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2008- 2009 أعلن عوز تأييده لها في البداية، ثم دعا إلى إيقافها بعد أن تمّ "تلقين الفلسطينيين درسًا"، مُبديًا تحفظه من بعض ممارسات إسرائيل خلالها (ومما كتبه في هذا الشأن ما يلي: "لن تربح إسرائيل شيئًا من استمرار الهجمات على غزة. فسُكّان القطاع لن ينتفضوا على حركة حماس، ولن تقوم في غزة سلطة صديقة لإسرائيل، كما أن من شأن عملية عسكرية برية أن تؤدي إلى التورط والغرق في المستنقع الغزي، الذي يعدّ أسوأ كثيرًا من المستنقع اللبناني").

في إحدى مداخلات عوز حول "دور الكاتب في المجتمع" قال إنه يجب على الكاتب بشكل عام "العمل لمصلحة الآخرين، وعدم غضّ الطرف عنهم. فإذا ما صادف حريقًا لا بُدّ من أن يحاول إطفاءه، وإذا لم يكن في حيازته دلـو ماء يمكنه استعمال كأس، وإذا لم يتعثر بكأس، يمكنه استعمال ملعقة كبرى، وفي حال عدم وجود مثل هذه الملعقة في متناول يده يمكنه استعمال ملعقة صغيرة".

غير أن معاينة سريعة لأدب عوز، بما في ذلك سيرته الروائية السالفة، سرعان ما تشي بأن الغاية الأهم المضمرة لعملية إطفاء الحرائق هي غاية متمحورة من حول الذات، وفحواها تجميل الكينونة الإسرائيلية المؤدلجة بالصهيونية، ضمن وجهة "تأخذ في اعتبارها الحاضر أساسًا، وليس الماضي التاريخي فقط"، على حدّ قوله. بكلمات أخرى فإن عوز يبدو الأكثر إخلاصًا للفكرة الصهيونية، وفقما هجس بها مؤسس هذه الحركة بنيامين هرتسل في أواخر القرن التاسع عشر، من خلال تجاهل وجود الشعب الفلسطيني الأصلانيّ، الذي استحال فيما بعد إلى تجاهل حقوقه وانتهاكها على مدار الساعة. وبذا فإنه يواصل تقاليد أسلاف له من "أدعياء السلام"، الذين سبق أن استأنفوا على مآل هذه الفكرة، إنمّا من موقع الحماسة لها لا من موقع البديل الراديكالي.

وبقي هذا التجاهل لتاريخ الشعب الفلسطيني حاضرًا في أعماله الأدبية وصولًا إلى "قصة عن الحبّ والظلام"، التي كتب في مستهلها بشأن شعار الصهيونية الأبرز أن "فلسطين أرض بلا بشعب"، ما يلي: كل العالم كان نائيًا، جذابًا، مُدهشًا، لكن أيضًا كان خطرًا جدًا ومُعاديًا لنا: لا يحبون اليهود لأنهم حادّو الذكاء ومتميّزون، غير أنهم في الوقت نفسه يثيرون الضوضاء ومندفعون. لا يحبون مشروعنا هنا في أرض إسرائيل لأن عيونهم ضاقت بنا حتى فوق رقعة ضيقة من المستنقعات والأراضي القفراء والصحراء (!!). هناك، في العالم، جميع الجدران كانت مغطاة بكتابات حاقدة: "يا يهودون (عبارة تحقير لليهوديّ)، اذهب إلى فلسطين". وها نحن قد ذهبنا إلى فلسطين لكن كل العالم الآن يقف على قدميه ويصرخ فينا: "يا يهودون، أخرج من فلسطين".

كما أن هذا التمحور حول الذات يؤجّج دعوته إلى ما يسمى "حلّ الدولتين"، كما كرّر وكتب عام 2015: "إذا لم تكن هنا دولتان وعلى وجه السرعة فستكون هنا دولة واحدة. وإذا كانت هنا دولة واحدة فستكون دولة عربية من البحر إلى النهر. وإذا كانت هنا دولة عربية فلن أحسد أولادنا وأحفادنا"!. وأضاف: "يمكن طبعًا أن يعيش اليهود والعرب معًا، لكن غير مقبول عليّ قطّ أن أحيا كأقلية يهودية تحت نظام عربيّ، بالأساس لأنني أصرّ على حق اليهود، مثلهم مثل أي شعب في العالم، في أن يكونوا أكثرية وليس أقلية ولو فوق رقعة أرض صغيرة جدًّا".

 *****

لعلّه يجدر بنا عند هذا الحدّ أن نستعيد ما قاله أكثر من باحث في تاريخ الصهيونية من المنظور الاجتماعي ـ الثقافي بشأن انعدام بديل راديكالي أو ثوري لما تم طرحه في الماضي من غايات قصوى لعملية استعمار فلسطين وتطهيرها عرقيًا. وأكثر ما ينبغي الالتفات إليه هو أن المناظرة حول السمات الأساسية للفكرة الصهيونية جرت منذ البداية بين فريقين غير متكافئين:

الفريق الأول ضم أولئك الذين، على هدي من أفكار هرتسل بشأن عملية الاستعمار في فلسطين، واعتمادًا على الإمبراطورية القائمة وقتئذٍ وصلاتهم بها، شرعوا بتحقيق أهدافهم في أقصر فترة ممكنة. وبالرغم من وجود اختلافات بين تيارات داخل الصهيونية عرّفت نفسها بأنها يمينية وأخرى عرّفت نفسها بأنها يسارية حول الأولويات والوسائل، إلا إنهما شكلتا جزءًا من هذا الفريق الأول، وكانتا على اتفاق حول العقائد الأساسية للصهيونية السياسية.

الفريق الثاني ضمَّ طاقمًا متنافرًا من الليبراليين والاشتراكيين والشيوعيين، الذين وجدوا طريقهم إلى فلسطين بحجة ما يسمى "العداء للسامية" في أوروبا، لا بسبب عاطفة صهيونية مشبوبة كما ظلوا يزعمون، لكنهم لم يتضادوا مع تلك العاطفة.

ويؤكد أحد هؤلاء الباحثين، وهو الأستاذ الجامعي حاييم بريشيت، في سياق دراسة له حول "صورة الذات والآخر في الصهيونية ـ فلسطين وإسرائيل في الأدب العبري الحديث" (ظهرت ترجمتها العربية في كتاب "هوية الآخر"، من إعداد حسن خضر، 1995)، أن الصراع بين الفريقين المذكورين لم يكن صراعًا حول الاتجاه بين السائد وبين البديل، لأنه كان على البديل بالضرورة أن يوجد خارج إطار الحركة الصهيونية، وألّا يُقدّم معارضة لها فحسب بل أيضًا برنامجًا بديلًا. لكن ذلك البديل لم يوجد. ولذا جرت المناظرة، في أقصى حدودها، بين أشكال عدوانية صهيونية مهيمنة وبين فريق من النقاد، الذين بدلًا من النأي بأنفسهم عن الاتجاه الصهيوني ومحاربته على طول الخط، كانوا إصلاحيين ولم يكونوا راديكاليين أو ثوريين. وقد نطلق على نقد من هذا النوع تسمية النقد التجميلي، لأن خلافاته تمركزت حول الطرق والوسائل وليس حول الغايات.

وثمة عرض واضح وصريح جدًّا للعلاقة غير المتضادة بين الاتجاه المهيمن ونقاده في أحد كتب عاموس عوز، وهو كتاب "في ضوء الأزرق السماويّ الساطع" (1977)، والذي راح في أحد مقالاته يشرح كيفية قيام شراكة من نوع ما بينه وبين دعاة "أرض إسرائيل الكبرى"!.