بين الفن والسياسة

ريهام المقادمة

كنت أود لو كان باستطاعتي أن أتحدث عن الفن دون أن أٌقرنه بالسياسة, ولكن ما نحن عليه اليوم عكس تلك الامنيات تماما, فالسياسة مرتبطة بكل شيىء, فهل لها أن تمر دون أن تترك أثرها البغيض على الفن , لا أعتقد ورغم ذلك فنحن أمام علاقة من نوع خاص , يصفها البعض بأنها علاقة تزاوج بين الفن والسياسة , فهل الفن هو من ينقل الحالة السياسية من مستوى لاخر في عين الجماهير ؟ أم أن السياسة تأكل الفن كما تأكل كل شيىء؟ في الفن والسياسة لا يسعك أن تعتقد بأنك تفهم العلاقة بينهما بشكل واضح , ما أدور حوله اليوم هو عدة تساؤلات عن هذه العلاقة واختلاف أثرها من شخص لاخر , ونتائجها كذلك , وربما الرؤية لها .

هل من الذكاء أن يترك الفنان نفسه ملكا للسياسة ظنا منه أنها ستضمن له مكانة اعتبارية وحماية سياسية وقد تقصر عليه المسافات في الوصول لهرم الشهرة والمجد ؟ أم سيكون معرضا للخسارة في أول رأي معارض له ؟

جوهر الفن :

من أفضل العبارات التي تختزل الحديث عند تعريف الفن هو تصويره بأنه مراة الشعوب , فالفن هو حالة ابداع خالصة تعبر عن الانسان منذ الأزل بكافة مشاعره واحتياجاته وتناقضاته ومتطلباته المختلفة , وكون الفن باختلاف أنواعه هو وسيلة تعبيرية عن احتياجات الانسان ومع مرور الزمن وعصر الانفتاح التكنولوجي أصبح المتلقي أكثر ذكاءا وارتباطا بالفنان الذي يقدم فنه الذي خلق بالأصل للتعبير عن حاجة الانسان ومكنوناته الداخلية , حتى تحولت العلاقة بينهما من طرف المتلقي لمحاسبة الفنان على كل شيء , فتجد الملتقي يحاسب الفنان على رأيه , على ملبسه , على معتقداته ان اختلفت عنه و وهذا باعتقادي ما على المتلقي ان يعيد حساباته فيه , فالفنان انسان له ما له وعليه ما عليه , لم يخلق حتى يكون نسخة كربونية ترضي أحد حتى وان كان الجمهور , لكن ما لا نستطيع انكاره هو أن أصل الفن أن يخلق حالة ثورة دائمة على كل شيء تقليدي , هنا يقع الفنان في الخطر , فهل يرمي نفسه في حضن السياسة أم يسلك الطريق الأصعب وحده ؟

حاجة السياسة للفن :

على مدار التاريخ كان يستخدم الفن لتمرير الكثير من الأجندات السياسية للشعوب وتخفيف اثارها على الناس من خلال تبني الفنان لها , فحاجة السياسة للفن لا تنفك تنتهي .

لن أبالغ ان قلت أنها من أخطر العلاقات كون تأثيرها لا يعرف صغير أو كبير , فهي تستهدف الجميع دون استثناء , وان لم يكن المتلقي في حالة ادراك ووعي كامل سنجد أن المجتمع يتحول لكائن خامد بلا قدرة على الثورة في وجه أي شيء .

حالة تاريخية على علاقة الفن والسياسة :

بعد ثورة 1952 م ارتبطت أم كلثوم ارتباطا وثيقا بعبد الناصر رغم أن أغانيها قد منعت في بداية عهد الثورة , قبل أن يتدخل عبد الناصر ليعيد أغانيها مرة أخرى ولم يقتصر على ذلك فقط بل طلب من السفير الأمريكي أن تعالج أم كلثوم في مستشفى البحرية الأمريكية وغنت أم كلثوم لعبد الناصر العديد من الأغاني منها ( يا جمال يا مثال الوطنية ) وغنت أم كلثوم في عدة عواصم عربية وعالمية لصالح المجهود الحربي عقب النكسة وقامت بجمع التبرعات , في المقابل ما تعرضت له ام كلثوم في زمن السادات كان مناقضا تماما لما كان في زمن عبد الناصر , فكانت تمنع من أداء الكثير من الحفلات الرسمية وكل ذلك كان لحساب سيدة مصر الأولى زوجة السادات .

باعتقادي ان علاقة الفن بالسياسة من الممكن جدا أن تكون مفيدة لكلا الطرفين في كثير من الأوقات , ولكن الفنان الذي لا يجيد فن السياسة سيخسر كثيرا سواء على الصعيد المهني او الانساني , ف كما قربت السياسة الكثير من الفنانين لحضنها ورفعت من شأنهم وقدرهم الا أنها استطاعت أن تجعل مصير الكثير منهم مجهول .