التجمعات البدوية في وسط الضفة الغربية

رام الله- الحياة الثقافية- صدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في تشرين الأول 2018 كتاب "التجمعات البدوية في وسط الضفة الغربية كحالة دراسية"، وهو الكتاب الحادي عشر من سلسلة القضية الفلسطينية: آفاق المستقبل، للباحث أحمد حنيطي، ويقع الكتاب في 174 صفحة ويتكون من سبعة فصول قصيرة، بالإضافة إلى ملاحق تتضمن خرائط وصور.

يتناول الباحث التجمعات البدوية من خلال مفهوم الاستعمار الاستيطاني، فالسياسية الاستعمارية الصهيونية تجاه البدو تهدف إلى التخلص من النمط الثقافي التقليدي للمجتمعات البدوية والقائم على الثروة الحيوانية وحياة التنقل والانتشار بمجموعات صغير في مناطق ذات كثافة سكانية فلسطينية قليلة، مما يجعل مناطق انتشار البدو حيوية لمشروعات الاستيطاني الصهيوني. ويرى الباحث أن البدو بانتشارهم في المناطق يشكلون عقبة رئيسية أمام المخططات الاستيطانية الصهيونية.

يرى الكاتب أنه في ظل غياب الدراسات عن المجتمع البدو الفلسطيني لا سيما في الضفة الغربية توجد حاجة ملحة لهذه الدراسة لسببين أساسيين، الأول هو الأهمية المعرفية عن البدو وبنيتهم الاقتصادية والاجتماعية في الضفة الغربية، والثانية تأثير عمليات التوطين القسري الذي تمارسه السلطات الاستعمارية  في البنية الاجتماعية والاقتصادية البدويتين. وفي هذه الدراسة يتناول الكاتب البدو في وسط الضفة الغربية (القدس ورام الله واريحا) والذين يتوزعون على ثلاث قبائل رئيسية وهي: الجهالين والرشايدة والكعابنة.

يناقش الكاتب في مفهوم البداوة في الحالة الفلسطينية، لاسيما أن الدراسات العربية الكثيرة التي تناولت البداوة لم تتمكن من تجاوز النظرية الخلدونية، والذي يعتمد على المصدر الاقتصادي والمرتبط بدرجة التوغل في الصحراء، وبالنسبة للبدو في الضفة الغربية، فإنه رغم التغيرات التي حصلت للبدو منها ما هو طبيعي نتيجة التغيرات التي حصلت للبدو نتيجة الغزو الحداثي والعولمي، إلا أن هناك تغيرات أخرى كانت نتيجة لظروف وسياسات قسرية مارستها السلطات الاستعمارية تجاه البدو، لكن في المقابل يوجد العديد من العوامل التي أدت إلى تعزيز اضفاء سمة البداوة على الهوية لهذه المجموعة السكانية.

لا توجد احصاءات دقيقة عن أعداد البدو في الضفة الغربية، وتتعدد الاحصاءات بتعدد الجهات التي تنتجها، ومرد ذلك إلى عدم وجود تعريف متفق عليه للبدو وكذلك انتشار اقامة بعض البدو داخل القرى والبلدات الفلسطينية، كما يوجد العديد من السكان الفلاحين الذين يعيشون حياة شبيه بالبدو ولكنهم لا يعرفون أنفسهم بأنهم بدو، وكذلك غياب تصنيف للبدو في الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني.

قسم الكاتب السياسة الإسرائيلية تجاه البدو في الضفة الغربية إلى مرحلتين الأولى ما قبل أوسلو والثانية بعدها، تميزت المرحلة الأولى التي تبدأ منذ سنة 1967 بغياب رؤية استعمارية استراتيجية تجاه البدو وإنما تم اتخاذ اجراءات تكتيكية تجاههم، أدى ذلك إضافة لعوامل أخرى إلى استمرار الحياة التقليدية للتجمعات البدوية. وفي المقابل وجود الرؤية الإسرائيلية الواضحة تجاه السكان في المناطق المحتلة بعد العام 1967، بالإضافة إلى عوامل أخرى أدت إلىتكثيف المضايقات الإسرائيلية تجاه البدو بهدف "تنظيف" الأراضي من البدو، حيث ينتشرون في المناطق الحيوية لمشاريع الاستيطاني الصهيوني.

يعاني البدو في وسط الضفة الغربية من انعدام البنية التحية والخدماتية، مثل الوصول إلى خدمات المياه والكهرباء وكذلك الصحة والتعليم، كما أن الطرق التي توصل إلى هذه التجمعات صعبة للغاية وأحياناً لا تستطيع وسائل النقل من الوصول إليها وخاصة في فصل الشتاء التي يسبب انجرافات في الطرق الترابية، ويحاول البدو بطرق مختلفة توفير الحد الأدنى من مقومات العيش، ولكن في جميع الأحول تعتمد أية أعمال تطويرية لهذه التجمعات الحصول على تراخيص من الإدارة المدنية الإسرائيلية والتي لا تقوم بمنحها، بل العكس تعتمد منهجية تدمير ما يتم بناؤه.

يتكون التنظيم الاجتماعي للبدو من العائلة الممتدة والحمولة بالإضافة إلى العشيرة، وتتراوح قوة هذه المستويات وفقاً لطرف التهديد الذي يستهدف البدو، وفي كل الأحول ينتشر البدو بمجموعات صغيرة نتيجة للظروف القسرية التي تستهدفها، وتعتمد هذه المجموعات نمطاً مقصوداً من الانتشار الذي يوفر الحماية والحافظ على المجال الخاص للعائلة، وقد يوجد في التجمع الواحد أكثر من عائلة تنتمي لأكثر من قبيلة، ويتفق بعض أعضاء الحمولة على اختيار مختار ينطق باسمها ويمثلهاأمام المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، وهذا المختار يمثل ليس منطقة جغرافية وإنما يمثل حمولة قد تنتشر في محافظات مختلفة. ويعتمد البدو على الثروة الحيوانية التي تتقلص سنويا نتيجة لعوامل مختلفة، مما يجعلهم يمارسون أعمالاً اقتصادية أخرىتعتبر مكملة للدخل من الثروة الحيوانية.

التدخلات الاغاثية الفلسطينية الحكومية والأهلية وكذلك الدولية أدت إلى تحسين سبل عيش البدو ولكنها نتيجة لعوامل عديدة جعلها لا تترتقي إلى الحد الأدنى المطلوب، وفي كثير من الأحيان يقوم الإسرائيليون بتدمير التدخلات التي تقدمها المؤسسات المختلفة إن كانت عبارة عن انشاءات.

يوجد ثلاثة مخططات لتوطين البدو قسرياً، صممتها الإدارة المدنية الإسرائيلية دون استشارة السكان، ويقاوم البدو هذه المخططات لأنها لا تلبي احتياجاتهم بل بالعكس تهدف إلى تدمير ثقافتهم وسبل عيشهم، وهذه المخططات هي فصايل، والنويعمة، والجبل. ويتبنى البدو عدة آليات بهدف مقاومة أو الحد من تأثير الممارسات الإسرائيلية تجاههم.