عاملون في القطاع الخاص يشتكون "ظلم" المشغلين

* شهادات عن تعامل "مذل" وحرمان من الاجازات حسب القانون

حياة وسوق-  وفاء صالح- "ما بسمحلي أوكل إلا في مخزن أدوات التنظيف، ورغم أنني أعمل في تنظيف ثلاثة طوابق صباحا ومساء، بينها مطعم، إلا أن صاحب العمل يمنعني من تناول الطعام الذي يعدونه، فأضطر لإحضار ما تيسر من طعام البيت، لعدم قدرتي على شراء الطعام من السوق، حيث ان الراتب الذي أتقاضاه والبالغ 1600 شيقل لقاء 10 ساعات عمل، لا يكفي لشراء الطعام يوميا".
بغصة قلب وألم على واقع لم تتخيل يوما أن تعيشه.. هكذا تروي المواطنة "م.ع" من إحدى قرى رام الله لـ "حياة وسوق"، مواقف عديدة "مذلة" حصلت معها خلال شهور من عملها، في أحد الفنادق بمدينة رام الله، المواطنة التي تبلغ من العمر 36 عاما، منفصلة عن زوجها وتعيل بعملها والدتها المسنة.
وبالإضافة إلى ما سبق، فقد روت المواطنة موقفا آخر لـ "حياة وسوق"، حيث اشتهت ذات مرة تناول البوظة التي يعدها المطعم الذي تعمل فيه، ولكن صاحب العمل منعها من تناولها، قائلا: "هاي غالية ما معك حقها".

عامان دون اجازة واحدة!
"م، ع" ليست وحدها التي تعاني من سوء معاملة صاحب العمل، والظروف السيئة في بيئة العمل، فمواطنة أخرى "ش. خ"، والتي تعمل في أحد أشهر محلات الملابس في مدينة رام الله، قالت إنها منذ عامين لم تحصل على إجازة مرضية أو سنوية، فصاحب العمل لا يعترف بهذه الإجازات.
وأكدت المواطنة "ش، خ"، أنها منذ فترة اضطرت لأخذ إجازة "حزن"، حيث توفي عمها، وكان يجب عليها أن تشارك مراسم العزاء، فما كان من صاحب العمل إلا أن خصم من راتبها لقاء اليوم الذي غابته، ضاربا بعرض الحائط ما كفله لها قانون العمل الفلسطيني من حقوق في "إجازة الحزن"، عند وفاة قريب من الدرجة الأولى أو الثانية.
وتؤكد الإحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن 75% من العمال في القطاعين الخاص والأهلي لا يحصلون على الحد الادنى من حقوقهم، و36% منهم يتفاضون دون الحد الادنى للاجور، والذي حدده القانون بـ  1450 شيقلا.

نقابات بلا تأثير
هذه الأرقام الصادمة دفع "حياة وسوق" إلى السؤال عن دور النقابات العمالية، في حماية حقوق العاملين والدفاع عنها، أمام أرباب العمل، في القطاعين الخاص والأهلي، والتي من المفترض بها أن تقوم بدور هام في حماية حقوق العاملين والدفاع  عنها.
الأمين العام للنقابات المستقلة، محمود زيادة أكد لـ "حياة وسوق"، أن دور النقابات العمالية في الدفاع عن حقوق العاملين ضعيف ومشتت وغير مؤثر، موضحا ان السبب هو غياب قانون لحماية الحريات النقابية، منذ نشوء السلطة الوطنية حتى اليوم.
وأضاف زيادة: أن النقابيين والناشطين والمدافعين عن حقوق العمال يناضلون منذ سنوات، دون أية حماية نقابية، وهو ما يشجع أصحاب العمل على إدارة الظهر للحقوق الدنيا التي رتبها قانون العمل للعاملين.
إلى جانب ذلك فقد أكد زيادة أن استمرار ضعف دور وزارة العمل في الرقابة على تطبيق أحكام القانون، يساعد على استمرار الاضطهاد لحقوق العاملين.
وأوضح زيادة أن ضعف الدور الرقابي لوزارة العمل، يأتي بفعل نقص الموارد البشرية والمادية، اللازمة للوزارة للقيام بمسؤولياتها، مؤكدا أن غياب المحاكم المختصة في النظر في القضايا العمالية، يساهم أيضا في جزء من هذا الظلم.

البطالة.. تزيد الطين بلة
وفي ظل كل ما سبق، وتزامنا مع وصول نسبة البطالة في فلسطين إلى نحو 32%، وفقا للجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني، فإن كل هذه الظروف متزامنة تزيد من الظلم الذي يعيشه العمال الفلسطينيون.
وحول مدى وعي العاملين بحقوقهم، أكد زيادة ان عمالنا يعون حقوقهم بدرجة كبيرة، ولكن هذا لا يكفي من أجل وقف الاعتداءات والانتهاكات لها، فإلى جانب الوعي هم بحاجة الى أداة من خلالها ينتفضون للدفاع عن مصالحهم.
واتفق وكيل وزارة العمل، سامر سلامة خلال حديثه لـ "حياة وسوق"، مع زيادة على أن العمال يعون حقوقهم بدرجة كبيرة، وأن هذا الوعي ازدادت نسبته في الآونة الأخيرة، وخير دليل على ذلك هو الارتفاع الكبير في عدد الشكاوى التي أصبحت تصل الوزارة من قبل العاملين.

32 ألف زيارة تفتيشية حتى الربع الثالث
وأكد وكيل الوزارة أيضا أن الوزارة تستجيب فورا لهذه الشكاوى وتسخر طواقمها التفتيشية للرقابة على المنشآت التي تتلقى شكاوى بشأنها، مضيفا أن الوزارة من ناحية أخرى تمارس جولات تفتيشية دورية بشكوى أو دون شكوى، ولديها سنويا 10 حملات على قطاعات مختلفة، تستمر كل حملة منها من 10 أيام إلى أسبوعين، تركز خلالها طواقم الوزارة بالتفتيش على قطاع معين.
وأوضح سلامة ان عدد الزيارات الميدانية بلغ حتى الربع الثالث من هذا العام، 32 ألف زيارة في الضفة الغربية، وهو رقم كبير جدا لم تحققه وزارة العمل فيما سبق، مشيرا إلى أن مضاعفة عدد مفتشي الوزارة من 45 إلى 90 مفتشا، هي التي ساهمت في تحقيق هذا الرقم.

حاجة ماسة لزيادة عدد المفتشين
ويقول سلامة إنه رغم كل ما سبق، إلا أن الوزارة لا تزال بحاجة ماسة إلى زيادة عدد المفتشين، خاصة في ظل ازدياد عدد الشكاوى التي تتلقاها الوزارة من العمال، وكذلك في ظل ازدياد عدد المنشآت نفسها بشكل متسارع.
ويعلق سلامة آمالا كبيرة على الاعتماد المرتقب للرئيس محمود عباس، لقانون الصحة والسلامة المهنية، الذي يشكل اعتماده نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة تساهم في زيادة عدد المفتشين، وتساعد على التخصص بشكل اكبر في التدقيق على قضايا السلامة والصحة المهنية.

يد واحدة لا تصفق
وأشار سلامة في هذا الصدد إلى الدور الهام الذي من المفترض أن تقوم به النقابات العمالية، وقال: "يد وحدها لا تصفق"، ويجب على النقابات العمالية ان تقوم بدور أكبر في مساعدتنا على الرقابة والتفتيش على المنشآت من خلال أنشطتها الرقابية والحديث مع العمال والاستماع لهم وابلاغ الوزارة عن أي انتهاك، حتى لا تضيع الطواقم وقتها في منشآت تلتزم بمعايير العمل.
وحول الحالات التي يستعرضها "حياة وسوق" في مطلع هذا التقرير، قال سلامة إن قانون العمل كفل للعامل الحق بالعمل في بيئة مناسبة، وأوضح أن البيئة المناسبة تشمل كل القضايا بما فيها التعامل والمكان والأجواء، مشيرا إلى أنه من حق العامل ان يأكل ويشرب في ساعات معينة وضمن ترتيب معين وفي مكان مخصص لذلك.
وأكد وكيل الوزارة أن قانون العمل الفلسطيني، كفل الكثير من الحقوق للعاملين، أهمها: الراتب، وتحديد عدد أيام العمل وساعاته، بالإضافة إلى الحق في الاجازات الوطنية والسنوية والمرضية، وحقوق أخرى لها علاقة بالتأمينات، وحقوق نهاية الخدمة وكلها حقوق أساسية.
وشدد سلامة على أنه في حال تجاوز صاحب العمل هذه المعايير، ولم يلتزم بمنح العمال كل القوانين آنفة الذكر فإن القانون حدد عقوبات ضد صاحب العمل المخالف، قد تصل الى اغلاق المنشأة نفسها.