د.خلوف: ماجستير العلاقات العامة جزء من حراك علمي ومهني للارتقاء بالخدمة المقدمة للمواطنين

الوطن ومؤسساته بحاجة لمراجعة عميقة في طريقة التعاطي مع الأزمات

 - أؤمن بـأن المنتج العلمي في طريقه نحو التطبيق العملي وليس إلى المكتبة فقط

حاورته: ناردين الطروة

أثير أكثر من مرة اسم الصحفي والأكاديمي د.محمود محمد خلوف لكونه صاحب فكرة برنامج "ماجستير العلاقات العامة"، الذي أصبح واقعا على الأرض في جامعتي النجاح الوطنية والجامعة العربية الأمريكية.

وبعملية بحث سريعة لإنتاج هذا الأكاديمي الشاب على المواقع الإخبارية وموقع "غوغل"، وبالنظر إلى بعض الأبحاث والإصدارات يمكن وصفه بأنه أحد أعلام مهنة الصحافة في فلسطين، فتجربته في العمل الصحفي والمهني التي تمتد لأكثر من 22عاما، فيها المختلف؛ نظرا لأنها تمزج بين العمل الصحفي المكتوب والمتلفز والإلكتروني.

وفي الجانب الأكاديمي يمثل د.خلوف علامة فارقة في العلاقات العامة، والإعلام الإلكتروني، وحتى في الإعلام الدبلوماسي متجندا في عمله لأكثر من عقد في دول عديدة خارج الوطن، وقد تبوأ مناصب مهنية عديدة منها، مستشار لشؤون الإعلام والعلاقات العامة لأحد سفراء فلسطين في الخارج، وكذلك مدير دائرة الإعداد الصحفي في وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا"، وقبل ذلك مندوب إعلامي لفلسطين في جامعة الدول العربية، ورئيس تحرير جريدة "رواج"، ورئيس تحرير الأخبار في تلفزيون آفاق المحلي.

وقبيل البدء بالحوار مع هذا الأكاديمي اتضح مدى جديته وثقته بمسيرة علمية ومهنية يسعى لتعزيز شأنها من خلال منعطف جديد سار عليه مؤخرا، تمثل بإصدار العديد من المؤلفات المحكمة في العلاقات العامة والإعلام بالتعاون مع دور نشر مشهود لها في الوطن العربي، مستفيدا من حصوله على درجة الدكتوراه مرتين، آخرها من جامعة عين شمس عام 2015.

ولمنح الجمهور الفرصة الكافية للتعرف على بعض الجوانب غير المعروفة في مسيرة د.محمود خلوف ومشواره في الإعلام والعلاقات العامة كان لنا هذا الحوار:

 

* يظهر من خلال وثائق اطلعنا عليها ارتباط ماجستير العلاقات العامة باسمك، فكيف تم إنجاز هذا البرنامج؟

هذا البرنامج هو بالشراكة بين الجامعة العربية الأمريكية وجامعة النجاح الوطنية، وهو مشروع تراهن عليه الجامعتان بأنه ريادي، وأجزم بأنه بالفعل متميز وريادي.

وقد بدأت الفكرة لدينا كجامعة عربية أمريكية في جنين منذ شهر آذار عام 2013، وفي عام 2016 تفاجأنا بجامعة النجاح تقوم بمشروع قريب مما نعمل عليه، لتقرر وزارة التعليم العالي نهاية سنة 2017م، ضرورة الدمج والشراكة بين الجامعتين، فكانت هذه الشراكة، ونحن على مشارف نهاية الفصل الأول من هذا البرنامج والشراكة تسير بشكل منظم وريادي دون منغصات أو صعوبات تذكر.

 

* ما الهدف من إطلاق اسم "برنامج العلاقات العامة المعاصرة"؟

في البداية عندما رفعت الجامعة الأمريكية مشروع البرنامج كان يحمل اسم العلاقات العامة و"السوشال ميديا" (التواصل الاجتماعي )، ومن ثم قام التعليم العالي بعرض البرنامج على محكمين خارجيين، وواحد داخلي، وبالنظر إلى خطة الجامعتين وجدوا  أنهما يشملان مسارا يخص "التواصل الاجتماعي"، فكان القرار أن يشيروا من خلال اسم البرنامج إلى المعاصرة، فانبثق من ذلك اسم البرنامج العلاقات العامة المعاصرة .

وتم النقاش بين الشركاء هل نبقي الاسم على ما هو عليه أم نغيره من خلال التعليم العالي، فكان وجهة نظري بأن هذه التسمية جميلة، إذ إن كلمة المعاصرة تعني أنك تريد أن تواكب أي تطور جديد موجود، ومعاصرة تعني أنك تريد دائما أن تراجع نفسك وخططك وهذا دافع مهم للتحديث وهذا ما نطمح إليه.

 

* كيف يكون شكل الشراكة والارتباط بين الجامعتين بهذا البرنامج ؟

يكون من خلال الخطة الواحدة، والمسار الواحد، ومن خلال إمكانية التدريس المشترك بين "النجاح"، و"العربية الأمريكية"، فأنا كمحاضر جامعي أعمل في الجامعة العربية الأمريكية الفرصة متاحة لي لكي أدرس طلبة جامعة النجاح، وسيقوم أساتذة البرنامج بجامعة النجاح بتدريس طلبة الجامعة العربية الأمريكية.

فالطالب المقبول بالجامعة العربية الأمريكية ملزم بأن يأخذ 9 ساعات من جامعة النجاح، وهكذا بالنسبة للطالب المقبول في جامعة النجاح الوطنية، مع التأكيد على حرية الطالب باختيار الوقت المناسب.

وهناك تفكير بالطرق التي يمكن من خلالها إنهاء معاناة الطلبة في ظل الحصار وكثرة الحواجز، من خلال إيجاد آليات بديلة لفكرة إجبار الطالب على الذهاب للجامعة الشريكة للدراسة، وأنا لست مخولا للحديث عن التفاصيل وأترك الأمر لعميد الدراسات العليا ولجهات الاختصاص، لكن ما أشدد عليه أننا نشعر بهموم الطلبة ونسعى للتخفيف عنهم وفق ما تسمح به اللوائح والتعليمات.

 

* نلمس أنه من خلال مساق واحد في الفصل الأول من الماجستير أنتج طلبتك مواد متقدمة نشرت في وسائل الإعلام، فعلى ماذا يؤشر هذا الأمر؟

هذا يظهر أن الجدية في تدريس الطلبة واطلاعهم على تجارب إقليمية ودولية كانت إلى حد ما جديدة عليهم، وكانت لها نتائج إيجابية، وهنا لا أتحدث عن طلبة مسار الاستدراكي فقط، بل من درسوا مساق الكتابة المتقدمة للعلاقات العامة نشروا ما هو مختلف وجديد، ويتماشى مع التطور الحاصل في الدول الكبرى فيما يخص المنتج الإعلامي المتخصص في العلاقات العامة.

وحتى أضع الكلام في سياقه المفهوم، الأمانة العلمية تتطلب من أية جامعة أن تسند المساق إلى الشخص الذي له خبرة عملية ومهنية في المجال، فلا يكفي الجانب الأكاديمي وحده، فالبرامج ذات الطابع التطبيقي، ومنها تخصص العلاقات العامة تحتاج إلى خبرة عملية على الأرض.

 

* إصداراتك من الكتب حظيت بزخم إعلامي لافت، فما السبب؟، وما تفسير وجود 3 كتب لك خلال عام واحد؟

صحيح أنه تم الإعلان عن ثلاثة إصدارات لي خلال عام 2018، لكن العمل عليها ليس وليد اللحظة، فمنذ أن فكرت ببناء مشروع ماجستير العلاقات العامة من خلال قسم اللغة العربية والإعلام في الجامعة العربية الأمريكية، لم يغب عن بالي السير بمسار مواز يتمثل بإصدار مجموعة من المؤلفات المتخصصة في العلاقات العامة والإعلام تمثل خبرة شخصية زاوجت خلالها بين الجانبين المهني التطبيقي من جهة، والعلمي من جهة أخرى.

ومنذ عام 2014 باشرت بالعمل الجاد على إتمام فكرة التأليف، وقضيت ساعات طويلة بعيدا عن الأهل والأسرة، انشغلت خلالها في المكتبات والإصدارات، وكدت أن أفشل لولا التصميم وتفهم زوجتي، وأسرتي لجدوى الانشغال، والبعد وانعكاسات ذلك على مستقبلي المهني.

وبقي أن أوضح أن مشروع التأليف لا يحمل أي بعد مادي، والهدف الوحيد منه إفادة الباحثين ومناقشة مواضيع فيها ضعف في المكتبة المتخصصة بالعلاقات العامة من جهة، وعلوم الاتصال من جهة أخرى، والهدف الأسمى الحفاظ على النوع، بعيدا عن الكم، وأي كتاب تم إنجازه خضع للتحكيم، وأخذ الأمر شهورا عديدة.

 

* ما توقعاتك حول نجاح برنامج الماجستير كتجربة أولى؟ وما الفائدة التي ستعود على المؤسسات والسوق الفلسطيني برأيك ؟

نسعى أن يكون البرنامج له بصمة وليس حبرا على ورق، وليس رسائل توضع بالمكتبات، وأنا سأدفع الطلبة من أجل البحث في مجالات متخصصة جدا، وخاصة من يعملون بمؤسساتهم بوظيفة العلاقات العامة سأدفعهم للبحث في مؤسساتهم وأن يعملوا على إجراء مقارنة بين المنشأة أو المؤسسة التي يعملون بها وبين مؤسسات مشابهة تقدم سلعا أو خدمات شبيهة.

ومنذ أن فكرت بصياغة البرنامج والعمل على ترخيصه بالتعاون مع رئيس قسم اللغة العربية والإعلام د.عماد أبو حسن قبل خمس سنوات، أردت إفادة مؤسسات المجتمع المحلي، بما يعود بالفائدة على الوطن، فنحن الآن في مرحلة البناء والتحرر، وما فكرت به، وخططت إليه أرى أنه يتحقق على الأرض.

ونحن ننطلق من أي جهد أكاديمي جديد وخطة جديدة من فكرة أننا نقاوم الاحتلال بالعلم، وبحراك علمي وبحثي سليم قائم على أسس منهجية وعلمية سليمة بعيدة عن الكلام الإنشائي، وبعيدا عن الرسائل التي وجدناها بالمكتبات، ولكنها للأسف لم تضف الكثير، لأن طابعها كان بعيدا عن التطبيق العملي، إذ كانت تقوم على الإطار النظري ولا تركز على ما هو تطبيقي وما هو مطلوب مجتمعيا من أجل المساهمة بمعركة البناء.

 

* برأيك ما هو مستوى إدراك المجتمع لأهمية العلاقات العامة ؟

 اعتقد أن هناك إدراكا إلى حد ما لأهمية العلاقات العامة بالمجتمع، إذ كان هناك إقبال كبير جدا على برنامج الماجسيتر، فوصل عدد الطلاب المتقدمين للبرنامج في الجامعتين إلى نحو 150 طالبا، ولقد واجهنا مشكلة كبيرة  في هذا، فنحن لا نستطيع قبول الجميع، إذ قمنا بتقليلهم وفق ما تسمح به  التعليمات، وذلك باعتماد امتحان قدرات وقبول وكان صعبا، وجميع من تم قبولهم نجحوا في الامتحان وحققوا المطلوب حتى كان لهم نصيب في البرنامج.

وأرى أن الطلاب يمثلون ميزه وتنوعا، فقد تم قبول طلبات من خارج تخصص الإعلام، وتم اختيار النخب الذين نبني عليهم الأمل بأن يكونوا جزءا من الحراك المجتمعي نحو علاقات عامة حديثة بالفكر والرؤية.

 

* صورة العلاقات العامة مشوهة في البلد، ما سبب ذلك؟

عملت في مختلف حقول الإعلام لأكثر من 22 عاما، وكانت لي تجربة عميقة في العلاقات العامة استفدت خلالها من خبرات الآخرين (خارج الوطن)، وخلال عملي في الصحافة لمست أنه إذا كان هناك خبر ضعيف كانوا يقولون هذا خبر علاقات عامة، ما يعني "المعايرة" بالأخبار الضعيفة يكون بوصفها خبر علاقات عامة ، وإذا كانت طريقة الصياغة ركيكة أو تقليدية فالتهمة حاضرة: هذا خبر علاقات عامة؟!.

والسبب في ذلك أن هناك عددا لا بأس به من الناس الذين دخلوا على العلاقات العامة من غير المتخصصين وهنا اختلط الحابل بالنابل، واليوم نحن نريد أن ندفع المجتمع وهذا الشباب الطموح نحو العلمية نحو الفهم الدقيق.

وبرأيي أن من ساهم بتلطيخ صورة العلاقات العامة هو موظف العلاقات العامة في فلسطين والذي يعتقد أنه بإمكانه أن يكذب، وأنه عندما تكون هناك أزمة تصدر إلى مواقع التواصل الاجتماعي  بإمكانه أن يستوعبها بالكذب والافتراء، وهذا غير صحيح  أنه لا مكان لاستيعاب الأزمات بهذه الطريقة، فلا تعامل منطقي أو علمي معها إلا بالمعلومات الصحيحة الصادقة، ولا يكون حل الأزمة إلا بالتنازل، وعندما تخطئ المؤسسة عليها الإقرار بالخطأ والانسحاب الهادئ، الانسحاب العلمي، وهنا تبرز أهمية إدارة الأزمة وأهمية إدارة العلاقات العامة في اقتراح الرؤى والتصورات لاجتياز الأزمة بسلام.

 

* ما هي مكانة موظف العلاقات العامة بالمؤسسات؟

إذا أردنا أن نعطي موظف العلاقات العامة مكانته فهو أمين سر أية مؤسسة، فرجل العلاقات العامة بالترتيب يأتي بعد رئيس مجلس الإدارة أو رئيس المؤسسة.

وهو الذي يهمس بأذن المسؤول وينصحه ولا يخدعه ولا يغشه، وهو الذي يرفع تقويم موقف، وهو الذي يحسن العلاقة ببن المدير العام للمؤسسة والمدراء والموظفين داخلها، والأهم أنه على كفاءة وخبرة في التعامل مع جمهور داخلي وخارجي.

 

* كيف ترى أداء العلاقات العامة في الجامعات الفلسطينية؟

 أنا غير راض عن هذا الأداء، وهنا أتساءل: هل دور العلاقات العامة ريادي في التقريب بين الطلبة وإدارة الجامعة، أو بين الطلاب والمدرسين أو بين الطلبة ورؤساء الأقسام، أو تقريب المسافات بين الهيئة الإدارية والهيئة الأكاديمية؟، أرى أن الأمر بحاجة إلى مراجعة،  ونحن نراهن على أننا في مرحلة تقويم علمية بالاستناد إلى رسائل علمية وإلى منهاج جديد وضع بناء على الاطلاع على تجارب في دول عربية، وإقليمية ودولية.

ومن هنا بالإمكان أن نحدث طفرة وحراكا فكريا جديدا، حيث سأتبنى المدرسة الغربية بالتدريس فالأستاذ مسير وهو "كونترول"، والعمود الفقري بالماجستير هو الطالب وعليه 60% من الجهد، والمسير هو الأستاذ عليه 40%، ورويدا رويدا سندفع نحو جهد يمثل فيه الطالب نسبة 80%، وما تبقى يكون على عاتق المدرس نفسه، وبذلك نحقق الهدف الأسمى المتمثل بتجاوز إشكالية التلقين، وبالإمكان أن نبني على ذلك بإيجاد "بؤرة فكرية عملية" ينبثق منها عدد من الباحثين المتميزين، فكل باحث يبحث بالجانب الذي يخصه ويثير اهتمامه.

 

* ما طبيعة العلاقة بين الاعلام والعلاقات العامة؟

إن العلاقات العامة تنبثق عن الإعلام، وقديما كانوا يعتقدون بأن العلاقات العامة جزء من التسويق، ولكن العلاقات العامة في كبريات الدول والجامعات تنبثق عن كليات أقسام الإعلام، فالعلاقة تكاملية وما يتأثر به الإعلام تتأثر به العلاقات العامة، ومضمون العلاقات العامة نغذي بها المؤسسات الإعلامية، وما هو منتج للعلاقات العامة هو منتج للمؤسسات الإعلامية، وجزء مما تنتجه دائرة العلاقات العامة بالمؤسسة نجده منشورا في مؤسسات إعلامية مختلفة.

فهناك ارتباط وثيق بين العلاقات العامة والإعلام وهذا ما دفعني أنا وزميلي د. عماد أبو حسن أن نعمل على إصدار كتاب يتحدث عن هذا الموضوع بالذات إذ عالجنا موضوع الاتصال والعلاقة الجدلية بين الإعلام والاتصال من جهة، ومع العلاقات العامة من جهة أخرى، وقد ناقشنا الموضوع من خلال الأسس والأخلاقيات والنظريات الناظمة.

 

* قبل إجراء هذا الحوار تواصلت مع العديد من طلبتك الذي أشادوا بالبرنامج وبجهودك الكبيرة على الصعيدين المهني والبحثي، فما رسالتك إليهم في نهاية المقابلة؟

"من لا يشكر الناس لا يشكر الله"، فشكرا لطلبتي على هذه الثقة، وآمل بأن أبقى عند حسن ظنهم، وأن يتحملوا الجو الجاد والشاق، وبخاصة في المساقات التطبيقية التي أدرسهم إياها.

وأنتهز هذه الفرصة للتأكيد على أن العلم هو عنوان رفعة الأمم، وأن أي باحث يعمل على نفسه، ويكون جادا في مسيرته بالإمكان أن يحقق ما يصبو إليه، وأنا أدعوهم أن يدعموني في تحقيق حلم "برنامج ماجستير متميز، وبرؤية عصرية"، بعيدة عن التلقين، ويمثل عنوانا لنجاح التعليم التشاركي في فلسطين.

لقد عودت طلبتي على الصراحة كما عودتهم على الجدية، وهنا أدعوهم للمطالعة الذاتية ومتابعة الأبحاث العلمية، وباختيار مواضيع لرسائلهم العلمية تمثل إضافة نوعية ليتم البناء عليهم في تطوير أداء مؤسساتنا، ولتكون إضافة للمكتبة العلمية.

----------

*هذه المادة تنشر ضمن مساق تدريبي في ماجستير العلاقات العامة المعاصرة في الجامعة العربية الأمريكية.