الصحافة الورقية في فلسطين على مفترق طرق

ندى ابوغوش

تقف الصحافة الورقية في فلسطين اليوم على مفترق طرق في ظل طغيان الإعلام الالكتروني وفي ظل تنامي مواقع التواصل الاجتماعي، ما يضع هذه الصحافة أمام تحديات حقيقية للمحافظة على وجودها.

ولعبت الصحافة الورقية دورا مهما في المرحلة الماضية، خاصة بعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، وكذلك بعد إنشاء السلطة الوطنية في عام 1994.

ويستعرض الكاتب والصحفي رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة" الأسبق، تاريخ الصحافة الورقية في فلسطين، موضحا أن الصحافة الورقية كانت قليلة إبان الاحتلال الإسرائيلي للضفة وغزة.

ويقول: اقتصرت على صحيفتي القدس والشعب، فجريدة القدس كانت صحيفة خاصة تعمل في العمل التجاري ولا تمثل سياسة واضحة، ثم أنشئت صحيفة الشعب التي تبنت سياسة منظمة التحرير الفلسطينية، وكانت هناك جريدة الفجر (اليسارية) والتي تراجعت بعد اختطاف مؤسسها، ثم جريدة النهار بتمويل أردني".

ويوضح أن هذه الصحف اقتصر دورها على فضح سياسات الاحتلال ولكنها كانت تعاني من الرقابة العسكرية الاسرائيلية ما شكل معضلة لها.

ويتابع" رغم ذلك استمرت بدورها المهم في بث الوعي الفلسطيني، وتعرض صحفيون للاعتقال والخطف، ومنهم من قتل على أيدي العملاء وسماسرة الأراضي"، مشيرا إلى أن الصحافة لعبت دورا وطنيا لا بأس به ضمن ما هو مسموح لها بالنشر.

ويلفت إلى أن هذه الصحافة مثلت في ذلك الوقت إلى جانب الإذاعات من الخارج مصدر الأخبار للمواطنين، في وقت كانت فيه الإذاعة الإسرائيلية تبث اخبارا ملفقة لقتل الروح الوطنية لدى الشعب الفلسطيني.

وبعد إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية، يقول البرغوثي" أصبحت هناك مساحة الحرية اكبر في الكتابة والإخراج ولم تعد الصحافة كما السابق إذ تخلصت الصحافة من عبء الرقابة العسكرية".

ويضيف" تطورت الصحافة وسياستها التحريرية وأصبحت تتناول مواضيع الفساد بكل اشكاله"، موضحا أن الصحافة الفلسطينية تمكنت من اللحاق بالركب العالمي وأصبح الصحفي مؤهلا ويكافئ على ما يكتب إن كان جيدا وله حقوق ويعمل بحرية".

ويوجد في فلسطين حاليا ثلاث صحف يومية بالضفة (القدس، والأيام، والحياة الجديدة)، بالإضافة إلى عدة صحف في قطاع غزة، كلها تعاني من قلة المداخيل في ظل توجه المعلنين نحو الإعلام الالكتروني.

وحول الواقع الحالي للصحافة الورقية، يقول مدير دائرة الاقتصاد في صحيفة "الحياة الجديدة" أيهم أبوغوش إن الصحافة الورقة مازالت لاعبا مهما في الإعلام الفلسطيني، مشيرا إلى أن العديد من المؤسسات المحلية تهتم بشكل كبير لنشر أخبارها في الصحافة الورقية.

غير أن أبو غوش يؤكد أن دورها تراجع بالفعل في ظل تقدم الإعلام الالكتروني على حساب الإعلام التقليدي برمته بما فيه الصحافة الورقية، مشيرا إلى أن الأخيرة تواجه تحديات حقيقية تتعلق بتراجع متابعيها وبطبيعة الحال انخفاض حصتها من الإعلان التجاري إذ باتت المؤسسات الاقتصادية الكبرى تفضل الإعلان عبر الوسائل الالكترونية.

ويعتقد أبو غوش أن الصحافة الورقية في فلسطين مازالت تمتلك فرصة للحاق بالركب عن طريق المزاوجة والتكاملية بين النسخة المطبوعة للصحف وبين إنشاء مواقع الكترونية متطورة تواكب السرعة في عالم المعلوماتية، مشيرا إلى أن هذه التجربة أثبتت جدواها عالميا إذ تمكنت صحف كبرى من الثبات في وجه العاصفة الإلكترونية من خلال إنشاء مواقع الكترونية متطورة تدعم نسختها الورقية او تصب في خدمتها.

ويخلص أبو غوش إلى ضرورة إلى ضرورة أن تغير الصحافة الورقية في فسطين من سياستها من حيث الشكل والمضمون، لافتا إلى ضرورة أن تعتمد الصحافة على التأثيرات البصرية سواء من حيث ارفاق صور جذبة وبحجم مميز وكذلك رسوم توضيحية وجرافيكس.

ويضيف" من حيث المضمون لم يعد مقبولا أ تعيد الصحافة الورقية ما تناوله الإعلام الالكتروني والمرئي والمسموع قبل يوم من النشر بتكرار أخبار أصبحت قديمة في عالم متسارع، بل يجب أن تبحث الصحافة عن آلية لنشر مواضيع معمقة تتناول فيها ما بعد الخبر، من خلال الاهتمام بالقصة الصحفية وبالتقارير المعمقة والتحليلات الإخبارية والتحقيقات الصحفية".

وحول مستقبل الصحافة الورقية في فلسطين، يقول الخبير في الإعلام الجديد عمار جمهور  

"تعاني الصحافة الورقية الفلسطينية حالياً من أزمة حقيقية جراء تتطور وسائل التواصل الاجتماعي خاصة بان الصحف الفلسطينية الثلاث لم تنجح في التحول من الورقي الى الرقمي، كما ان الاخبار التي تنشرها الصحف تعتمد بدرجة كبيرة على الاخبار الواردة من قبل ممارسي العلاقات العامة، الامر الذي يؤدي الى تكرار العناوين والمواضيع المنشورة بين الصحف الفلسطينية الثلاث ".

ويردف" الصحف الورقية باتت تعاني من أزمة فيما يتعلق بمفهوم الآنية حيث ان الاخبار التي تنشر في الصحف بنسبة كبيرة منها تكون عبارة عن اخبار لليوم السابق من نشرها، الامر الذي يفقدها ميزتها الانية كما ان هذه الصحف تفتقد للتحقيقات الصحفية والتقارير الإعلامية والإخبارية الجادة ، كما ان هذه الصحف تعاني من أزمات مالية جراء قلة الاعداد التي تباع بسبب قلة طلب الشراء والتوزيع ، ما يؤثر سلبا على الاهتمام من قبل المعلنين لنشر إعلاناتهم بهذه الصحف ".

ويخلص جمهور" مستقبل الصحافة الفلسطينية سيكون محفوفا بالمخاطر ان لم تدرك سريعا أهمية التحول، من الشكل الورقي الى الالكتروني،  فالمطلوب منها حاليا أن تقدم شكلا ومضمونًا مختلفا عما هو الحال عليه اليوم".

ويستدل مما تقدم أن الصحافة الورقية مدعوة اليوم لتغيير سياستها وادوارها وأولوياتها إن أرادت أن تثبت في عصر الإعلام الجديد، وإلا فإنها ستعاني كثيرا إلى درجة الاضمحلال.

*تنشر هذه المادة ضمن مساق تدريبي في تخصص ماجستير العلاقات العامة المعاصرة بالجامعة العربية الأمريكية