لعبة الـPubg.. ساعات من العزلةِ بين التخدير والتحذير

جنين- الحياة الجديدة- ديما عساف- باتت لعبة "الببجي" تشغلُ مساحة كبيرة من أوقاتِ لاعبيها، لنرى رؤوساً محنية تجاه الشاشات الإلكترونية، وأذهاناً شاردة لا تتخذ سوى شاشة الأجهزة الذكية موضعاً لها، وأصوات تعج المكان انفعالاً باللعبة، وزوايا يتخذها اللاعبون مهرباً للبعدِ عن المحيطِ الذي حولهم انعزالاً لِلعب.

فأصبحت لعبة "pubg" القتالية حالياً أشهر ألعاب الحرب، فارتبطت بحياةِ الأجيال الجديدة بشكلٍ شبه يومي بصورةٍ لافته، ليرافقها إدمان لاعبيها وسرعتهم في قضاء واجباتهم لإفراغِ وقتهم للعب، ففرضت هذه اللعبة الوهمية انتقال مستخدميها إلى عالم غير افتراضي بعيداً عن الواقع.

فتأخذ هذه اللعبة ساعات طويلة من وقت لاعبيها دون الشعور بخطورةِ الأمر، فيعبر طالب الحقوق بالجامعة العربية الأمريكية محمد ضراغمه عن إدمانه بلعبة الببجي، " قد أصبح تركيزي يعتمد على اللعبة فقط، فسرعان ما يكون همي هو إنهاء محاضراتي لأجل "الببجي"، وألعبها ساعات كثيرة دون ملل".

وأوضحت ربة المنزل رائده عنبوسي أن أطفالها الأربعة عند عودتهم من المدرسة يكمن مركز اهتمامتهم في اللعبة فقط، :"إنهم يؤدون واجباتهم المدرسية كمجرد واجبٍ عابر بدون تركيز، وعند الإنتهاء من الدراسة والواجبات يكون همهم الأكبر هو لعبة "الببجي".

وتابعت:" نلاحظ أن مبدأ اللعبة يعتمد على فن القتال والقتل والاستمتاع بها، فتلامس الواقع تقريباً، لكونه يظهر المعالم والأسلحة والأعتدة وعجلات التنقل والقتال، لهذا نجد الشباب والأطفال يندمجون مع اللعبة وينتقلون إلى هذا العالم الخيالي الإفتراضي".

ووصف بعض الخبراء أن هذه اللعبة سلاحٌ ذو وجهين، الوجه الإيجابي أنها تقضي على وقت الفراغ، وأنها متنفسٌ لبعضِ الناس الذين يمتكلون أوقات فراغ كبيرة، ومن الناحية السلبية عدم الإدراك بخطورتها الفكرية والنفسية والصحية، عدا عن إهدار الوقت.

وفي هذا السياق، أوضح رئيس قسم علم النفس في جامعةِ النجاح الوطنية د. فاخر الخليلي :"أنه تتمركز المشكلة الحقيقة في عدمِ إدراك بعض الناس لخطورةِ هذه اللعبة وغيرها من الألعاب، فقد يخطر لدى بعض الناس أنها مجرد لعبة وحسب وأنها لتلبيةِ حاجات ورغبات بعضهم، وللقضاءِ على الروتين والبعد عن الملل، لكنها سلبية أكثر من كونها إيجابية".

وأشار: أن الإقبال على هذه اللعبة وغيرها من الألعاب الإلكترونية يأتي نتيجة اختلاف ثقافة هذا العصر، فسابقاً قبل اختراع الألعاب الإلكترونية يميل الأطفال إلى اللعب الشعبي الذي له أثر في النمو الفكري والحسي، ويشبع حاجات الطفل وينمي لديه الإدراكات المعرفية، ويشجعه على التواصل مع من حوله.

وتابع: "في هذا العصر التكنولوجي ابتعد الأطفال غالباً عن الألعابِ التقليدية ليطغى عليها الألعاب التكنولوجية، فهي سلبية مقارنة بالألعابِ الشعبية، فهي مرتبطة بعدم إتاحة الطفل ليتحرك ويكتشف محيطة ويتواصل مع أقرانه إلا عبرَ شاشات لها مضار صحية ونفسية وفكرية".

ومن جانبه، عبر رئيس قسم أساليب التدريس د. شادي أبو الكباش أن إقبال الناس على الألعابَ الإلكترونية وخاصة لعبة "ببجي" له أكثر من معنى، إما يتخذ بعض الناس هذه الألعاب كمتنفسٍ لهم نتيجة انعدام العلاقات الاجتماعية، أو له علاقة بشكلٍ نفسي كالخجلِ والإنعزال.

وتابع: "لعبة "pubg" تؤثر على مستخدميها أسرياً واجتماعياً بشكلٍ سلبي، بحيث يعيش اللاعب بمجتمعٍ وهمي، ويجعله منفصلاً عن واقعهِ دون التفاعل مع الاشخاص المقربين منه مثل: أسرته وأصدقائه، مما يؤدي إلى إصابتهِ بإدمانٍ دون أن يدرك ذلك".

وحسب محللين نفسيين فان هذه الألعاب الإلكترونية تفرض على المستخدمين سواء أطفال أم مراهقين الإنغماس فيها، وبالتالي انغماسهم في حرب ثقافية أو فكرية من خلال انتقال اللاعب أو المستخدم لها من الواقع الذي يعيشه وتقريبه الى عالم الخيال، ما يؤدي الى صراع داخلي نفسي ما بين الخيال والواقع محاولاً تطبيق المستخدم قواعد تلكَ اللعبةِ على حياتهِ اليومية بحيث تصبح نمطاً من أنماطِ سلوكياتهِ اليومية.

وفي هذا السياق، أوضح دكتور التخطيط والإدراة التربوية تيم حسن:" نلاحظ أن من أسباب لعب الببجي هو أولا للتسلية والمرح ومن ثم يتحول إلى إدمان وهروب من الواقع، والجيل الحالي مهدد بالضياع من خلال محو الثقافة العامة فكرياً واجتماعياً وزرع ثقافة السلاح والعنف من القتلِ والقتال والاستمتاع بنشوةِ النصر".

وأشار إلى أن هذه اللعبة وما شابهها تستطيع أن تدفع مستخدميها إلى العنفِ لحلِ نزاعاتهم، وتحول شخصياتهم إلى شخصيات عصبية، كما ينعزلون اجتماعياً وسط تفاعلهم مع آله ترسلهم إلى عالمٍ خيالي، فيشعرً مستخدميها بالحاجة للانقطاع عن التواصل مع المحيطين، إلى جانب كمية العنف الكبير التي تتركها في نفوسهم".

وقال: "ما يدعو للتشاؤم أن الأهالي لا يدركون المعنى الخفي السلبي الذي يعود لأبنائهم من وراءِ هذه الألعاب، فهي تستطيع أن تجعل اللاعب وخاصة"الأطفال" يهربون من الواقع الذي يعيشونه إلى عالم آخر بعيداً عن الحقيقة، فلا يدرك دائماً الفرق بين العالم الحقيقي والافتراضي الذي تعرضه اللعبة".

وفيما يتعلق بالعنف في اللعبة، أوضحَ الأستاذ المساعد في أساليب تدريس علم النفس د.عبد الغني الصيفي:" يعتبر اللاعب أن هذه اللعبه تصبح مع الزمن نموذجا يحتذى به في حياته اليومية، وبالتالي تؤثر على شخصيته ويحاول تطبيقها على أرض الواقع وخاصة الأطفال".

وواصل :"يبدو أن الأطفال يتدربون على هذه العقيده القتاليه دون أن يشعروا بالخطر المحيط به مستقبلا، خاصة في ظل غياب رقابة الأسرة عنه أو توعيته في مراحل عمريه".

وعبرت المرشدة الإجتماعية نهال نزال عن سلوكيات طفلها التي تغيرت نحو السلبية منذ لعب الببجي:" لاحظت على ابني تصرفات سلوكيه عنفيه تجاه أخوتهِ الآخرين، وأصبح لا يتكلم سوى عن الأسلحة باللعبة، وكيفية القتال والدفاع عن أصداقائه في الببجي".

وفي المقابل، يرى الدكتور في مركز التعليم الإلكتروني أحمد نوباني أن هذه الألعاب من شأنها أن تطور مدارك الطفل وتجعلهُ أكثر ذكاءً في التعامل مع التكنولوجيا، قائلا:" لا يمكننا حجب الأطفال عن الألعاب الإلكترونية فهي ثقافة العصر، وتجعل الطفل يطلع على ثقافات العالم، وكسب مصطلحات أجنبية".

وأضاف": "إلا أنه لابد من وجود رقابة حثيثه على الأطفال ومعرفة ما طبيعة اللعبة، وبالأخص لعبة "pubg  كونها تجعلُ الطفل يتحدث مع غيرهِ من اللاعبين في العالمِ بشكلٍ مباشر، بالإضافِة إلى تخصيص وقتٍ معين للعب".

من جانبه، عبر دكتور النفس فاخر الخليلي:" أنه لابد من وضع حلول لسلامةِ مستخدمي اللعبة وخاصة الأطفال من خلالِ رقابة الأهالي، والتوعية من قبل المدارسِ والجامعات، وأن يسلط الإعلام الفلسطيني الضوء على هذهِ القضية، وعدم الإستهتار بها، وفرض نوعاً من الرقابة الإلكتورنية".

وأضاف:" يجب أن يخلق الإنسان لنفسهِ متنفساً جيداً وليس سلبياً، وهذا لا يعني عدم اللعب قطعياً ولكن تخصيص ساعة محددة في اليومِ فقط".

وتعددت الفتاوى الشرعية حول لعبة الببجي بين محرمٍ ومعارض، كذلك هددت بعض الدول من حظر تداولها، حيث أشارت بعض التقارير إلى أن الآثار السلبية للعبة تنعكس بشكلٍ مباشر على العلاقاتِ العاطفية والزوجية، وتسببت بمشاكل كبيرة أدت إلى إنهاء بعض العلاقات بشكل كامل.

ولفت مفتي محافظة جنين الشيخ محمد أحمد أبو الرب، الى تحريم لعبة الببجي بشكل مشروط:" ففي حال ممارستها وتأثيرها بشكل سلبي على حياةِ المواطنين فإنها محرمة شرعاً".

وتبقى الألعاب الإلكترونية وخاصة لعبة الـ 'pubg" على هامشٍ مؤقت ثم تختفي بعد مدة قصيرة من الزمن ليأتي غيرها من الألعاب، لكن على الرغم من أن فترة صدى أي لعبة تظهرُ وتبرز عالمياً بشكلٍ مؤقت، إلا أن التأثير النفسي والفكري والصحي الناتج عنها يدوم على مستخدميها دون وعيّ لذلك.