نهلة قورة.. امرأة رام الله الحديدية مستمرة في العطاء

رام الله- الحياة الجديدة- سيرين قسيس- صباح الخميس، الخامس عشر من تشرين الثاني لعام 2018، في عيدها الثامن والستين، الذي يصادف الذكرى الثلاثين لإعلان وثيقة الاستقلال، استيقظت نهلة قورة (ام عمر)على آذان الفجر لتبدأ يومها الحافل، كما اعتادت ان تفعل.
كانت العتمة ما زالت تخيم على مدينة رام الله الساعة، الخامسة صباحا، عندما انطلقت مع نهلة، لتبدأ رياضتها المفضلة في شوارع المدينة التي بللتها الامطار ليلا، وجعلت منهوائها باردا ينعش الجسد، ما جعلنا نخرج البخار من افواهنا ونحن نمشي مسارنا، من شارع عين مصباح الى تلال الماسيون البعيدة عنا مسافة سبعىة كيلو مترات.
لم اكن قادرة على التحدث بسهولة بسبب انقطاعي عن المشيالصباحي لمدة طويلة، ولكني بادرت، في محاولة مني لكسر الجمود الذي سببه برد الصباح، بالحديث معها حول تمسكها بالتجوال مشيا على الاقدام في المدينة لاكثر من ساعتين صباح كل يوم،منذ اكثر من ثلاثين عاما، فقالت لي والابتسامة تعلو وجنتيها ذات الملامح السمراء: "رام الله دائما في قلبي، هي قريبة مني كقرب ابنائي واحفادي، اعشق كل شوارعها، واصحو كل يوم لاقابلها بشغف امراة اعدت نفسها للقاء عشيقها".
استوقفتني عبارتها، نظرت اليها في محاولة  لسماع المزيد، علها تفصح عن مشاعر ظننتها لم تكن بداخل امرأة صلبة وحديدية، كما عرفتها وعرفها الجميع من ابناء المدينة، الا ان صوتا جهوريا من داخل شاحنة للنفايات، تحمل شعار بلدية رام الله،متوقفة على طرف الطريق في الشارع المؤدي لوزارة العدل،طغى على مطمعي مناديا: "صباح الخير ام عمر"، فبادلته رد الصباح وسألته عن احواله واحوال ابنائه، وضحكت له مودعة إياه بعبارة "يعطيك العافية"، وواصلنا مسيرنا.
ساد الصمت مجددا بيننا، وكنا قد وصلنا الى فندق الجراند بارك حيث التمدد العمراني سيد الموقف، وقليلا ما ترى ارضاً خالية في هذا الشارع، فقالت لي: "عندما أتيت الى رام الله بعد وفاة زوجي، الشهيد نزيه قورة عام 1981، كانت منطقة الماسيون ومنطقة الطيرة من المناطق غير المأهولة، حيث كانت تعرف بأراضي "الواويات والضباع"، ولم يرغب احد بالسكن فيها"، ثم حدثتني كيف هاجر الكثيرمن اهل المدينة تاركين اراضيهم وبيوتهم طمعا في الامن،خاصة بعد انطلاق الانتفاضة الاولى عام 1987، كما حدثتني عن نشاطها السياسي آنذاك.
واصلنا مسيرنا الى ميدان الشباب المعروف شعبيا باسم"دوار التشريعي" واكملنا سيرنا متجهين الى شارع مكتبة بلدية رام الله، الذي يحمل اسم الشهيد نزيه قورة، وعندما وصلنا الى المكتبة، توقفت ام عمر لاخذ بعض الصور التذكارية للمبنى وللشارع ببيوته القديمة، وحدثتني في طريقنا الى وسط المدينة عن ادارتها للمكتبة منذ العام 1982 وحتى العام 2006 وقالت: ايام الانتفاضة كنا نخنفي الكتب المتعلقة بالقضية الفلسطينية خوفا من مصادرتها واغلاق المكتبة من قبل سلطات الاحتلال، وكانت المكتبة مكانا لاجتماعات مجلس طلبة جامعة بيرزيت والاطر النسوية والقوى الوطنية، في الوقت الذي منع الاحتلال فيه هذه الاجتماعات.
إنها الساعة السادسة صباحا، حسب الساعة المعلقة على ميدان ياسر عرفات المعروف شعبيا باسم "دوار الساعة"، كان ضوء النهار قد حل خجولا، وقفت ام عمر مجددا تلتقط صورا للباعة المتجولين، الذين شقوا طريقهم لكسب قوت اسرهم اليومي، منهم من كان يحمل على عربته الكعك بسمسم والفلافل،ومنهم من كان يضع الملابس او الاحذية او الحلويات او السكاكر، وصوت تلاوة للقرآن الكريم من راديو مطعم ميس الريم،بدد هدوء الشارع، الذي سرعان ما بدأت "الفوردات" تمر به متجهة نحو "مجمع سيارات" مدينة البيرة.
كملنا المشي نزولا باتجاه شارع يافا، مرورا بعمارة البردوني التي كانت مطعما ومنتزها من معالم المدينة، قبل ان يتم هدمه وأقامة عمارة ضخمة في مكانه، وشاهدنا الحفريات التي بدأت منذ اكثر من شهرين في الاراضي المحاذية لعمارة الميدان بعد ان تم هدم مبان قديمة هناك، وهنا قالت ام عمر بنبرة اسف على حال المدينة: "شو بدها رام الله توسع لتوسع مولات؟ رام الله تغيرت كتير" حينها تذكرت امي عندما مررنا هذا الصيف بشارع سرية رام الله الذي اصبح مليئا بالمقاهي والمطاعم والعمارات التجارية بشكل مخيف، حيث قالت لي انذاك: "رام الله تغيرت، بطلت اعرف شوارعها".
عند وصولنا لمبنى بلدية رام الله، حيث تشغل ام عمر عضوية المجلس البلديمسؤولةلجنة العطاءات في المجلس، وقفنا للمرة الثالثة لتلتقط الصور لمجسم عائلة راشد الحدادين، ولمنتزه البلدية الذي تم إعادة تأهيله مؤخرا، وهنا توقفنا قليلا، حيث استوقفها بعض اوراق الشجر التي تساقطت بفعل فصل الخريف وبدأت تجمعها والقتها في الحاوية المجاورة، فسالتها عن متعتها في التطوع دائما، خاصة وانها تدير بيت المسنين التابع لجمعية الاتحاد النسائي المحاذي لمجمع فلسطين الطبي في الجهة الجنوبية لمخيم قدورة تطوعا، وتقضي فيه يوميا ما لا يقل عن ثلاث ساعات، فاستدارت نحوي وهي تعدل كوفيتها السمراء التي كانت تلتف حول عنقها، وقالت: انا اتطوع في كثير من المجالات النسوية والاجتماعية منذ ان كنت فتاة عشرينية، انا اجد ذاتي في مساعدة الاخرين وفي بناء رام الله الحبيبة".
واصلنا المسير في أزقة شوارع رام الله التحتا، مرورا بالمحكمة العثمانية وحارة القديرة، وصولا الى باب منزلها، فركبت سيارتي الزرقاء من نوع رينو الواقفة بمحاذاة البيت، وفتحت الشباك وقلت لها ، كل عام وانت بالف خير، القاك اليوم مع احفادك على الغذاء لمعايدتك.
ودعتها وانا اعرف انها ستعد لنا "ورق دوالي ومحشي" وأن يومها بالتاكيد سيكون حافلا، فهي ستعد الطعام وستحتفل بعيدها بين المسنين كما اعتادت منذ سنوات، وبالطبع فهي ستقوم بتقليدها الخميسي الشتوي، لتذهب مساءاً للمبيت في بيت بناه والدها في مدينة اريحا، لتعتني بالبستان، وتقطف الحمضيات لتوزعها على اخوتها واخواتها الذين منعتهم مشاغل الحياة من الاهتمام به.