تصعيد التسوية

هآرتس – تسفي برئيل

الرواية المتفق عليها للجولة الحالية هي أن عملية الجيش الاسرائيلي في قطاع غزة تشوشت عندما اصطدمت بقوة فلسطينية، ومن اجل انقاذ القوة كانت حاجة الى استخدام عملية جوية كثيفة تمكن من انقاذ الجنود. عن سؤال اذا كان هناك حاجة لتلك العملية السرية، قال المتحدث بلسان الجيش الاسرائيلي إن "العملية كانت في عمق القطاع، وهي نهاية طرف نشاطات يتم تنفيذها بصورة مستمرة، وهدفها تحقيق التفوق والقدرات الاسرائيلية كما هي موجودة الآن". صحيح أن تفاصيل العملية محظور نشرها، لكن من المسموح التساؤل حول ما الذي كان مستعجلا بهذا القدر لتنفيذ عملية كهذه، بالتحديد في الوقت الذي كانت اسرائيل وحماس ومصر وقطر يقفون على شفا التوصل الى اتفاق بشأن تسوية تستهدف منع التدهور الذي حدث في اعقاب عملية الجيش الاسرائيلي.
هل افتراض من خططوا العملية الذين حصلوا حسب المتحدث بلسان الجيش الاسرائيلي على موافقة المستوى السياسي، كان أن النجاح مضمون ولذلك لم تكن مشكلة في تنفيذ العملية، وكما يبدو ليست هي المرة الاولى؟ يجدر السؤال: على ماذا استند هذا الافتراض. هل يجب أن نقبل دون شك التفسير الذي يقول إن الامر لا يتعلق بعملية تصفية محددة، بل بـ "عملية عادية"؟ هل ربما استجاب المستوى الذي يصادق على العمليات الى طلب الوزير جلعاد اردان الذي يشجع فكرة التصفيات المركزة؟.
ازاء التطورات الخطيرة على حدود غزة، ثانية وبالتأكيد سوف تزيد حدة الخلاف حول الرد المطلوب. هل علينا احتلال غزة أم فقط ايلامها، ليس لأن القصف المركز سيجعل حماس تنهار، بل من اجل اقناع الجمهور الاسرائيلي بأن قدرة ردع اسرائيل لم تتضرر. إلا أن الردع تحول في الايام الاخيرة الى مفهوم نظري ازاء اطلاق الصواريخ والقذائف الكثيف الذي قامت به حماس تجاه اسرائيل. المنطق السليم يقول بأن تنظيم مرتدع كان سيكتفي بانتقام محلي على قتل ستة اشخاص من رجاله، ولن يحاول استعراض قوة هجوم واسع من شأنها المس بالانجاز السياسي والاقتصادي الهام الذي حققه – المساعدة القطرية التي بدأت تتدفق نحو القطاع.
ولكن مثل اسرائيل، يوجد لحماس ايضا حسابات سياسية معقدة تجبرها على الحفاظ على مكانتها في ميزان الردع امام اسرائيل. وعلى الأقل تآكل حصرية الردع التي تلوح بها اسرائيل. حماس غير مطلوب منها توقع ماذا سيكون رد اسرائيل على اطلاق الصواريخ. هي تعرفه جيدا وهي تستطيع الاعتماد عليه دون شك. الآن هي تسمح له بتوحيد الصفوف، وأن تجند الى جانبها الجهاد الاسلامي ولجان المقاومة الشعبية اللذان يهاجمانها بسبب تنازلها لاسرائيل، حتى لو كانا مستعدين للذهاب في تسوية معها. ومن اجل استعراض زعامتها بأنها فقط هي التي تحدد ما هو الرد المبرر وما هو الاطلاق غير المناسب، مثل اطلاق الصواريخ الاخير للجهاد الاسلامي في شهر تشرين الاول. الاساس الهام في استراتيجيتها العسكرية يقول إن اسرائيل تكون ملزمة دائما بأخذ رد حماس في الحسبان، حيث أن الهجمات الاسرائيلية على غزة لم تمنح سكان غلاف غزة الهدوء الذي من شأن هذه الهجمات أن تحققه.
في اسرائيل وفي غزة يفهمون جيدا قواعد لعب ميزان الردع المتبادل. ومن الواضح لهما أن نهاية المواجهة الحالية هي الجلوس على طاولة المفاوضات، التي فيها مصر ومبعوث الامم المتحدة وقطر واسرائيل وحماس سيعودون الى مخطط التسوية الذي بدأوا في نقاشه، لأن هناك الكثير لدى الطرفين مرتبط به. حماس ستستكمل بواسطة التسوية التحرر من الاعتماد الاقتصادي على السلطة الفلسطينية، وهذا سيحسن وضع غزة الاقتصادي، وبالتالي، القوة السياسية الداخلية لحماس. وسيعزز مكانتها كجسم سيادي معترف به، سواء من قبل اسرائيل التي تعتبرها جهة مسؤولة من كل النواحي، أو من قبل مصر التي فقط قبل ثلاث سنوات كانت تعتبرها منظمة ارهابية تهدد أمنها.
كل ذلك بدون الاضطرار الى التنازل عن ايديولوجيتها الوطنية – الدينية، ودون الالتزام بعملية سياسية. كذلك هي لن تضطر الى التنازل عن جهاز جباية الضرائب وجهاز القضاء الذي انشأته في القطاع.
من ناحية حكومة اسرائيل، الانقسام بين حماس وفتح يضمن استمرار الجمود السياسي. لذلك، حتى لو وافق على استئناف المفاوضات فهو لن يعتبر الممثل الحصري طالما أنه لم ينجح في اخضاع حماس. على المستوى العملي، حماس توفر على اسرائيل الحاجة الى ادارة القطاع مباشرة، كما كان سيكون مطلوبا منها أن تعمل لو أنها احتلته مرة اخرى، وهو أسهل التنظيمات العاملة في القطاع من اجل أن تنشئ أمامها ميزان ردع يستند الى مصالح حقيقية دون أن تدفع ثمن سياسي مقابل ذلك.
المشكلة هي أن أرجل التسوية مربوطة بحبال اسرائيل السياسية التي لديها حساباتها الخاصة، حيث ان السياسة تجاه غزة تحولت الى امتحان للوطنية التي تشرك ايضا الجيش الاسرائيلي، الذي يجب عليه تنفيذ القدرة العسكرية. النتيجة هي أن فترة المواجهة الحالية وحجمها وتحقيق الهدوء الذي سيعقبها، ستتقرر ليس حسب الضرر الذي يسببه القصف في غزة، بل حسب الهدوء الذي سيتحقق بين بينيت وليبرمان. صوت المنطق يسمع الآن بالتحديد من فم رئيس الحكومة، الذي اوضح بأنه لا يرى أي فائدة في حرب اضافية ضد غزة فقط من اجل العودة الى طاولة المفاوضات للتوصل الى تسوية أو وقف لاطلاق النار. ولكن الآن سيضطر الى أن يفحص جيدا ميزان نقاطه امام هذين الوزيرين أكثر مما هو امام حماس.