نقترب من لحظة الحقيقة

معاريف – تل ليف رام

مرت أكثر من 13 ساعة منذ اطلقت حماس قذائف الهاون، إثر الاشتباك مساء أول امس (السبت) في قطاع غزة، وحتى اطلاق القذيفة المضادة للدروع نحو الباص. في نظرة الى الوراء يبدو أن حماس بحثت عن نقطة ضعف عملياتية، وبعد الظهر فتحت نارا مخططة ومنسقة نحو غلاف غزة، نارا اتسعت بسرعة الى مناطق أبعد ايضا في الاراضي الاسرائيلية.
في الجيش الاسرائيلي استعدوا لهذه الامكانية وواصلوا تعزيز القوات في منطقة الجنوب. ولا سيما بعد ان اعلنت حماس والجهاد في قطاع غزة بانهما ستردان على عملية القوة الاسرائيلية الخاصة في القطاع بل واخلتا قياداتهما. لقد كان اطلاق الصواريخ (الأحد والاثنين) شاذا في حجمه مقارنة بالجولات الاخيرة في الجبهة وليس فقط مقارنة بحملة الجرف الصامد. واذا كان لدى احد ما شك بان حماس مستعدة لان تخاطر بانجازات التهدئة، جاء جواب أمس (الأول) واضحا وقاطعا. ففي اطار لعبة تراشق الطابة المعروف بان اسرائيل وغزة تلعبها منذ سنين تعود الكرة مرة اخرى نحو اسرائيل، وهذه المرة ايضا ستجرى اتصالات بوساطة مصرية لتحقيق وقف للنار.
هذه المرة كان الضغط على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كبيرا على نحو خاص، ويتعين عليه أن يختار بين حملة في القطاع وبين التسوية. حتى الان، تمسك نتنياهو بمساعي التسوية. ورغم الانتقاد الجماهيري يبدو أن مكانته السياسية لم تتضرر في اعقاب هذا الموقف، ومعظم النقد السياسي والجماهيري على سلوك اسرائيل تجاه حماس موجه نحو وزير الدفاع افيغدور ليبرمان. اما هذه المرة يبدو ان الاضواء تتجه اليه مثلما تتجه نحو رئيس الاركان الفريق غادي آيزنكوت.
من الصعب استشراف المستقبل، ولكن يبدو أن جولة التصعيد الحالية من المتوقع أن تكون اطول من الجولات السابقة بل واكثر عنفا. هذا لا يزال لا يعني ان الجيش الاسرائيلي سيرسل الى عملية برية، ولكن في وضع الامور الكفيلة بان تتطور في الايام القادمة، فان هذا سيناريو محتمل.
يخيل ان نتنياهو ايضا يفهم بانه في نهاية جولة التصعيد الحالية او الحملة العسكرية في القطاع سيكون مطالبا بان يعرض انجازات حقيقية، سياسية او عسكرية، تضمن واقعا امنيا مختلفا لسكان الجنوب. فبعد اكثر من سبعة اشهر من المواجهات في اشكال مختلفة مع حماس، في هذه المرة تقترب لحظة الحقيقة: فالنماذج في طريقة عمل اسرائيل، عسكريا او سياسيا، ستعزى هذه المرة ايضا في طالح رئيس الوزراء.
عودة الى العملية العسكرية التي انكشفت مساء اول أمس (الأحد). فأسهل ما يتوفر هو توجيه اصبع الاتهام للقيادة السياسية التي اقرت العملية للجيش. يبدو ان القيادة السياسية والعسكرية اعتقدت بان نوع العملية التي نفذت أول أمس (الأحد) هام حتى في فترة حوار سياسي على تسوية في غزة. انتقاد توقيت العملية هو بالطبع مشروع، وفي اطار قواعد ا للعبة الديمقراطية. ولكن قبل لحظة من اطلاق التغريدات التي تربط اتخاذ القرارات بشؤون اخرى تتعلق برئيس الوزراء، نوصي بالتوقف والتفكير. وبالذات من رجال امن وجنرالات سابقين يعرفون جيدا بان ليست كل الصور الاستخبارية وهدف العملية معروفة لهم اليوم، كان من المتوقع على الاقل انتظار يوم قبل اطلاق الانتقاد السياسي.
لا يخفي آيزنكوت موقفه من عدم جدوى القتال في القطاع في هذا الوقت وعن الحاجة الى الوصول الى تسوية. وحتى قبل وقت طويل من اقرار وزير الدفاع لعملية من هذا النوع، هناك رئيس اركان وضباط يدفعون نحو تنفيذها. ذات الضباط الذين يدفعون نحو التسوية ويتعرضون للانتقاد على ذلك، رأوا اهمية في هذه العملية رغم المخاطر – وليس صدفة.
لكل عملية خاصة في الشمال او في الجنوب تترافق ادارة مخاطر تأخذ بالحسبان ايضا امكانية التعقيدات. فقد كانت العملية في غزة هذه المرة مركبة جدا ولا سيما بسبب ظروف المنطقة التي نفذت فيها، ولكن هذه لم تكن عملية غير مسبوقة. فهل كانت هنا ثغرة استخبارية؟ في تحليل ظروف المنطقة، من السابق لاوانه القول ولكن هذا الموضوع لا بد سيفحص بعمق في التحقيق العملياتي.
كما ستفحص ايضا مسألة اذا كانت اخطاء القوة ادت الى كشفها. ليس واضحا على الاطلاق انه كانت لدى "المخربين" معلومات مسبقة عن عملية الجيش الاسرائيلي ولكن يبدو أنه في هذه الجبهة يقظة قوة حماس كانت عالية على نحو خاص. كما من المتوقع للجيش ان يحقق في آثار الكشف عن العملية على عمليات مشابهة في المستقبل، وما مدى الضرر الذي لحق وبموجب ذلك ستستخلص الدروس.
وبعد كل هذا ينبغي أن نتذكر بان عمليات من هذا النوع لا توجد ثقة مئة في المئة في نجاحها بل وهي في بعض الاحيان تميل الى التعقد. ولا يزال، فان الشكل الذي عملت فيه القوة بعد ان انكشفت، رباطة الجأش والمستوى المهني العالي للقوة ولقوات الانقاذ، منعت حدثا كان من شأنه ان ينتهي بنتائج اقسى بكثير.