حديث الوحدة ... الضرورة القصوى

الياس زنانيري*

لم تمر لحظة في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي إلا وكانت حرجة وشكلت منعطفا خطيرا في القضية الفلسطينية، قضية العرب الأولى حتى ولو لم ينظر إليها البعض كذلك. لكن المرحلة الحالية تمتاز بخصوصية فريدة من نوعها من حيث إن القضية الفلسطينية تقترب فيها من مفترق طرق استراتيجي تلتقي فيه القوى المعادية من الخارج والمغامرة من الداخل عند هدف أسود واحدٍ هو تصفية القضية الفلسطينية. وإلا كيف نفسر هذا التناغم المطلق بين إحياء الذكرى المئوية لوعد بلفور المشؤوم، وإطلاق ما يسمى صفقة القرن، التي لم ينتج عنها حتى الآن سوى البيانات والخطوات المشؤومة للرئيس ترامب في نقل سفارة بلاده إلى القدس، والاعتراف بالمدينة المقدسة عاصمة لإسرائيل، وشطبه لملفي اللاجئين والاستيطان عن طاولة المفاوضات، وبين استمرار الحصار الإسرائيلي الجائر على أهلنا وشعبنا في القطاع المحاصر، وكأن لعنة الانقلاب والانقسام لم تكن كافية فجاء التجويع والحصار، ومن ثم فوق كل هذا وذاك يأتي هذا العدوان الأخير على قطاع غزة دونما أي مبرر اللهم إلا خدمة أجندات الأعداء والخصوم على حساب أرواح وممتلكات المواطنين الفلسطينيين الذين لا حول لهم ولا قوة إلا التطلع إلى غد مشرق عزيز يأتيهم من جوف الاحتكام من جانب كل الأطراف للبرنامج الوطني الفلسطيني ومشروع التحرر والاستقلال الذي يخوضه شعبنا تحت قيادة الأخ الرئيس محمود عباس.
 وحين نتحدث عن أعداء الخارج ومغامري الداخل لا بد من الحديث كذلك عن أن النسيج الوطني الفلسطيني يجمع كل الفلسطينيين في شتى بقاع الأرض تحت راية واحدة لا اثنتين وهي راية منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للكل الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، ووراء هدف واحد لا اثنين ألا وهو التحرر والاستقلال في دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران 1967 والتوصل إلى حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين وفق القرار الأممي 194 وحسب ما نصت عليه مبادرة السلام العربية للعام 2002.
لذلك، ومع أن سطوة الاحتلال في تصاعد مستمر، وحيث إن ضجيج المزايدين يواصل الارتفاع بين الفينة والأخرى، إلا أن شعبنا لم يفقد بوصلته أبدا، وحاله في ذلك كالذي يستمع لكل هذه الأصوات النشاز ومن ثم يلقي بها في بحر غزة المحاصر أو حتى في البحر الميت ذاته حيث تدفن أملاحه كل صوت نشاز في ساحتنا الفلسطينية الواسعة.
 إن وحدانية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية لكل فئات شعبنا في فلسطين المحتلة والشتات لهو دليل واضح على ضرورة أن تتوحد كل الجهود لكل شرائح شعبنا على اختلاف مذاهبها ومعتقداتها وانتماءاتها السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية. وإلا فإن كل حديث عن الصمود في وجه عنصرية دولة إسرائيل تجاه المواطنين الفلسطينيين فيها، وغطرسة الاحتلال في الأراضي المحتلة، ووجع التشرد والحرمان بين فلسطينيي الشتات يبقى حديثا عابرا لا يسمن ولا يغني عن جوع.
نحن ندرك أن لشعبنا أكثر من حربة يدافع بها عن ذاته وعن حقوقه، على الرغم من اختلاف الظروف المحيطة بكل فئة من فئات هذا الشعب الأبي. وحيث تتركز نضالات شعبنا تحت الاحتلال في المقاومة الشعبية التي تضم بين صفوفها أوسع قطاعات شعبية ممكنة، فإن إخواننا الفلسطينيين في الداخل يخوضون نضالا من أجل العدالة والمساواة اللتين حرمتهم منهما سياسة البطش والتمييز العنصري للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ قيام إسرائيل عام 1948 وحتى يومنا هذا، مع فارق جوهري واحد وهو أن الحكومة الحالية ملكت من الوقاحة، ولا نقول الجرأة، لسن قانون هو في واقع الحل تشريعٌ للتمييز العنصري ضد الأقلية العربية الفلسطينية في الداخل.
ويدرك الجميع أن الجماهير العربية الفلسطينية في الداخل تقوم بدور مركزي في إدارة الصراع مع المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة من أجل انتزاع حقوقها الكاملة في العدالة والمساواة. كما يدرك الجميع أن المعركة ضد الاحتلال في الأراضي المحتلة، وتلك التي يشنها إخواننا في الداخل من أجل العدالة والمساواة هما معركتان متناظرتان ومتوازيتان في آن واحد. لكن كما يبدو فإن الشر يأبى أن يفارق أهله فتطل علينا بين الحين والآخر رؤوس فقدت عقلها الوطني وانتماءها القومي لتعيد بعثرة الأوراق ولتخلط حابل الصراع الرئيس مع الاحتلال بنابل الصراعات الثانوية المشروعة ما دامت محكومة بقاعدة التعددية السياسية والاحتكام للديموقراطية حيث يسود رأي الأغلبية ويحظى رأي الأقلية باحترام الأغلبية.
من نافل القول إن الانتماء الوطني الحقيقي للأرض المقدسة لا يستوي أبدا مع السعي وراء الارتزاق أو التسول على أبواب السولار أو الدولار أو الغاز الطبيعي. والولاء لمن وهبوا دماءهم وأرواحهم من أجل الوطن ليس أبدا مثل ولاء ضعاف النفوس لمن يملأ الجيوب ويسرق الألباب. إذ أين الثرى من الثريا؟؟ إن العمل الوطني الفلسطيني في مختلف الساحات يتطلب الارتقاء دوما فوق أي خلاف ثانوي بين مختلف قطاعات شعبنا، والتركيز بالمقابل على التناقض الرئيسي مع الاحتلال الإسرائيلي ومع أدواته المتعددة والمتنوعة. لكن من المرفوض جملة وتفصيلا أن تعلو من الداخل أصوات ليس في عروبتها سوى استخدامها للغة الضاد، وليس فيها من الدين سوى استخدام بعض آيات الكتب السماوية الكريمة لتسويغ انحرافها وضياعها في غياهب الارتزاق الممجوج أو التنافس الكئيب على منصب هنا أو موقع هناك.
نفهم تماما أن حالة الاحتقان السياسي تُفرز في بعض الأحيان مثل هذه الأصوات الغاضبة أو الحزينة أو الفاقدة للأمل. لكن هذا الاحتقان السياسي ليس مبررا أبدا للتطاول على القيادة الشرعية لشعبنا بل يجب أن يكون مدعاةً لترسيخ الوحدة الوطنية والارتقاء بصفوف المناضلين إلى درجة أعلى من المهنية والكفاءة والالتزام لمواجهة الأعداء من الخارج والمزايدين من الداخل.
أما وقد تطرقنا إلى ما يجري وراء الخط الأخضر، لا بد من تذكير كل مكونات المجتمع الإسرائيلي، عربا ويهودا، بأن الحرب الحالية على القطاع، كما الحروب السابقة التي شنتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني خاصة، والشعوب العربية قاطبة منذ العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وحتى يومنا هذا، لا يمكن أن تحقق لإسرائيل أي استقرار أو أمن أو سلام. ليس ثمة من يُدرك أكثر من الإسرائيليين أنفسهم أن ما فشلت في تحقيقه القوة العسكرية لا يمكن إنجازه باستخدام قوة عسكرية أكبر حجما وتأثيرا؟ لقد فشلت العقيدة العسكرية الإسرائيلية التي تبنت هذه النظرية منذ سنوات طويلة، لكن العقل الإسرائيلي التوسعي ما زال أسيرا لمنطق القوة والعنجهية العسكرية. فكم من دولة لم تغب عنها الشمس طارت واختفت في لحظة تاريخية ما؟ لقد آن للعقل الإسرائيلي أن يدرك أن خلاصه ومستقبله يعتمدان فقط على إنهاء الصراع عبر حل الدولتين على أساس حدود الرابع من حزيران 1967 وقيام دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. أما دون ذاك فإن المنطقة ستبقى مرتعا لمن هب ودب من مثيري الفتن والحروب ومشجعي الاحتلالات.
* نائب رئيس لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي