معادلة النصر والهزيمة

نبض الحياة.. عمر حلمي الغول

في الصراع المتواصل والمحتدم مع دولة الاستعمار الإسرائيلية والمشروع الصهيوني الأم وخلفهم كل قوى رأس المال الغربي الرأسمالي وخاصة الولايات المتحدة لا يقاس معيار النصر والهزيمة بالضربة القاضية، أو من خلال معركة واحدة، أو بحجم الشعارات الشعبوية المرفوعة، ولا بحجم ما تطلق أذرع المقاومة من رشقات قذائفها وما تطلق عليه مجازا صواريخ، انما الفوز والنصر يحتاجان لمجموعة من الشروط والعوامل، وجميعها مدركة للأسف الشديد، وباتت بديهيات عند مختلف القوى والنخب والأفراد من عامة الشعب، ومع ذلك في زحمة الهموم والإرباكات والأزمات المتوالدة في أوساط الشعب تغيب عن البال والذاكرة تلك العوامل والحوامل الذاتية والموضوعية. 
ومن باب التذكير وإعمال الوعي، يمكن تدوين بعضها لإنعاش الذاكرة الوطنية، منها أولا أهم عامل من عوامل النجاح والانتصار على العدو يتمثل في المحافظة على الوجود والترسخ والتجذر على أرض الوطن وعدم الاستسلام لمشيئة وخيارات إسرائيل الاستعمارية بالرحيل عنها تحت أي ظرف من الظروف. ولعل تجربة النكبة عام 1948 وعام النكسة 1967 خير مثال ودليل على ذلك، حيث استفاد العدو الإسرائيلي من عمليات الطرد والتهجير للسكان في تثبيت وجوده داخل المدن والقرى الفلسطينية العربية. و يتلازم مع ذلك التمسك بالرواية والهوية الوطنية، وعدم التفريط بها، أو المساومة عليها، أو التهاون بها، أو الانغماس في متاهة الأسرلة لاعتبارات آنية ونفعية. وتعميق ذلك بتعزيز الموروث الوطني والقومي الثقافي والحضاري في حقول وميادين الحياة المختلفة: السياسية والاقتصادية والثقافية الفنية والتربوية والاجتماعية .. إلخ.
ثانيا عدم الاستسلام لشروط وعوامل الهزيمة التاريخية الإستراتيجية والتكتيكية، وإفرازاتها وتداعياتها وانعكاساتها على الأرض، وفرضها للحقائق بدءا من قيام الدولة الإسرائيلية الكولونيالية، مرورا بتوسعها الاستعماري، وتساوق وتطبيع  بعض العرب والمسلمين معها، ودعم الغرب الرأسمالي لها في المراحل التاريخية من عقود الصراع. وأيضا عدم إنكار الحقائق القائمة، ووضع قماشة سوداء على العيون كي لا ترى الحقائق، والتخندق في خنادق المنطق الكلاموجي الشعبوي القاصر والعدمي. لأن كلا الخيارين يصب في مصلحة إسرائيل ومشروعها الاستعماري، وبالمقابل الإساءة للمشروع الوطني والقومي. لأن التعامل مع الواقع لا يعني بالضرورة التسليم به، ولا يعني القبول بإملاءاته، ولا تبني إفرازاته وثقافته وسياساته إنما وضع البرامج والخطط المنهجية البرنامجية الجامعة للكل الوطني لمناهضته وهزيمته تدريجيا وخطوة خطوة. لا سيما وان خيار الضربة القاضية لم يعد موجودا، لأن النظام السياسي العربي غير مؤهل، ولم يعد قادرا على حمل أي من الشعارات العقلانية الوطنية والقومية للتصدي للمشروع الصهيوني وقاعدته المادية الدولة الإسرائيلية، ليس هذا فحسب، انما أبعد من ذلك، حيث باتت العلاقات مع دولة الاستعمار الإسرائيلية من أولويات العديد البعض العربي، وبالتالي النضال المستند للعدالة التاريخية والقانونية والشرعية الدولية، وتثبيت الحقوق والمصالح الوطنية، والعمل على انتزاعها تدريجيا وباستخدام وسائل الكفاح الشعبي المترافقة مع النضال السياسي والدبلوماسي والقانوني والاقتصادي والثقافي الكفيلة في المرحلة التاريخية الراهنة من تعزيز مكانة المصالح والأهداف الوطنية والقومية. 
ثالثا تعميقا لما تقدم، فإن ركيزة الوحدة الوطنية تعتبر الرافعة الأهم لما تقدم، وتمثل الحصن المنيع لحماية الحقوق والمصالح الوطنية، وأحد دعائم وتعزيز الكفاح الوطني التحرري. ودون الوحدة يصبح كل حديث عن المقاومة والصمود مجرد لغو فارغ لا يصب أبدا في مصلحة الشعب الفلسطيني. فلا مقاومة دون الوحدة، ولا انتصار للمشروع الوطني دون الوحدة الوطنية، وكل من يدعي عكس ذلك انما يعمل ضد مصالح الشعب وأهدافه الوطنية. فلا الدين ولا المعتقدات الوضعية تقر وتدعو لغير الوحدة الوطنية في اوساط الشعوب، ولعل الاية الكريمة "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا.." خير تعبير عما ينادي به الدين السمح، وكل الأديان تنادي بالوحدة، وكل النظريات الوضعية تنادي بالوحدة، وعليه من يرفض الوحدة او يتذرع بحجج واهية للهروب من استحقاقاتها تكون له حسابات ومصالح تتناقض مع مصالح الشعب العليا، ولا يمكن تبرير، أو تغطية تلك السياسات الانفصالية الممزقة لوحدة الشعب والقضية والأهداف والنظام السياسي الفلسطيني.  
رابعا  في المعارك التفصيلية التكتيكية بين دولة الاستعمار الإسرائيلية وفصائل العمل السياسي، تخطئ كثيرا أذرع فصائل المقاومة بذهابها بعيدا في خطابها الشعبوي، الذي يعتمد لغة العاطفة المجردة، والميل لتضخيم إمكانياتها وقدراتها القتالية والتسليحية، والبث المتواصل عبر المواقع الإخبارية الإلكترونية عن حجم وعدد "الصواريخ"، التي أطلقتها، كما جرى خلال اليومين الماضيين، وكأنها في حرب مفتوحة مع دولة الاستعمار الإسرائيلية بحيث باتت موازين القوى تميل لصالح المقاومة! هذا غير صحيح، ومضر بالمصالح الوطنية، لأنه ينقل صورة مشوهة عن الصراع أمام دول العالم والرأي العام العالمي، حتى ليبدو للمتتبع وكأننا نملك قوة موازية لإسرائيل المسلحة بكل ألوان واسلحة الدمار الشامل النووية والكلاسيكية. ما ينعكس سلبا على صورتنا وصورة كفاحنا.
 نعم نحن ند قوي، ومواز لإسرائيل الاستعمارية بعدالة قضيتنا، وبما نملك من مقومات البقاء والصمود وببرنامجنا ووسائلنا المشروعة والواقعية في النضال للدفاع عن الثوابت الوطنية، وليس بحجم ما نملك من قذائف الهاون أو ما يطلق عليه مجازا "صواريخ" بما في ذلك صواريخ الراجمات الحقيقية، التي باتت تعتبر على أهميتها بمثابة قذائف مدفعية محدودة التأثير. وبالتالي الثقل والقوة الفلسطينية لا تعتمد ولا تقاس بحجم وعدد القذائف، التي تطلق في المواجهات، رغم  انها تساهم  في رفع الروح المعنوية مؤقتا  في اوساط الجماهير الشعبية الفلسطينية والعربية، ولكن انعكاساتها لاحقا سلبية، لأنها تعطي صورة مغايرة عن عدالة القضية والأهداف الوطنية، ويحاول المستعمر الإسرائيلي استغلالها أبشع استغلال. ومع ذلك بالإمكان استخدام كل ما لدينا دون ضجيج، ودون تهويل، وفي ذات الوقت، نعمل على تقليص حجم المواجهة المباشرة مع جيش الموت الإسرائيلي، وتقليص إلى حد بعيد حجم الخسائر في أوساط الشعب الفلسطيني وممتلكاته ومؤسساته المختلفة. رغم الإدراك المسبق بأن العدو الإسرائيلي لا يتورع عن ارتكاب جرائم الحرب ضد ابناء الشعب الفلسطيني. وعليه تملي المصلحة الدعوة من اللحظة الأولى في أي مواجهة لضرورة مطالبة الدول الشقيقة والصديقة والأمم المتحدة لوقف الجرائم الإسرائيلية وحروبها على الشعب الفلسطيني العربي الأعزل. 
هناك الكثير من البديهيات، التي تعمق  تعزيز روح المجابهة والتحدي للمشروع الكولونيالي الصهيوني، وتصب فعلا لا قولا في مصلحة النصر الحقيقي، الذي يحتاج إلى زمن طويل لتغيير موازين القوى، وقلب المعادلات السائدة لمعادلات سياسية في مصلحة الشعب الفلسطيني والنهوض القومي العربي.
oalghoul@gmail.com