بعد الشبكة الجديدة: لماذا فاضت بلدة الخليل القديمة؟!

حياة وسوق- وسام الشويكي- إلى ما قبل العام الماضي كان موسم الشتاء يشكل بالنسبة لسكان البلدة القديمة في الخليل وتجارها "كابوساً يقض مضاجعهم"، نتيجة الفيضانات بمياه الأمطار، التي كان يصل منسوبها إلى نحو 150 سم، خاصة في منطقة "خزق الفأر"، وكانت تأتي على بيوتهم ومحالهم التجارية، مكبدةً الخسائر والأضرار.

ودامت هذه "المأساة" بالنسبة لأهالي البلدة، سنوات عديدة، لعب الاحتلال الإسرائيلي دوراً أساسياً فيها؛ من خلال وضعه السواتر الإسمنتية والبوابات الحديدية على المداخل؛ ما أعاق انسياب مياه الأمطار نحو منطقة السهلة، إلى جانب تعطيل وعرقلة تنفيذ مشروع تجديد وإعادة تأهيل شبكة الصرف الصحي القديمة والمهترئة للبلدة، إلى أن تمكنت البلدية بالتعاون مع لجنة الإعمار في المدينة مؤخراً، وبالتحديد العام قبل الماضي، من إتمام إعادة تأهيل خط الصرف الصحي، واستبداله بخط جديد بأقطار كبيرة قادرة على استيعاب مياه الأمطار ومياه الصرف الصحي لسنوات طويلة تصل الى 30 سنة مقبلة على الأقل.

وعاشت البلدة القديمة في موسم شتاء العام الماضي بـ "نعيم" بعد أن خلّصهم هذا المشروع من "جحيم الفيضانات"، على مدار سنوات سابقة طويلة، على حد وصف أهالي البلدة وتجارها، بيد أنّ هذا الشعور بالارتياح والسرور اعتراه "شيء من القلق"، كما يصف أكثر من تاجر في البلدة القديمة التقاهم "ملحق حياة وسوق"، جراء الفيضان الأخير الذي حدث قبل أيام مع بداية الموسم الشتوي الحالي داخل البلدة، وعاد منسوب مياه الأمطار في بعض أجزاء من السوق القديم إلى قرابة الـ100 سم، مكبدةً خسائر بآلاف الشواقل، كما حدث في محل لبيع الطيور يعود لمواطن من عائلة البطش، القريب من مسجد القزازين، ومحل مقابل له للمواد التموينية يعود لمواطن من عائلة الشويكي.

فما الذي حصل حتى فاضت بلدة الخليل القديمة بمياه الأمطار في بداية هذا الموسم، قبل أن تصل الأمطار خلاله إلى الذروة التي عادةً ما تشهد انخفاضات جوية وغزارة في مياه الأمطار؟!.

يقول المواطن نشأت البطش، الذي يملك محلاً لبيع الطيور بالقرب من مسجد القزازين، ويقطن البلدة القديمة، إن الفيضان الأخير تسبب في نفوق أعداد من الطيور وتصل خسائره إلى آلاف الشواقل جراء تعرض الطيور للخنق بمياه الفيضانات التي وصلت في محله إلى نحو 100 سم.

فيما بدا الخوف والقلق يساور الحاج اسماعيل الشويكي، الذي يملك محلاً مقابلاً لبيع المواد التموينية، من أن تعود البلدة القديمة إلى سابق عهدها من الغرق بمياه الفيضانات.

وقال لـ "الحياة الجديدة"، الذي التقاه أمام محله بالبلدة القديمة، وسط حركة تجارية تكاد تكون مشلولة: "شتاء العام الماضي لم نتعرض فيه للغرق والفيضانات كما في السنوات الماضية، وهذا يعود بفضل مشروع تجديد شبكة الصرف الصحي داخل السوق، وشعرنا حينئذ بالارتياح والسرور وتحسن كبير في تصريف مياه الأمطار بعد أن كنا في جحيم وأصبحنا في نعيم".

وأردف: "لكن مع بداية موسم الحالي هذا فضنا وتعرض محلي للغرق، وتسبب بخسائر بمئات الشواكل، وأصبحنا نخاف من أن تتكرر الفيضانات هذا الموسم؛ ما يجعلنا في معضلة نخشى من أنلا تنتهي وتضاعف من معاناتنا في البلدة القديمة".

ويعتقد الشويكي والبطش، أن السبب الرئيس في الفيضانات، هو انسداد مصافي مياه الأمطار، بأوساخ وأتربة جرفتها مياه الأمطار المنسابة من المناطق المرتفعة عن البلدة القديمة، داعين البلدية، في هذا الصدد، إلى المتابعة المستمرة لمصافي وقنوات الصرف الصحي وتنظيفها بشكل دوري طوال موسم الشتاء، حتى لا تتعرض البلدة للغرق.

وأوضح أكثر من تاجر في البلدة القديمة لملحق الحياة الجديدة الاقتصادي "حياة وسوق" أن انجراف مواد البناء المستخدمة في أعمال التأهيل التي تقام عند شارع الشلالة القريب من البلدة، نتيجة الأمطار، ساهمت بصورة واضحة في حدوث الفيضانات، من خلال تسببها في إغلاق مصافي المياه وبعض خطوط الصرف الصحي.  

ولم ينفوا في أحاديث منفصلة مع "حياة وسوق" أهمية مشروع تجديد شبكة الصرف الصحي للبلدة القديمة، الذي انتهت الأعمال فيه ولم تتعرض العام الماضي البلدة على إثره للغرق أو الفيضانات، مجنباً إياهم وسكان البلدة القديمة معاناة لطالما ظلت تؤرقهم مع تجدد مواسم الشتاء المنصرمة، مطالبين البلدية بالقيام بأعمال تنظيف العبّارات وخطوط الصرف الصحي في البلدة بصورة دورية كونها تشكل نقطة تجمع مياه الأمطار ومعها الشوائب والأوساخ من مختلف مناطق المدينة.

وكانت بلدية الخليل شرعت، قبل أعوام قليلة، بتنفيذ مشروع تجديد وتأهيل شبكة الصرف الصحي للبلدة القديمة وسوقها القديم وصولاً الى مناطق جنوب المدينة، على عدة مراحل، أولها استهدفت منطقة السوق والبلدة القديمة، بتمويل مشترك بين البلدية ولجنة إعمار الخليل، حيث شمل إعادة تأهيل البنية التحتية كاملة للبلدة القديمة، طالت مواسير الصرف الصحي ومواسير المياه ومصارف صرف مياه الأمطار، وتأسيس لشبكات الكهرباء وإعادة البلاط وتأهيل المحلات التجارية وإزالة التعديات، فكان هذا المشروع هو جوهر إعادة تأهيل البلدة القديمة.

وفي معرض رده وتفسيره للذي حصل من فيضان قبل نحو أسبوعين داخل البلدة القديمة بالخليل، بعد إتمام مرحلة من مشروع تجديد شبكة الصرف الصحي، يوضح رئيس قسم الصرف الصحي في بلدية الخليل، المهندس هاني الرجبي، لـ "حياة وسوق"، أن كمية الأمطار التي هطلت على مختلف أرجاء مدينة الخليل بداية الموسم الحالي كانت كبيرة جداً وفوق المعدلات المتوقعة والطبيعية لها، حيث وصلت إلى نحو 60 ملم خلال ساعات قليلة، ما تسبب بحدوث ضغوطات هائلة من تدفق المياه على شبكات مياه الأمطار والصرف الصحي المنسابة من المناطق المرتفعة باتجاه البلدة القديمة المنخفضة جغرافياً والتي تشكل نقطة تجمع للسيول الجارية في المدينة.

وأوضح أن قسم الصرف الصحي في بلدية الخليل اتخذ اجراءات وتدابير لاستقبال فصل الشتاء، تمثلت بتنظيف مصارف مياه الأمطار المنتشرة في أنحاء المدينة وخصوصا المتواجدة في أزقة البلدة القديمة، بالإضافة إلى غسيل خطوط الصرف الصحي لاستيعاب مياه الصرف الصحي والأمطار خلال الفصل الماطر.

وأضاف المهندس الرجبي: هذه السيول لمياه الأمطار أدت إلى انجراف أتربة وأوساخ من شوارع بالمدينة، إضافة إلى بعض مواد بناء في الشوارع، حيث تجمعت هذه المخلفات في مصافي مياه الأمطار في سوق البلدة القديمة، مما قلل من قدرتها على استيعاب كميات الأمطار، بالإضافة إلى تعرض خطوط شبكات الصرف الصحي للضغط.      

لكنه أوضح أنه خلال ساعات قليلة استطاعت بلدية الخليل وطواقم قسم الصرف الصحي من التغلب على الفيضانات، وإعادة جريان المياه كالمعتاد بداخل الخطوط .

ويشير المهندس الرجبي إلى أن منطقة السوق القديم داخل البلدة القديمة تستوعب النسبة الأكبر من مياه الصرف الصحي والأمطار التي تهطل على الخليل، نظراً لجغرافيتها المنخفضة وتشكلها بؤرة تجمع المياه المنسابة من مختلف مناطق المدينة.

لكن؛ ألمْ تأخذ البلدية هذا الواقع بالحُسبان، خاصة عند إعادة تأهيل الشبكة الجديدة؟.

 يرد على ذلك بوضوح رئيس القسم المهندس الرجبي، أن عمليات إعادة التأهيل والتجديد جرت وفق الأصول واعتماداً على تصميم هندسي سليم  ودراسات علمية دقيقة، والتي تم خلالها مراعاة استيعاب هذه الشبكات لمياه الأمطار والصرف الصحي وفق الأسس والمعايير المتبعة في هذا المجال ،آخذين بعين الاعتبار التوسع العمراني والزيادة السكانية للمدينة. 

ويعود المهندس الرجبي ليؤكد أنّ تعرض المدينة قبل أيام لكميات عالية من الأمطار وخلال مدة زمنية قصيرة على غير العادة والمتوقع، وانجراف أتربة وأوساخ مع السيول إلى مصافي الأمطار في البلدة القديمة، كانت السبب الرئيسي والوحيد لحدوث الفيضانات، على خلاف العام الماضي الذي لم تشهد فيه البلدة لأي غرق بمياه الأمطار.

وهذا المشروع هو جزء أو مرحلة من مخطط مشروع شمولي يجري العمل عليه، حتى يستمر ويتواصل حتى منطقة الفحص، جنوباً، التي يجري الإعداد لإعادة تأهيل الشوارع فيها، بما يشمل ذلك البنية التحتية بشكل كامل، ومن ضمنها خطوط صرف صحي ومياه أمطار، والذي من المتوقع أن يتم إنجازه خلال العام المقبل 2019.

وفي ظل هذا الواقع؛ يبقى الباب مشرعاً أمام التساؤل حول مدى قدرة شبكة الصرف الصحي في الخليل على استيعاب مياه الأمطار وتصريفها، في وقت تتعرض بعض المناطق خارج حدود البلدة القديمة في موسم الأمطار إلى فيضانات.

عن ذلك، يكشف رئيس قسم الصرف الصحي في البلدية م. الرجبي لـ "حياة وسوق"، أن مدينة الخليل كما معظم المدن، تفتقد لشبكات مخصصة لتصريف مياه الأمطار وحدها، منفصلةً عن شبكة الصرف الصحي والمياه العادمة، وأن ما تتعرض له المدينة من ارتفاع في معدلات هطول الأمطار بصورة مفاجئة ومتباينة يجعل بعض خطوط الشبكة غير قادر على استيعاب هذه الكميات المضطردة والمفاجئة لمياه الأمطار، منوهاً في هذا السياق إلى الجهود التي تبذلها البلدية للقضاء على هذه المعضلة تماماً من شوارع المدينة، من خلال أعمال التطوير والتحديث التي تجريها على الشبكة، ومنها القيام بتمديد شبكات صرف صحي جديدة، كما جرى في مناطق دوار المنارة باتجاه مربعة سبتة والذي من المتوقع ان يستكمل العمل به وصولا إلى دوار الجلدة في الفترة القريبة، إلى جانب البدء مؤخرا في تمديد شبكة تصريف مياه أمطار خاصة في منطقة البصة، بالإضافة إلى تمديد خط صرف صحي جديد في المنطقة باتجاه مفرق ننقر لحل معضلة الفيضانات التي تشهدها كل موسم، وكذلك أشار إلى انه تم حديثا تمديد  شبكة صرف صحي جديدة في منطقة الكرنتينا، بالإضافة إلى إضافة العديد من مصارف مياه الأمطار في أكثر من موقع في المدينة للحد من إشكالية تجمع مياه الأمطار فيها، علاوةً على القيام مع كل شارع يجري فتحه أو إعادة تأهيله، بتطوير البنية التحتية بشكل كامل بما يتناسب ويلبي احتياجات المواطنين الحالية والمستقبلية  تقف على رأسها تمديد شبكة صرف صحي تخدم المنطقة لمدة بعيدة المدى وتلائم مختلف الظروف والاحتياجات لأعوام مقبلة.